الرئيسية » مقالات » النضال القومي الأورومي في إثيوبيا والدور الذي لعبه جوهر محمد وكيف اخترق أبي أحمد مسيرة النضال الأورومي وحرفها عن مسارها

النضال القومي الأورومي في إثيوبيا والدور الذي لعبه جوهر محمد وكيف اخترق أبي أحمد مسيرة النضال الأورومي وحرفها عن مسارها

يحاول البعض تقليص الحكم الاستبدادي في اثيوبيا على مدة حكم عصابة وياني TPLF او مدة الحكم العسكري الشيوعي درغ ويتناسون أن الاستبداد السياسي في اثيوبيا ضارب في أعماق التاريخ فهو قديم قدم الدولة الإثيوبية الحديثة، فالدولة منذ نشأتها وحتى اللحظة ترزح تحت أنظمة استبدادية قمعية وان تغيرت أشكالها وتباينت سياساتها واختلفت الانتماءات الاثنية للطبقة الحاكمة فيها.

فمنليك المؤسس الحقيقي للدولة الاثيوبية الحديثة ارتكب مجازر شنيعة ضد الشعب وخاصة شعوب الجنوب والشرق واباد ما يقارب خمسة مليون شخص من شعب اورومو كما ارتكب جرائم شنيعة في حق شعب ولايتا جنوب اثيوبيا ، ولم تتوقف سياسات القتل والتشريد والقمع على مؤسس الدولة منليك بل صار على نهجه الإمبراطور هيلاسلاسي الذي سعى وبقوة لترسيخ نظام الاقطاع حتى جاء الحراك الطلابي وتدخل الجيش وأطاح بحكومة الاقطاع وأعلن أن الأرض لمن يحرثها، لكن الاستبداد والقتل والتشريد لم يتغير بل عرفت حقبة الحكم العسكري درغ بحقبة “الارهاب الاحمر” إلى أن جاء ثوار تغراي بقيادة جبهة تحرير تغراي TPLF واطاحوا بالحكم العسكري وأعلنوا اثيوبية جمهورية ديمقراطية فيدارلية، ولكن هذه المسميات البراقة واللامعة لمسمى الدولة لم تعد الا حبراً على ورق ولم يطبق شيء من تلك الشعارات البراقة التي نادت بها جبهة تحرير تغراي الا في إطار ضيق بحيث يخدم أجندات سياسية ضيقة لعصابة استغلت ثروات البلد واستنزفته طيلة ٢٧ عاماً ، وهذا هو تاريخ الاستبداد في اثيوبيا باختصار وفي طياته ما يندى له الجبين.

كذلك النضال في اثيوبيا ضد الاستبداد قديم قدم الدولة الاستبدادية فلم يهنأ المستبدون يوماً برغد العيش في ظل الثورات الشعبية التي قادها المناضلون من أمثال واقو غوتو وجارا ابا غدا وبارو تومسا وتادسا برو وقبلهم القائد المغوار لينجسو ديغا الذي رد حملات منليك الاستعمارية في ارسي وكذلك بكر واري في هرر وغيرهم كثير مما لا يسع المجال لذكر اسمائهم ، وكما أن المستبدون تعاقبوا في غيهم فإن المناضلون تعاقبوا جيلا بعد جيل ولا يسقط جيل إلا استلم جيل آخر راية الكفاح وشعارهم ” إما أن نقتلع الاستبداد من جذوره او نربي عليه جيلا بعد جيل حتى يقضي الله امرا كان مفعولا” …. هكذا انتقلت الراية إلى القائد المحنك السياسي المغوار “جوهر محمد ” الشاب الثلاثيني صاحب الهمة العالية الذي ظهر في وقت الذروة حيث تساقطت أوراق التوت وبيعت الذمم وتمكن الاستبداد ايما تمكن وانتشرت دعاوى التثبيط وفتاوى اعتزال الفتن ولزوم البيت.

فمن هو جوهر محمد الذي قاد التغيير في اثيوبيا؟

هو شاب ملهم من مواليد ١٩٨٦ م ، ورث النضال كغيره من أبناء شعب أورومو الذين لا يفتأون لحظة من ذكر بطولات أجدادهم وآبائهم في مجالسهم العامة والخاصة ، وحتى أدبهم الفني والغنائي قل ما يتناول مواضيع خارجة عن النضال القومي.
أتيحت للفتى وهو في الثانوية العامة منحة دراسية لنبوغه العلمي ونشاطه الاجتماعي فغادر إلى سنغافورة ثم إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث درس فيها العلوم السياسية في جامعة ستانفورد ، ونال منها درجة الليسانس في 2009 م ثم تابع دراسته العليا في مجال حقوق الإنسان بجامعة كولومبيا ونال منها درجة الماجستير.

أسس العديد من المنظمات الشبابية التي تعني بالنضال القومي للشعب الأورومي وقاد العديد من المظاهرات أمام العديد من المنظمات العالمية للإشهار بالنظام الدموي البائد نظام جبهة تحرير تغراي.

درس جوهر محمد الثورات بأنواعها واستخلص منها ما يلائم الظروف المحيطة بالنضال الاورومي حسب المقومات المتاحة في الأرض وأسس شبكة اوروميا الإعلامية واستفاد منها أقصى استفادة في التوعية والتحريض ضد النظام البائد.

أسس شبكة أوروميا الاعلامية في أمريكا وحصل على دعم من الجالية الأورومية هناك، تصادف ذلك مع قرار الحكومة الاثيوبية بقيادة حزب تحرير تغرايTPLF فاستغل ذلك الظرف ودعى إلى احتجاجات عارمة اجتاحت البلاد في ظرف زمني قصير حيث كسر الشعب حاجز الخوف .

حاول النظام بشتى الطرق كتم صوته والتشويش على قناته OMN لكنه عمل على تخطي كل تلك العقبات واصبح مصدر إلهام للشباب او “القيرو” حيث عمل مع قيادة شابة على الأرض في بناء شبكة تواصل قوية بين الشباب في جميع محافظات إقليم أوروميا.

أثارت قدراته الخارقة على التنظيم والإلهام إعجاب الكثيرين حيث كان ذلك في زمن تلاشت فيه قدرة المعارضة بشتى انواعها عن النضال وان شئت قل في فترة اليأس .

عندما شعر النظام بضراورة المواجهة الشبابية وان لا رجعة عن المطالب قرر العمل على إصلاحات شكلية داخل الحكومة عندها تبوأ بعض الإصلاحيين بقيادة الشاب “لما مغرسا” قيادة حكومة إقليم أوروميا في أواخر 2016م.

لاحظ جوهر مدى تأثير الحراك الشعبي في إضعاف النظام وتآكله داخليا لكن الصعوبة تكمن في إسقاطه كليا لا لقوة النظام بل لعدم وجود قوى حزبية سياسية معارضة يمكنها أن تقود المرحلة الانتقالية فاضطر جوهر محمد على استمالة الاصلاحيين من داخل الحزب الحاكم ودفعهم لخوض عملية إصلاحية داخل الحزب ودعمهم اعلاميا وسياسيا إلى أن بان الشرخ العميق بين الجناحين الاصلاحي والدولة العميقة داخل الحزب الحاكم .

عمل لما مغرسا وجوهر محمد على تنسيق جهودهما ووجها ضربات موجعة لعصابة وياني التي كانت تسيطر على قرارات الائتلاف الحاكم حيث شدد جوهر محمد الخناق من خلال عمله الاعلامي والهامه للشباب على الأرض بخوض احتجاجات عارمة ومواجهة آلات القمع بصدور عارية وإعلان إضراب عام بين الفينة والأخرى ضمن استراتيجية مدروسة تهدف إلى تشديد الخناق على النظام وعلى التقليل من التضحيات الجسام للمحافظة على سير النضال بنفس طويل ومن جهة أخرى خاض “لما مغرسا” معارك سياسية ضارية داخل الحزب ضمن فريقه حتى تمكن من انتزاع توافقات من الحزب الحاكم للعمل على إصلاح النظام والإفراج عن المعتقلين السياسيين ثم تطورت الأمور إلى استقالة رئيس الوزراء السابق .

عندها قرر الجناح الاصلاحي ترشيح شخصية قيادية من ضمن الجناح الاصلاحي وكان المتوقع ان يكون قائد الجناح الاصلاحي “لما مغرسا” على رأس المرشحين في الفريق ولكن لظروف الفنية ولعدم عضويته في مجلس النواب الفيدرالي مما يعني عدم قدرته على تبوأ منصب رئاسة الوزراء حسب الدستور فقرر الجناح الاصلاحي تقديم أبي أحمد لترشيحه لمنصب رئاسة الوزراء لينقلب بعد عام ونصف على مطالب الثوار ويقود الثورة المضادة ضد الشعب الذي هتف باسمه وباسم الجناح الاصلاحي الذي انبثق منه.

فمن هو أبي أحمد قائد الثورة المضادة الذي انقلب على مطالب الثوار بعد أن تخلص من خصومه السياسيين في الحكم، وكيف تمكن من اختراق صفوف الاصلاحيين ليتبوأ أعلى منصب في الدولة؟

الدكتور أبي أحمد من مواليد ١٩٧٦م ، يقول بأن والدته الهمته منذ صغره بأنه سيكون ملكا للبلاد، ومن حينها لم يهدأ للفتى الصغير بال حتى يحقق احلام والدته.

تبنى الميكافيلية منذ نعومة اظفاره للوصول إلى هدفه التي ألهمته إياه أمه ، وآمن بنظرية الغاية تبرر الوسيلة ، حيث لم يترك وسيلة تقربه من حلم والدته الا سعى في إكتسابها مهما كانت ، حيث التحق بالجيش قبل البلوغ ، لأن إدراكه في ذلك الوقت والثقافة السائدة في افريقيا بصفة عامة أن الانقلابات العسكرية هي الطريق السهل إلى كرسي الحكم ، ورغم أن البيئة الاورومية بصفة عامة تنتشر فيها ثقافة النضال القومي، وطلب الاستقلال ، ولا يأبه الناس فيها بالهموم الوطنية ، اذ انهم يعتبرون الوطن الذي يتغنى به الآخرون دولة استعمارية ، ولا يبالون بالحروب التي خاضتها اثيوبيا مع دول الجوار ،ولا تثير فيهم شعرة ، الا ان الفتى الذي أرهقه حلم والدته شارك في الحرب الإثيوبية الارتيرية لعله وعسى أن ينال رتبة عسكرية تقربه من حلم والدته ، ثم ذهب الى رواندا ضمن فرقة عسكرية اثيوبية لإحلال السلام بعد الحرب الاهلية هناك ، ونال رتبة العقيد ، لكنه اكتشف انه ما زال بعيداً عن كرسي الحكم، واكتشف ان الوصول الى الحكم عن طريق انقلاب عسكري يصعب تصوره في ظل البنية الاثنية للجيش الاثيوبي ، ققرر ان يغادر الجيش، وابتعث الى جنوب افريقيا للدراسة ثم عاد منها ليتبوأ مناصب وزارية عالية ، واكتشف خلال دراسته لتاريخ اثيوبيا ان اثيوبيا تعرف تاريخيا بالجزيرة المسيحية وسط محيط إسلامي ، وعرف مدى تأثير المؤسسة الدينية المسيحية على القرار السياسي ، ونظرة دوائر القرار في الغرب للدولة الاثيوبية ، وأدرك أن دينه سيكون عقبة أمام حلم والدته، فلم يتردد الفتى في أن يتخلص من دينه الذي نشأ عليه في صغره فاعتنق المسيحية الصهيونية (البروتستانتية) التي تعرف بهيمنتها على القرارات السياسية في الغرب وأصبح من كبار دعاتها .

سنتناول في الجزأ الثاني مسيرة الرجل السياسية وكيفية اختراقه للجناح الاصلاحي ودور دوائر الاستخبارات الغربية في إيصاله إلى سدة الحكم، والسيناريوهات المتوقعة جراء الصدام الواقع بينه وبين جوهر محمد قائد التغيير الأساسي.

Share This:

عن مفتاح الدين عبد السلام

مفتاح الدين عبد السلام
صحفي إثيوبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *