الرئيسية » مقالات » بين الحركيّة والتّعصب الاستئصالي

بين الحركيّة والتّعصب الاستئصالي

لا أرى بأساً تسيس المؤسسات الدعوية والحركات الفكرية وبناء الهياكل الإدارية والإنتماء إليها مادامت تخدم للمصلحة العامة، بل تكون وسيلة من الوسائل الدعوية التى تنظم سير العمل الدعوي والتعلمي لتكون رمزاً للحضارة والتقدم والتعددية الفكرية التى يشير إليها الفقه الإسلامي بمذاهبه المختلفة.

وكذلك الحركات: فإن من الناس من تميل طبيعته الى الزهد والرقائق ودعوة الناس الى الله والإبتعاد عن السياسة والطواف حول الدنيا ليجد بغيته لدي جماعة الدعوة التبليغ، ومنهم من يحب أن يكون داعية معاصرة يواكب مع العالم ويخوض في غمار السياسة لينضم مع ركب الإخوان المسلمين، كما يوجد من يحب أن يعتكف على كتب الحديث والتفسير ويقف تفصيلا على كتب العقيدة والتوحيد ويصور نفسه وكأنه معاذ بن جبل ليلتحق مع السلفية، وقد يشتاق أحدهم الى الجهاد وخوض المعارك الدموية ليكون مع الغازين، بينما يوجد من يودّ أن يلتزم المِحْراب ويواصل ورده اليومي ويلقي الدروس الفقهية درساً تلوي الآخر ليكون مع الطرق الصوفية، ولو لم تكن هذه التعددية الفكرية لجلس كلهم مكتوفي الأيدي ولم يكن هناك من يسد كل هذه الثغرات.

هذا تصوري في الحركات الإسلامية والمؤسسات الفكرية،لكني أكره التعصب الأعمى والتبعية اللاحدودية التى لاتستند إلى كتاب ولا سنة ولا تفرّق بين المخطإ والمصيب كما لا تعرف بين المصلح والمفسد.

كنّا نتحزب ونتعصب لأجل الحركة الفلانية أو الجماعة الفلانية لنكون وراءها وعلى خطى تصرفاتها سواء أخطأت ام أصابت، ندافعها سرّاً وعلناً ونفق أمام كل من يعارضها بحق أو بغير حق لنجعلها ملائكة مقربين او رسلاً مرسلين من قبل الله، ولم نكن نقدر الوقوف أمام الأخطاء التى ترتكبها الجماعة في حق غيرها، بل كنّا طرفاً بارزا في كل ما أشرته.

طبعاً مازلتُ أحبهم وأنفق كل غال ونفيس في سبيل الدفاع عنهم وأنصرهم ظالمين اومظلومين على مفهوم الحديث النبوي، لكنى لا أوافقهم في خطإ ولا أتعصب لهم في مخالفة الحق،بل أقوم كالناصح الأمين الذي لا يخاف لله لومة لائم.

استغرب وأنا صغير وكنتُ متحمساً لجماعتى حيث أراها الوحيدة التي على الحق والممثلة للمنهج الرباني الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.

كنتُ في طريق تعليمي الإبتدائي وكانت خبرتي محدودة ولم أكن املك أبجديات الدعوة وما يُراد من الداعية من صفات، بل لم اكن أفرّق بين الولاء والبراء وأن المؤمن تجب محاباته مطلقا دون قيد بالجماعة الفلانية كما أن المسلم الفاسق يُحَب من وجه ويبغض من وجه، وإن الكافر تجب البراءة منه مطلقاً،وتجوز المعاملة معه حسب القواعد المشروعة والمقررة في كتب الفقه الإسلامي.

بل إن المعيار الوحيد الذي كنّا نملكه ونقيس عليه أن الداعية الفلانية ينتمى الى مؤسستنا،وأن العالم الفلاني كثيراما يلقى المحاضرات مع شيخنا،كما أن المؤسسة الفلانية تخالفنا في كثير من المسائل الأصلية حسب تصورنا الذي اعتقدنا وعلى هذا نبني ولاءنا لهم او البراءة عنهم والله المستعان!

لم أكن وحيداً بهذه الرؤية بل إن كثيرا من أبناء جلدتنا كانوا يشاركون معي في هذه المشكلة التى تفرّق ولا تجمّع، وتفسد ولا تصلح وإن أفراد المدرسة الأخري كانت أشد تعصباً وأكثر تحزباً منّا، بل كانت تكفرنا وتفنى لأعضائها أن الصلاة وراء أولئك الجماعة لا تصح أبدا.

ما الدي تغير الآن؟!

لم أقف مع الطرف الثاني الذي ينكر الجماعات الإسلامية ويفكر أن يجعل جميعهم في صف واحد ليتأمرو بأمير واحد وإلا فهم المبتدعة المخالفة للكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح-لستُ مع هذا الطرف المتطرف،بل إنني فهمتُ أن الجماعة ليست إلا وسيلة من الوسائل الدعوية والتعليمية والإجتماعية في نفس الوقت،ولا مانع لديّ من أن يكون الشخص سلفياً في أول النهار إخوانيا في آخره، كما لا يُمنع ذلك أن تكون مع مدرستك وتتعامل مع الأخرين بإحترام وتقدير.

أخيراً: السلفية المدخلية او الجديدية- كما يعرف- في طريق مرّت عليه جميع مدارس السلفية( الردود العاطفية) وفي الأخير يتجهون نحو الحقيقة،وسيتفقون معاً ان الخلاف الذي انفقو عليه أوقاتًا نفيسة وعقدوا له المناظرات المحتدمة ونال بعضهم أعراض بعض وديانته لم يكن خلافاً جوهرياً بقدر ما كان اختلاف في التوصيف وإنزال النصوص على ارض الواقع.

Share This:

عن عبدالنور حسن رشيد (بشاش)

عبدالنور حسن رشيد (بشاش)
داعية إسلامي مقيم في الولايات المتحدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *