الرئيسية » مقالات » خواطر عن الوحدة الانفصال

خواطر عن الوحدة الانفصال

قضية الوحدة والانفصال قضية شائكة ومثيرة للجدل ولا أحب أن أدخل في سجالاتها، خاصة عندما يكون في الطرف الآخر من النقاش من ينتمي إلى الأقاليم الشمالية، لأني من الداعين إلى تجنب نقاط الخلاف والتركيز على القواسم المشتركة (وما أكثرها).

عند تناول موضوع الإنفصال، يحاول مؤيدو الإنفصال إقناعنا بفشل مشروع الوحدة وأنه لا سبيل إلا الإنفصال.
ومع أني لست مؤرخا إلا أنني ضد هذا الفكر تماما وأرى أن طريقة الوحدة هي التي فشلت وليس المشروع، وهناك فرق شاسع بين الطريقة والمشروع، كالفرق بين الثرى والثريا.

قبل عدة أيام كنت مع أحد رجال الأعمال لمناقشة تأسيس شركة، وأثناء حديثنا تطرقنا إلى موضوع الشراكة فأخبرني أن معظم شركات المساهمة فى الصومال مصيرها الفشل، بينما معظم الشركات ذات الملكية المحدودة تنجح، والسبب مركزية القرار.

إن السبب الرئيسي في انهيار شركات المساهمة، هي العشوائية في التأسيس وعدم تحديد الأدوار، وحين يدب الخلاف بين الشركاء فإن طبيعة الإنسان الصومالي التي لا تعرف التنازل تلجأ إلى منطق “علي وعلى أعدائي”، ومن ثم تقوم بهدم البيت على رؤوس الجميع، وهكذا تنهار الشركات.

كذالك، فإن الوحدة التي تمت بين الشمال والجنوب تمت في جو مشحون بالعاطفة والحماس المفرط، مما ألحق الضيم بإخوتنا في الشمال، ثم جاء الانقلاب المشؤوم فزاد الطين بلة حتى انفرط العقد.

لا أحد ينكر ماتعرض له أهلنا في الشمال من قتل وتشريد على يد قواتهم الوطنية التي أقسمت أغلظ الأيمان على حمايتهم من الأعداء، فإذا هي تصوب سلاحها لصدور أبناءها وبناتها العزل.

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة…..على المرء من وقع الحسام المهند

ولكن يجدر بنا أن نتساءل هل كان القتل والتشريد خاص بأهلنا في الشمال دون غيرهم من مكونات الشعب الصومالي؟

الجواب لا. لقد قام بالقتل نظام دكتاتوري عسكري ظالم لا يجيد سوى لغة القوة لحل المشاكل، فقام باستخدام القوة المفرطة ضد كل من ثار عليه، بداية من الأقاليم الشرقية ثم باقي الأقاليم حتى انهارت الدولة.

ولذالك، فمن الخطأ القول بفشل مشروع الوحدة، وحمل جريرة النظام العسكري على الشعب الصومالي – وهو بريء منها كبراءة الذئب من دم يوسف – وكأن هذه المجازر تمت برضاه، وأنا متأكد أن الشعب الصومالي كان سيفدي بإخوانه في الشمال الغالي والنفيس، ولكن ما باليد حيلة.

قبل عدة أشهر ذهبت في زيارة عائلية إلى هرجيسا فسافرت جوا إلى جرووي ثم برا من جرووي إلى هرجيسا جوهرة الشمال، ولم تتح لي قبل فرصة السفر برا واستكشاف جمال الطبيعة.

خرجنا من جرووي بعد صلاة الفجر، وعندما اقتربنا من تكارق – التي شهدت حربا طاحنة بين صوماليلاند وبونتلاند – قام سائق الحافلة بتبديل لوحة السيارة البونتلاندية بأخرى صوماليلاندية.

وبمدخل مدينة لاسعانود توجد نقطة التفتيش الرئيسية لصوماليلاند، فتم إنزال مجموعة من الرجال – من ضمنهم العبد الفقير إلى الله – لتدقيق هوياتهم، وحين أخبرتهم بأنني قدمت من مقديشوا اسشتاظ الضابط المسؤول غيظا فعربد وازبد فقط لتفوهي باسم مقديشوا..!!!

عندها تذكرت زيارة مماثلة قمت بها إلى أوروبا في عام ٢٠٠٦ عندما سافرت جوا من لندن إلى بادن بادن في جنوب ألمانيا ثم برا من بادن بادن إلى مدينة ستراسبورغ شمال فرنسا – على الضفة الأخرى من نهر الراين – حيث كانت وجهتي.

قبل أن تتحرك بنا الحافلة من مطار بادن بادن طلبت من السائق أن ينبهني عند اقترابنا من الحدود، وبعد حوالي عشربن دقيقة أخبرنا بأننا نجتاز الحدود الآن، فالتفتت يمنة ويسرة فلم أجد أثرا لأي معلم من معالم التغير طرأ على الطريق، بل الطريق هو هو والمباني والمعالم الأخرى التي على جانبي الطريق هي هي. لاشيء تغير سوى العلم الفرنسي يرفرف في جهة والألماني في الجهة الأخرى.

تلك هي الحدود بين المانيا وفرنسا الذين خاضا حروبا مدمرة في القرنين الماضيين كان آخرها الحرب العالمية الثانية عندما احتل هتلر فرنسا وقتل مئات الآلاف من الفرنسيين، وقبلها قام نابليون باحتلال ألمانيا فقتل الآلاف وجند عشرات الآلاف من الألمان ووضعهم في الصفوف الأمامية في حملته الشهيرة على روسيا القيصرية (الحروب النابليونية).

ربما يقول قائل، كيف تقارن بنا أوروبا وشعوبها وهم وصلوا إلى ما وصلوا إليه من التطور والإزدهار والوحدة والوئام…؟!!!

وأرد عليه وأقول، إن الرواسب العدائية والفروق العرقية بين الألمان والفرنسيين أعمق بكثير من تلك التي بيننا نحن الصوماليون، فضحايا حروبنا القبلية خلال العقود الثلاثة الماضية أقل بكثير من ضحايا “معركة لايبزيخ” في ألمانيا بين نابليون بونابرت والقوات الألمانية النمساوية، ثم إن لدينا من عوامل الوحدة ما لا تجدها في أي مجتمع آخر.

وفوق ذالك كله، لدينا كتاب الله المتين وسنة المصطفى العطرة صلى الله عليه وسلم.

الوحدة هي الخيار الأوحد للأمة الصومالية وبدونها لا مستقبل لأي كانتون صومالي، وسنظل لقمة سائغة في يد دول الجوار وسيبقى السياسيون الصوماليون يحجون إلى أديس أبابا ونيروبي لتقديم فروض الولاء والطاعة.
كم صرفتنا يد كنا نصرفها ……وبات يحكمنا شعب ملكناه.

نحن بحاجة إلى إعادة بناء الدولة الصومالية على أسس متينة وبعقد اجتماعي صومالي صرف، يراعي الظروف الاجتماعية والسياسية الخاصة بالشعب الصومالي أساسه الوحدة ونبذ الدكتاتورية.

أن عواقب التفرق والتشرذم أوخم من أن أسردها ولا تسغفني فصاحتي للتعبير عما يجيش في صدري ولكن سأختم بقصة.

بعد موت صلاح الدين الأيوبي، تفتتت الدولة الأيوبية إلى دويلات متناحرة على رأس كل دولة ابن من أبناء صلاح الدين.

عندئذ، قام أخو صلاح الدين “العادل” بخلع أبناء أخيه واحداً تلو الآخر، حتى تمكن من توحيد الدولة الأيوبية تحت رايته من جديد.

توفي الملك العادل فآل الملك لأبناه من بعده فدب الخلاف بينهم، فبدءوا بقتال بعضهم البعض والإستنجاد بالصليبيين حتى قام السلطان الكامل ابن الملك العادل بتسليم مفاتيح القدس للملك فريدريك الثاني – ملك ألمانيا – كعربون وفاء لمساعدته في محاربة إخوانه.

وللمفارقة، فقد كان دخول القوات الإثيوبية إلى الصومال في ديسمبر ٢٠٠٦ وأنا في ستراسبورغ، وما آلمها من ذكرى.

نصحتهموا نصحي بمنعرج الحلوى…..
فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد.

Share This:

عن عبد الله علي غيلي

عبد الله علي غيلي
كاتب وخبير في هندسة البترول والمعادن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *