الرئيسية » مقالات » رواندا.. مشاهدات وانطباعات

رواندا.. مشاهدات وانطباعات

كانت الثالثة فجراً وكانت كيغالي التي تأسست عام ١٩٠٧م ارتدت رداء الضباب وأحاطتها الغيوم عندما حلقت الطائرة فوق بحيرات وأنهار وهضاب لا يغيب الجمال عنها، ومدينة طالما أردت زيارتها بعد أن أصبحتْ حديث الركبان. كنت على متن الكينية للطيران ضمن مسافرين جاءوا من أقاصي الدنيا إلى منبع النيل والمدينة الأنظف أفريقيا عام ٢٠١٥م، رغم أنها تعاني من تخمة تسويقية فيها كثير من الفنتازيا والرومانسية شعرتها بعد أن راقبت حياة الشعب عن كثب بعيدا عن تهويل الإعلام وتقييم المنظمات العالمية الذي لا يخلو من المبالغات والأجندات السياسية.

في مطار كيجالي لمست جودة الخدمة وسلاسة التنظيم وحسن الضيافة لأولئك الذين كانوا يشبهونني ملامحاً وأحلاماً، كانوا يحملون سحنتي وإيماني بأفريقيا، هكذا شعرت أو بادر إلى ذهني في الوهلة الأولى، قد يكون التعامل المغاير والابتسامة الدافئة ما رسم في مخيلتي هذه الصورة الرائعة للروانديين خاصة وأن حاملي الجواز الصومالي يواجهون التمييز والتضييق والتهجم والابتزاز في كل المطارات، وربما كنتُ ضحية لمضاعفات الأساطير الصومالية التي تروي وبدون دليل رسمي – حسب علمي – أن الروانديين وخاصة التوتسي منهم هاجروا من القرن الأفريقي إلى عمق القارة، والقرن الأفريقي هو الموطن الأصلي للصوماليين قبل الكيانات الناتجة عن مؤتمر برلين1885م، والشعوب الأخرى مطلة عليه.

لمست في عيون الموظفين والإداريين وجميع من قابلتهم في محيط المطار والفنادق، وعلى ضفاف بحيراة كيفو، ومزارع الشاي في روهنغيري (Ruhengeri)، وقبائل أبتوا (Abatwa) الأقزامية، وساكني الأحراش الماطرة المتاخمة للعاصمة بريق الثقة والعمل الجاد الذي استطاع أن يحوّل كيغالي من عاصمة الابادات والصراع القبلي إلى حاضرة متطورة تنافس العواصم الأفريقية! كانت تدور في ذهني لماذا لا نستطيع نحن الصوماليون ترك إرث الحروب الأهلية والانخراط نحو بناء دولة صومالية قوية تعيد للوطن هيبه وللشعب كرامته واعتباره أمام العالم؟ ولماذا لا نحتذى تلك الإرادة التي تستطيع تحويل الاحتقان والكراهية إلى طاقات إيجابية عبر المصالحات الوطنية والعيش المشترك؟ السرّ هي القيادة الواعية والرغبة الحقيقية، نحتاج إلى إيجاد قيادة رشيدة تحمل رأي الحكماء، وجاذبية العظماء، وصدق البسطاء، وحزم الشجعان، ورقة الأمهات، وجمالية الوطن، ورؤية سياسية شاملة من أجل انتهاء كابوس العنف.

سريعا خرجت من المطار وسرت تحت ظلال القمر وعبر دروب موغلة بين التلال والوديان وخضرة لا تنتهي أبداً. في طريقي إلى بيت صديقي الدكتور الشافعي الذي يقع على تلال نيارجينجي (Nyarugenge) وعلى صهوة سيارته كانت المدينة تتكشف سحرها وسط ألف تلّ، ولاحت تحت فضول الاستكشاف مدينة تتعافى من آثار الحروب وعاصمة ذات طابع غربي إمبريالي حيث الشركات الغربية العابرة للقارات والمنظمات العالمية والهيئات الأممية تتنافس على إحكام قبضتها على العاصمة ما جعلها قبلة السياح والاقتصاديين والمنظمات العالمية. مسبقاً كنت أنوي زيارة معالم المدينة وقراءة وجوه الناس وطريقة تفكيرهم ومعرفة ثقافتهم وحروبهم وأدبهم لذا ذهبت في الصباح الباكر مع صديقي الذي يعتبر من بقايا النبلاء الصوماليين وممن لم تغير الحروب طباعهم وطيبتهم إلى عمق كيغالي فأدهشت كيف تحولوا الصراع إلى وئام والقبح إلى جمال! وحكايات الحروب إلى مضاحك وذكريات، هنا طرق نظيفة كانت بالأمس القريب مغمورة بالوحول والبالوعات وصديد الأموات، وصحافة وطنية تذيع الجمال والإبداع بعد أن كانت وكراً للانقسامات وبث الكراهية. لقد تغيرت النظرة والسرديات الشعبية واختفت مصطلحات التفتيت والتقسيم وحل محلها كلمات السلام والمحبة ومراعاة الحقوق.

على وقع الدهشة الممزوجة بجرح أنساني عميق ذهبت إلى “متحف الإبادة الجماعية” في وسط العاصمة، المشهد المبكي سيظل عالقا في الذاكرة.. دموع تنهمر على خدود الثكالى وجبين الأيتام، مرارة مرسومة على وجدان الأرامل طيلة عقود، ابتسامة واسعة اغتالتها آلة الصراعات، ذكريات موحية، وجدران مليئة بالصور والرسومات، كتب متنوعة اللغات ومتباينة في وصف الحروب. الرسومات غارقة بالمخملية والإيحاءات وتمجيد السلام، والمنحوتات عكست على الألم الذي يعانيه المجتمع بعد أن فقد الأهل والأحبة. قصص المأساة الإنسانية كانت مؤلمة عندما كان الشيخ عمر يتحدث عنها بنبرة خيم عليها الحزن “بعد السلام والحياة السعيدة لا أحد يريد أن يتذكر الحرب وقتامة التشريد والدماء التي كانت تخضب على تلال كيغالي وجميع مدن الوطن، لقد قطعنا شوطا بعيدا نحو توحيد المجتمع على أساس لحمة وطنية وهوية جامعة أعمق من القبيلة، لقد انتهت فترة المليشيات الهائجة التي أحرقت الشباب الضائع بين مطرقة القبلية وزندان الفقر، الرؤية الريادية جعلت الشباب الهمجي الذي قتل مليون برئ قبل عقدين إلى شباب منتج ومنبعا للسلام ومصدرا للتطور الرواندي الملحوظ عالميا وأفريقيا، وهذه لفتة تحتاج إلى دراسة حيث إعادة القيم وأخلاق مجتمع ما قبل الحرب الأهلي كان صعب في قطر تحيطه المشاكل وتنتشر في تلاله الخضراء آهات الحرب وحكايات القتلى وآثار أسوأ إبادة أفريقية في التاريخ الحديث. أما جوزيف فيتذكر عن ذكريات الطفولة الضائعة بين الهويات القاتلة، الأطفال كانوا الحلقة الأضعف حيث تم قتلهم وأسْرهم وابتعادهم عن أسَرهم وبذلك فقدت ديناميكية الحياة الرواندية عمادها في الحياة وهي الأجيال الشابة.

كانت سرديات الألم تثير فيني أسئلة بعينها وتعيدني إلى طبول الحرب عند خط الاستواء هناك في بلدي المترنح بين زندان الإرهاب ومطرقة السياسي الفاسد الذي لا يتقن سوى تدوير الفشل وإنتاج الإحباط وتتضاعف المأساة عندما أتوغل في الفلسفة الرواندية للسلام وكيف أقاموا جسرا إلى ماضيهم وجعلوه نبراسا لتقدمهم، فالصراعات الصفرية والحروب الأهلية والقوقعة في الذات القبلية من الماضي، التسوية السلمية ورواندا ديمقراطية تسع للجميع والتطور والتكنولوجيا والانتعاش الاقتصادي والسلام الذاتي والانفتاح إلى العالم الخارجي وفتح أبوابها للشركات العالمية والجامعات الرائدة ونقل مكتسبات الحضارة العالمية إلى رواندا من الحاضر المعاش حاليا.

وبما أن وراء كل محنة منحة شَكّل الحرب المجتمع الرواندي وصقل نظرتهم للحياة، وهذا ما لمسناه جميع من تعاملنا معهم من المطار إلى الفندق والأسواق الشعبية إلى الفضاءات الرياضية والطرقات الخازنة لآثار الدماء. إنهم يعيشون حاضرا ملصقا بالماضي، فالحاضر يستمد انطلاقته وقوته وتعدد ألوانه من الماضي القاتم الذي قسمهم إلى اثنيات وألوان وقبائل ومناطق متناحرة مما حول الدولة الأفريقية الحبيسة وقليلة المساحة إلى رماد وركام ومآسي، والتجاوز من الماضي لم يأتي من فراغ، بل كان منهجا تبنته الحكومة الرواندية التي جاءت بعد المجزرة وأعطت الأولوية لفهم القضية ومنبع القتال، وأدركت أن العنف والفقر يعتبران حلقات متواشجة الصلة ومتسقة تماما وبذلك ساهمت في تثقيف الناس وتحسين مستوى معيشتهم وردم الهوة بين المجتمع حيث ابتعدت عن الانتقام وتشريح جثة الحروب وتجاوزت عن النظرية القبلية الضيقة إلى نظرية وطنية جامعة وعمقت الهوية الرواندية الوطنية في قلوب المواطنين حتى أصبحت عقيدة راسخة في الوجدان وحسا جمعيا يحملها المواطنون.

ومن الأشياء التي ساهمت في تخطي أتون الحرب هي المحاكم الشعبية، وفكرتها ترتكز على العفو وحث الناس على العفو والمسامحة إذ من المستحيل تطبيق القانون وتحقيق العدالة في وطن معظم سكانه منخرطون في العنف والإبادة! ملايين من السجناء لا تستطيع السلطة إعدامهم، ومن بينهم آلاف الأبرياء الذين اعتقلوا تعسفيا، ومن هنا جاءت هذه الفكرة وطبقت الحكومة العفو والتسامح وترك الماضي دون نسيانه، واقتصاديا ألغت الحكومة الضرائب وأصبحت التجارة حرة لانتعاش الاقتصاد المتدهور، وثقافيا ساهم الإعلام الحكومي الموجه والأدب الهادف تقوية مفهوم المصالحة الشاملة وتشجيع الشعب على التنقل من الكآبة والاحتقان إلى التسامح والتعايش السلمي تحت مفاهيم وطنية، وعلى ذكر الأدب والثقافة فالأغاني الرواندية الكلاسيكية وفنهم التشكيلي يؤرخان حياة شعب تلقائي بسيط لم يعرف الهموم والتاريخ في حياته وذاب في الطبيعية وعشق الزراعة قبل أن تغتال أهدافه وطموحاته فرق الموت والحالمون بأفريقيا جرداء تعمها الفقر وتحيطها الفوضى وحياة خالية من الإنتاج ونابضة بالخمول والبطالة والكساد.

ولم يقتصر الإصلاح والتغيير في الحكم والاقتصاد بل تجاوز إلى الثقافة والفكر حيث انتقلت الدولة من اللغة الفرنسية إلى الإنجليزية ثقافة وتدريسا، ولكي تنتقل الدولة من ضيق الفرنكفونية الآيلة والمنخرطة في الإبادة الجماعية والتمييز العرقي إلى الانجلوفوني المسيطرة على العالم طبقت الإنجليزية وبأسباب موضوعية واقتصادية وتاريخية أيضا. التحول من لغة إلى أخرى ليست بهذه السهولة التي نظنها، فرواندا التي كانت مستعمرة بلجيكية تغلغلت الثقافة الفرنسية تركت حمولة الماضي وتبنت لغة جديدة تفتح الطلبة آفاق العالم وتسهل لهم المعرفة ومواكبة التكنولوجيا الحديثة، ولم تقف إلى هذا الحد بل جعلت السواحلية اللغة الرسمية في البلاد لتخرج رواندا عزلتها اللغوية أفريقيا إلى رحاب لغة تنتشر في ربوع القارة وخاصة الشرق. وللروانديين لهجة مهجنة ومشحونة بألحان من الفرنسية الخافتة ومفردات سواحيلية مبتسرة ابتعدت عن مهدها، أما كيف ينطق الروانديون الإنجليزية فمترعة بالجمال والألفة ودفء أفريقي ساحر، إنهم يختلفون في ذلك جميع الأفارقة الذين رأيتهم في دروب الحياة من نيجيريا إلى جنوب أفريقيا ومن عمق القارة إلى شرقها، إنها مزيج من عدة لغات، مخارج فرنسية وأحرف إنجليزية ونطق أفريقي عميق.

لم تقتصر زيارتي على كيغالي بل ذهبت إلى الأقاليم عبر سيارة مكتظة برائحة العَرق ورائحة الشاي ومسرعة نحو البحيرات الأفريقية العظمى وبالذات نحو الحدود الرواندية الكونغولية، كان الليل بسواده يضفي على الأشجار والتلال المحيطة بعبق الزهور وأنواع من القردة القافزة على أنغام الطبيعة نوعا من الحبور، وكنت سارحا مع اللغة المحلية وبنبرتها القوية، وكان تغير الطقس الذي كان دافئا في المساء وأصبح باردا وبلا مقدمات في الليل إضافة إلى المعتقدات الروحية الغريبة المزينة على أرجاء السيارة نوعا من الغربة، ولو كنت من السائحين البيض المشبعين بالأنا المضخمة الفارغة الذين قرأوا في صغرهم كتابات ولّارد برايس عن إفريقيا وأفاعيها وتماسيحها وشعوذتها أو المسافرين العرب المتأثرين بالنمط الغربي رغم أنهم حكموا أفريقيا قرونا سافروا عبرها وكتبوا عنها لجعلت عنواني “مغامراتي الأفريقية”. وصلت إلى مدينة كيسيني الحدودية بعد منتصف الليل وأخلدت للكرى ولم أستيقظ إلا وصوت المؤذن يجلجل جنبات البيت القريب للمسجد الكبير. أشرقت شمس إفريقيا الدافئة وتجولت على أنحاء مدينة يعتبر الشريان السياحي وواجهة تمثل التوجه الرواندي المتميز من حيث الأمن والنظافة والتشجير والاستقبال.

وأخيراً ورغم جمالية رواندا ورائديتها في مجال العودة من سحيق الحروب إلى نعمة الأمن وهي بالفعل من أصعب الأشياء في فريقيا إلا أن صدمة العنف مازالت شديدة والروايات الشفهية المتداولة مازالت تحمل كثيرا من المرارة حيث مخزن المآسي ومراقد الأبرياء الذين أبادتهم الهمجية المتوحشة يحفظ قصصا تقطع نياط القلوب، والنقطة التي تحتاج إلى التنويه وربما الخوف هو أن الفقر المدقع وخلافا للإعلام الذي يصور رواندا وكأنها جنة واعدة منتشر في بلد يعاني من قبضة حديدية لرجل ساهم كثيرا في إنقاذها وانتشالها من حمأة الحروب الأهلية، ولكن إطالة أمد الحكم والنظرة السائدة التي ترتكز على عدم وجود قائد رواندي يحمل كريزما وشخصية كاغامي تعني ضمنيا أن المجتمع قاصر والوحيد الناضج هو بول وهذه مسحة جنينية لديكتاتورية تتشكل بعيدا عن أنظار العالم.

ما يؤسفني حقاً هو أن بعد سنوات من المساواة والعدالة الاجتماعية رواندا تقترب تدريجيا نحو الشمولية وسلب الإرادة! من وراء السمرة الحالمة لفتيات كيجالي كنت أرى جنين الاستبداد يتشكل في خيال رئيسهن الذي لجأ إلى تعديل الدستور والتلاعب به من أجل تمديد فترته الرئاسية، وربما لاحقا سيمدد أكثر ليصبح رئيسا مدى الحياة بخطوة انتحارية قد تقود البلاد إلى الهاوية مرة أخرى، فالرجل بعد أن أفرغ ما في جعبته من أفكار لم يعد بإمكانه مواصلة المسيرة، وبدأ رصيده يتآكل خاصة وأنه في خريف عمره.
لقد ظل النموذج الرواندي ملهماً للأجيال الأفريقية الشابة، ولكن يبدو أن كاغامي بدأ تشويه تجربته الناجحة كعادة الأفارقة وما خبر أحمد سيكو توري عنّا ببعيد.

Share This:

عن حسن محمود قرني

حسن محمود قرني
كاتب ومدون صومالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *