الرئيسية » مقالات » على أعتاب الأربعين (1)

على أعتاب الأربعين (1)

العمر منحة ربّانيـــة كلمازاد الرّصيد اقترب من الصفر فهو رصيد غريب وبديع، بدايته يوم معلوم يفرح الجميع به إلا المولود فيبكي، وينتهي بيوم مجهول يبكي الجميع، والمرء حينئذ إما مستراح أو مستراح منه ،ولا أحد يدري النتيجة إلاهو، وهي الحياة التي نفخت بالعبد وهو في بطن أمّه،ومن هناالرّحلةالأولى للفرد تستغرق تسعة أشهرأو أقلّ منها بثلاث أشهر، يظهر المولود في عالم غيرعالم الأجنة والقرارالمكين، كانت بطن أمّي الوعاء تقلّ بي وتحفظني من القرّ والحرّ، وأتغذّي من شرايينها فتذبل وأسمن، وتتألم وأسلم، وتسهر وأنام في أحشائها، فالحمل وهن والوضع كره، والرضاع ينبت العظام، فينسى بعض الشباب ذالك الرحلة فيعق أمّه ويطيع زوجته وتلك الخسارة والنكران، وحبيبي المصطفى صلى الله عليه وسلم قال “امّك ، ثم امّك ثم امّك” فعبءالحمل لوحدها وكره الوضع لوحدها والرضاع لوحدها،وتشارك الباقي مع العائلة فالغنم بحساب الغرم.

في مسقط الرأس حكاية تسجّل ولا تندثر فهي اتصالك بظهر الأرض وبعالم الشهادة،ونهايتك في باطن الأرض وبداية عالم الغيب وكلا الموضعين مرقوم في السجلّات، فقد ولدتّ في حيّ دجسيلو في مدينة بورعكر المحروسة وفي سكن أخوالي آل معلم أحمد الحسني أهل القرآن والعبادة وتلك نعمة كبرى، وصدق الشاعر حين قال:

خالي لأنت ومن جرير خاله ***ينل العلاء ويكرم الأخوال

نعم يكرم الأخوال والخالات فمنهم الأمّ وكفى، ولهم اليد الطولى في الرّعاية والنعماء ، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان،ومن أفرط في حقّهم على حساب أبناء العمومة فقد عقّ ولم يبرّ أمّه، كان والدي موجودا آنذاك وجدّي شيخ نوري زعيم العائلة، وقبيل عصر الثلثاء كانت ولادتي ومياه نهر شبيلى العذب بعد قراءة سور القران وسبع الثلثاءمن ورد الوالد أول ما يوضع في فمّ المولود حسب مراسيم الولادة عند الأسرة الحسنية سابقا،ترعرعت في مدينة بلدوين حاضرة هيران وأكملتُ العقد الأول من عمري ومما بقي في ذكرياتي من مطبّات ومواقف تبقى أبد الابدين :

– بدأت كتابة حروف القرآن باللوح وبيد والدتي تمام شيخ نوري،

– التحقت خلوة القرآن للمعلم غلافو في هولوداج واليوم سمعت أنه سياسي بارز في الأقليم، ولم اكمل فيه بل أخرجني أبي منه بعد رجوعه إلى البلاد

– بعد تخرج أبي من جامعة أم القرى بدأت بيده تعلم علوم اللغة والشريعة الإسلامية، والتحقت بمعهد الدّين في بلدوين وبأساتذة مصريين وفزت بجائزة عشرين شلن عندما سألني الأستاذ بقراءة آيات المواريث في سورة النساء بدون أخطاء.

شاهدت بأم عيني الكرّ والفرّ والجثث الملقى في العراء أيام حروب الجبهات،وشاهدت بأم عيني هروب عساكر الدولة الصومالية،وحرق مدينة بلدوين بكاملها بعد ثلاثة أيام من معارك ضارية1991م،وبعد انهيار الأمن وشيوع الفوضى ونهب جميع ممتلكات الأسرة غير الكتب في حي هروا، وقد كان الوالد في سفر آنذاك، وبعد شهر بدأت رحلة الخروج والنزوح مع الوالد الى بورعكر المحروسة، ومنها الى أرض أوجادنيا ومنها إلى بوصاصو ولاسعانود وهرجيسا، وشاهدت حروب مدينة برعو وانهدام غرفتنا لصدى المدافع واحتدام المعارك ثم ارتحلنا إلى جيبوتي أول مرة شفت الأسلاك الحدودية تلك أطول رحلة في عام واحد مليء بالعبر والدروس.

وأخيرا بعد سنة 1992م نفس الطريق باتجاه بلدوين عائدا وبرفقة الوالدة،ثم مقديشو وشاهدت حروب الأمريكان مع أنصار عيديد وحلفائهم، وبكاء جنود الأمميين وهزيمتهم، وتعرفت ُعلى أكثر الرايات في العالم ، ونزلت حيّ كاران في بيت خالي عبد المنان عبد الله عينتي وأحلك يوم لي يوم معركة الرانجرس الأمريكان قرب سوق بكارو، جرينا مشيا على الأقدام ،والقصف بالطائرة العمودية متواصل ،وحي كاران بعيد عنا كلّ البعد مع شدة الهول ووقع الرصاص ولكن الله سلّم.

انتهى العقد الأول بتلك الصورة المبكية والمفرحة في آن واحد فصوت الرّصاص ما فارقتنى ورحمة ربنا رافقتنى في كل المواطن والله خير حافظا وهو أرحم الراحمين.

Share This:

عن منير عبد الله الحاج عبدي

منير عبد الله الحاج عبدي
أستاذ جامعي ومصلح اجتماعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *