الرئيسية » مقالات » هل أنا مخطئ؟!

هل أنا مخطئ؟!

عزیزي القارئ بعد إکمال القرآة أرجو منک الجواب، ولا تحکم علي قبل إتمام المشهد الأخیرتسکن العشیرة في موقع سهل في الربیع، کان الربیع ربیعا استثنائيا، أشجار خضراء وأزهار وزرع، الأرض قد لبست رداء أخضرا، وتزينت وازدانت، نِمْنا لیلة هادٸة والحمد لله سری اللیل وسری وسری.

قرب موعد صلاة الفجر کعادته قام والدي وأیقظني لأداء صلاة الفجر، صلینا معا رکعتي الفجر بعد التسبیحات وقراءة أدعیة الصباح، قام والدي بتسریح المواشي نحو الشمال حیث السهل والوادي (ولکم فيها جمال حین تریحون وحین تسرحون)سورة النحل آیة 6.

لاأدري وبدون سابقة وجدت نفسي بین الأبقار لیس هناک إلا شقشقة الطیور، وهدیر الحمام، وحفیف الأشجار، ونسیم یأتي من الجنوببین أشجار باسقة خضراء قد أینعت ثمارها،وسافنا وعشبا ما بین أخضر وأصفر وزعفران وأزهار يعجز اللسان عن وصفها،والعقل عن فهمها وإحاطة روعتها ورونقها، (والبلد الطیب یخرج نباته بإذنربه)الأعرافالآیة68

طبیعة ساحرة وجمال أخاذ، وجبال شاهقةخضراء کأنهابنیان مرصوص تمتد من المشرق إلی المغرب نحوالجنوب، أما الشمال فسهول واسعة وبساتین ومزارع تتنفس بجو عبق عطر، یضاعف من روعته وبهاٸه ما یتخلل جنباتها من مواطن السحرالتي تبعث الانبهار والدهشة في النفوس، وتغرید طیور علی أفنان أشجارها يزيد المشهد فخامة وإنعاشا.

وقفة

والعحیب أنني وعند کتابتي لهذه الحکایة تذکرت الأندلس ومماروي منها من جمال ونعیم!! فقلت لعل الأندلس التي یتحدثونها تشبه هذا المنظر، حیث قال أحد شعراء الأندلس، ابن الخفاجة:

یاأهل أندلس لله درکم*ماءوظل وأنهاروأشجار

ماجنة الخلد إلافي دیارکم*ولوتخیرت هذاکنت أختار

طاٸرشادوظل وارف*ومیاه ساٸحات وقصور

إدارج

کان الجو مکفهرا غاٸما تأت الغیوم من الجنوب متسارعة نحو الشمال، نحو الکعبة لا أدري هل کانت تٶدي فریضة الحج؟ أم کانت تُسَبِّح وتَسبَحُ في الفضاء الواسع، لاعلم لي هل کانت جنودا مرسلة(وما یعلم جنود ربک إلا هو)، لقیام مهمة ربانیة لا یعلمها إلا الله، حقا کانت تتسارع وفق نظام رباني محکم یدهش العقل البشري، السحاب کانت تهطل هطولا خفیفا من الرذاذ، کل شيء حولي یأتي من الجنوب هذا الصباح، الضبابالنسیمالجلبات الخفیفة وأصوات العشیرة، الكل یأتي من الجنوب، کأن الکون کله ولا أبالغ من أشجار وسحاب وسماء-زاهیة- من الفرح ینتظر بقدوم العروسة،

وأي عروسة؟ سوف تعلم!!کأن الکون یقول:

سلاما سلاما

هدوءًهدوءً

بقاء بقاءً

سجودا سجودا

تسبیحا تسبیحا

حیاء حیاء

تکبیرا تکبیر

تحمیدا تحمیدا

(تسبح له السّماواتُ السبع والأرض ومن فیهن،وإن من شيءٍ إلّایسبح بحمدة ولکن لاتفقهون تسبیحهم، إنه کان حلیماًغفوراً)،الإسراء آیة 44

ظننت الشمس تجري وتتسابق وتتسارع وسط هذا الفضاءالشاسع.  لکنهاکانت عکس ذالک ثابةوصامدة أحیانا تکتنس وأحیانا تظهر،  (لاالشمس ینبغي لها أن تدرک القمرولا اللّیل سابق النّهار وکلؓ في فلک یسبحون)سورة یس آیة .40

في هذ الجو الصافي مع براءة الطفولة ونقاء القلب،هنا کان وحده یلعب ویقفز ویشعر بالسعادة، وفجأة  جاء صوت لا کالأصوات صوت یحمل بعض صفات الأصوات لکنه کان یحمل في طیاته معانٍ کثیرة،معنی الحب والحنان والعطف،کان یحمل معاني الرجولة کان یحمل ( هذا الصوت) روحا ونفحات ما زال يتردد صداه في وجداني ومسامعي بعد عشرین عاما!! کأنه یقول -خذ النصیحة بقوة –

کأن هذا الصوت له مکان خاص في وجداني لا یشارکه غیره عزیزي القارئ أتعرف هذا الصوت؟!

حتی الآن یرن فی قلبي بعد مرور عشرین عاما

بعد غیاب عن مصدر هذ الصوت، بعد تنقل بین البلدان، بعد دراسة طویلة، بعد تدریس، بعدعمل، وبعد سنین قحط وحتی بعد حروب لم أنس هذا الصوت الندي الحاني، کان قریبا من حیث المسافه قریبا من حیث المعنی، (محمد) یالها من لحظة سرور وبهجة وسعادة!

یالیتني کنت کبیرا وکنت عاقلا لأقول حینها کررها یاأبت!!کررها وکررها حتی تکمل المئة والمأتین، لحظة لا کاللحظات مسک یدي بقوة واتجهنا نحو الشمال  کعادته داعبني ومازحنی،غرد تغریدته المفضلة لتنشیط البقر، وکنت أشعر فی الداخل إنسجام کان قلبي یخفق ویطرب -کأنه یرید الإنسلاخ من قفص صدري لیدخل قلبا قد خرج منه من قبل،عن الیمین کانت الأغنام ترتع وکان الأطفال یتصایحون ويتسابقون، ومن جهة الشمال کان الإبل ورعاته على مقربة منا، ومن الجنوب العشیرة والأهل ، أما الجهة الشمالیة فكانت خالیة من البشر وشروره في هذا الصباح،وفي هذا الجو الهادٸ الخالی من الغدر والحقد والحسد والبغض والکراهیةوحتی التشاجر والتدابر والتناجش،ولا حتی رفع الأصوات،کأن الکون یردد هذه الآیة (ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار،وقالو الحمد لله الذي هدانا لهذا وماکنا لنهتدي لو لاأن هدان الله،)الأعراف الأیة43

 کلمات التکوین

بدأ الأب یشرح  الکون والحیاة وما ینتظرني من أمور أهمها تعلم القرآن الکریم وحفظه مع إدراج قصة قصیرة کان هو بطلها أیام تعلمه للقرآن الکریم وبعض کلمات أبیه وجده، وكيف تكون معاملة الناس وحفظ الأهل وخاصة الأخوات،ولم یکن عندنا إلاأختان ومع هذا لم یُهمل أن ینوه مکانتهما -وفوق ذالک أیقنت بعد حقبة من الزمن أنه کان یخاطب عقلي الباطن ویقول إن جاءالقدر بي وخلفت من بعدي فحافظ علی شرفهماوما یحتاجهن من حفظ ورعایة وحنان وعطف -وبعد شرح مجمل لأسرار الحیاة کأن نبرة صوته قد تغیرت حین أخذ موضوعا يخصني أنا باالذات!

 طفل  وکهل!!

قبل قلیل کنت طفلا صغیرا یرشدإلیه تعلم القرآن وأمور أخری تخص الحیاة والمستقبل،فجأة تحولتُ من طفل إلی کهل من غلام طاٸش یلعب مع الغلمان إلی شیخ وقور مجرب للحیاة، یُرسم له خطوط منتهی الدقة في مجال الحیاة الزوجیة فی مجال قل رواده في هذا الزمان، تغیرت نبرة صوته وأبطأ في المشي واستدار إلي وجها لوجه ليفهمني أن الأمر جلل وعلي أن أنصت إليه بعمق، فقال یاولدي ویا فلذة کبِدي حين تبلغ مبلغ الرجال ويشتد ساعدك، ننظر هنا وهناک بین العشیرة والقباٸل التي حولنا نبحث قرشية تلیق بک- قرشية،؟  قرشیة! وصف جمالها وحرکاتهاوحتی مشیتها

وهنا التقط عقلي الباطن صورة  ذهنیة عن تلک القرشیة رغم أني ما کنت أعرف کیفیة إلتقاط الصور، ولاما هي الکامیراء فقط صورة تلقاٸیة کنت مجبرا بإلتقاطها نعم تلک الصورة،التي ستمکث في ذهني عقدین من الزمن، واصل الحدیث وأدرج الکلام أنه سیدفع الغالی والنفیس من أجل القرشیة المجهولة عني!!

من هي القرشیة؟

في ذالک الوقت لم أکن أعرف أن القریش قبیلة عربیة ولا أن المصطفی -ﷺ- ینحدر من تلک القبیلة ولاأنها من أفضل قباٸل العرب نسبا وشرفا،لا أدری هل هذا الإسم -قرشیة-إسم یستخدم بعض القباٸل الصومالیة لوصف المرأة الحسناء الشریفة النسب؟

أم کان قصده حقیقیا یرید بها قرشیة النسب ؟

أم أنه کان یرید رفع همتي؟

أم کان في قلبه شيء آخر لاأعلمه أناولا یعلمه إلاالله؟

لعله یقصد قرشیة الطباٸع؟!

وربما حبه الشدید بآل البیت وتعلقه وولوعه دفعه هذا، العلم عند الله!

وصفان للقرشیة

وبعد أن کبرت وقرأت بعض الأدب الصومالي والعربي وجدت وصفان ینطبقان على تلك الصورة الذهنية المتشبثة في خیالي منذ عشرین عاما،وهما:

الوصف الأول الأغنیة الشهیرة ب بلدوین للفیلسوف الفنان محمد إبراهیم هدراوي، وهي معروفة لدى الصومالیینمن أرادالمزیدمنها فلیقرأها

الوصف الثاني

رغم تباعد زماننا ومکان معیشتنا ورغم تطور العالم، ومع تباین تصوراتنا للحیاة، ومع اختلاف معتقداتناالدینية إلاأني وجدت أنسا وانجذابا لشعره وأحیاناأقرأ أشعاره تسلیة لنفسي،وتتراءى لي شخوص، هوالشاعر العربي إمرؤ القیس ابن الحجر الکندي الذي حاز المرتبة الأولی للمعلقات السبع!!

وسامحوني أقتطف بعض أبیاته حیث یقول:

مهفهفةبيضاءغيرمفاضةٍ * تراٸبهامصقولة کالسّجنجلِ

کِبکرالمقاناةِالبياض بصفرة* غذاهانميرالماءغيرُ محلل

وجيدٍکجيدالرّئم ليس بفاحش* إذاهيَ نصته ولابمعطل

وفَرعٍ یزينُ المتن أسودفاحمٍ* أثيتٍ کقنوالنحلةِالمتعثکلِ

وکشحٍ لطيفٍ کالجديل مخضَّر*وساقٍ کأُنبُوبِ السَّقیّ المذلل

               جهد ضاٸع

فأنامنذ تلک اللحظة الذي سمِعت أذناي القرشیة أبحث وأبحث وسأبحث قرشيتي تلك!

-تجولت المدن والعواصم الکبری والقری وحتی البوادي، تجولتُ الأسواق وأماکن إجتماع الناس، دخلت الفنادق الفارهة لعلي أجد القرشیة إفتراضا أنها جاءت لزیارة البلد من بلد آخر!!-تفقدت المدارس والمعاهد والجامعات!! ویالهفي لم أجد لها أثرا!!

سافرت من بلد إلی بلد،من کسمایو وسواحلها، مقدیشو مع مطاراتها وأسواقها الکبیرة،جدي – عاصمة الصومال الغربي سابقا -مع أنهارهاوسهولها الواسعة، مرورا بقبدهري وطجحبور وانتهاءً بجکجکا مع جبالها وثلوجها المتعانقة، ثم اتجهت شرقا إلى هرجیسا ومکثت فیها لیالي وأیاما آمنا أراقب وأتفحص،فلم أجد  قرشيتي تلك لتروي غلیلي،آه لقد تعبت من الجري وراءك يا قرشيتي فهل تتفضلين وتخرجين من سردابك الذي اختفيت به؟! هيا اطلعي في أي البيوت تعكفين وتعجنين وتطبخين، من هو أبوك هذا ليستضيفني في بيتكم لتفكي الأحاجي والألغاز، ولتلتقي المياه على أمر قد قدر!! وليقول الناس بعدها “وافق شن طبقة”!

عزیزيالقارئ ماذا تنصحني؟ هل أستسلم؟

هل أتوقف عن بحث القرشیة أم أنک ترشدني لعلک رأیتها في مکان ما، هل تعاتبني أم أنک تعذرني؟

أم أنک تراني مجنونا یبحث السمکة من الصحراء؟

هل تراني محق  لهذا الجهد المبذول؟

ممکن أن أکون شنا یبحث طبقة؟

لعلک تقول لا تتعب نفسک فقد ولی عهد القرشیة!

وأخيرا هل أنا مخطئ؟!

Share This:

عن محمد معلم بشير برخدلي

محمد معلم بشير برخدلي
خريج جامعة كسمايو، ومدير مركز الهدى الإسلامي في كسمايو.

تعليق واحد

  1. Avatar

    في النیة أن یلي هذا المقال مقال آخر بإذن الله إن تم عثور القرشیة،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *