الرئيسية » مقالات » الغريب في بلدي!

الغريب في بلدي!

• الغريب في بلدي أن الذين يطبلون للنظام ويزينون له سوء أعماله ليل نهار هم الفاشلون أكاديميا أو مهنيا، وربما يفعلون هذا لانهم سيفقدون حزمة من القات أو قارورة من الكولا إذا تبدلت الأوضاع وتغيرت الأنظمة، وذلك لفقدانهم آليات التوافق والتكيف مع المتغيرات الجديدة والانسان مفطور بطبعه على المقاومة من كل ما هو آت على سلوكه القديم.

• الغريب في بلدي أن الأشخاص المعارضين للنظام ويعادونه؛ كانت لهم أطماع وطموحات خاصة عرقل عنهم النظام في تحقيقها وتنفيذها ولهذا عارضوا لما لم تتحق الأهداف بأيديهم، والبعض منهم يعارض لأن فلانا من الناس بقي في الحكم فترة من الزمن وليس لأنه يحمل فكرا مختلفا، ولا يعطيك مبررا آخر لمعارضته.

• والغريب في بلدي أيضا أن فريقا من الفاشلين في الحياة يريدون الانظمام الى المعارضة حين لم يستطيعوا تحقيق أهدافهم وفاتتهم قطارات وطائرات سريعات، ويظنون أن السماء تقطر لهم ذهبا حين يجلسون في طاولات القات ومجالسه وكانه أصابهم شلل جزئي، وأن الحكومة عليها أن تطعمهم وهم في جحورهم نائمون، ظانين ظن السوء، ويحاجون أنهم ولدوا وختنوا هنا(داخل العاصمة) وأن مشيمته ما زالت في مشفى الطليان أو الدار الحنان، وأنهم بذلك يستحقون كل الشيء حتى ولو لم يحركوا قيد أنملة، ولا يدرون أن من رام العلوم بغير درس سيدركها إذا شاب الغراب، وأن من طلب العلى سهر الليالي وربما سنينا من الدهر، وحين أخفقوا إلى من يقربهم إلى النظام زلفى، عارضوا وصاحوا وقالوا بأنهم معارضين وماهم بمعارضين ولكنهم واهمون.

• الغريب في بلدي حين يجد واحد منهم سبيلا ويطلع إلى بر الأمان وبلدان الأحلام، يبدأ و يذكر كلما طاب ولذّ من مساوئ بلده ولا تراه عينه وقلمه إلا السواد المظلم من الزاوية ولا غرابة في ذلك لأنه عصفور أطلق من قفصه بعد دهر طويل، ويبدأ يصف ممن بقي في الجحيم، بالنائمين والجاهلين وماشابه ذلك من الأوصاف التي في قاموسه المحيط، وربما يضيف بالسب واللعن على الحكام وفصائلهم وقبائلهم وأصولهم، وكأن الهستيريا تمكنت عليه وشلته عن التعقل والتحكم.

• الغريب في بلدي أن النخبة أصبحوا عناصر محايدين لا يؤثرون ولا يتأثرون، لا ايجابا ولا سلبا، فضلوا السكوت والسكون عن الافصاح والنطق، ولا أدري هل أجبروا على البكم والعمي أم أدخلوا في كهف من كهوف الأحقاف ولبثوا فيه ألف سنة،
بلدي يعج بدكاترة، بجميع فنونها وآدابها ومعارفها ولكنهم ليسوا بفاعليين وكأنهم صعقوا بالمغناطيس، أو سمموا بسم الثعابين فأغماهم وما استفاقوا إلى حين.

• في بلدي هناك مئات من الكتاب المرموقين يدونون المعارف بلغات وأساليب مختلفة، و يحللون أحداث العالم بتفاصيلها ودقائقها ودهاليز خيوطها ولكن حين يخص الأمر بأوضاع بلدهم وشؤونه يترددون، وفي بلدي هناك إعلاميون، وحقوقيون حاملين أعلى شهادات ودرجات علمية من جامعات عريقة، ولكنهم عند إدلاء الشهادة لمخرسون.

• في بلدي له مئات من الأطباء والممرضين مع أن قليل منهم متخصصون، ولكن المحترفين منهم أصبحوا تاجرين، لا يحترمون ساعات دوامهم، ويخططون لفتح عيادات خاصة لهم ليملؤوا فيها جيوبهم، ليعوضوا مما قاموا به من التعب والسهر أيام الدراسة ولكنهم بفعلهم هذا يخالفون بقسم أبو قراط.

• في بلدي مئات من الأدباء والخطباء ولكنهم في مدح البابوية والماموية يتسابقون.

• في بلدي كان له علماء ربانيون يصدعون بالحق وبه يأمرون ولكن مع الأيام أصابتهم مصيبة الانتماءات والحركات، فأصبح كل شيخ أو طالب علم يؤله إمامه ويتابع حركاته وسكناته إلى حد الجنون، وأصبح الولاء للوطن وأهله أثرا بعد العين وكثير منهم يتقاضون رواتب وربما يميلون الفتوى حيث مال الحاكم بدعوى مراعات السياسة الشرعية وسدا للذرائع.

• في بلدي يحكمه خلفاء أربعة ليسوا براشدين، يشبهون الخلفاء الراشدين من حيث المصاهرة والقرابة ولكنهم من حيث الحكم والعدل متباينون ومختلفون.

• في بلدي لا يثق ساسته بانجازاتهم، ولا يفتخرون بهويتهم، يتبركون من فرنسا ويرسلون أولادهم إليها ليدرسوا فيها،وليتفقهوا بمعارفها وعلومها، وأولاد أبناء الكآبة في مدارس البلبلة يتعاركون.

• في بلدي الساسة يتعالجون في مستشفيات فرنسا وألمانيا، ويولدون أبناءهم فيها، ضامنين لأبنائهم جنسيات احتياطية لتنجيهم في النائبات، ولكن أبناء الكآبة في شهادات ميلادهم يدورون، وتسقطهم لذغات البعوض، وتقودهم إلى مقابر بيكادوز قبل بلوغهم إلى سن المعاش.

• في بلدي حين اختفت النخبة عربد و طغى فيه جاهلوه، وجعلوا أعزة أهله أذلة.

……………………………………………………..

المقالات الواردة في الموقع لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن آراء أصحابها.

Share This:

عن أحمد طاهر عغي

أحمد طاهر عغي
باحث في علم النفس الاجتماعي والشخصية - جيبوتي

تعليق واحد

  1. Avatar
    سهل جامع قياط

    مقال رائع ويستحق الإشادة والتهنئة إلى الأمام سعادة أستاذ أحمد
    المقالات ذات وزن وقيمة كهذا تأخذ من تفكير الكاتب وقتا جهود جبارة تذكر فتشكر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *