الرئيسية » مقالات » لو كان يدري ما المحاورة اشتكى! (حوار بين العَلَم والشعب)

لو كان يدري ما المحاورة اشتكى! (حوار بين العَلَم والشعب)

العَلَم: ما هذه الزغاريد والخطب الرنانة التى اسمعها هذه الايام في ارجاء البلد؟.

الشعب: ألا تدري اننا في ايّام الحرية والاستقلال؟.

العَلَم: حرية ! استقلال! واي استقلال ابنائي؟ واي حرية يا أفلاذ اكبادي؟ وهل انتم مستقلون احرار حتى تزعردوا وترقصوا ؟ لقد ضحكوا عليكم، فما انتم بالمستقلين ولا بالأحرار.

الشعب: كلا، فنحن مستقلون احرار، وانت ايها العَلَم الازرق ذو النجوم الخمسة، ألست رمز حريتنا، وشارة وحدتنا، ومجسد آمالنا وطموحنا، وعلامة عزنا وكرامتنا؟

العلم: انني يا ابنائي، لست الا قطعة من القماش لا تضر ولا تنفع، ولا ترفع ولا تضع، وليس لي عزة في ذاتي، ولا شرف فى نفسي، ولا كرامة في لوني، وانما عزي من عزكم، وشرفي من شرفكم، وكرامتى من كرامتكم. فاذا اردتم ان تعرفوا مكاني فانظروا الى انفسكم، فأين أنتم من اسباب العزة ودواعي الكرامة؟ ألستم في الذيل فيما تتفاخر به الامم؟ الم يأكل بعضكم بعضا؟ الم تخربوا بيوتكم ووطنكم بايديكم؟ فاين العزة لمن انتم ناصروه ؟ واين الشرف لمن انتم اعوانه؟ واين الكرامة لمن انتم أبناؤه؟ خذلتموني خذلكم الله، ليتني عقمت ولم ألد، ليتني متّ قبل هذا الذل والهوان، ليتني كنت نسيا منسيا ولم اكن رمزا لحريتكم المشيومة واستقلالكم الموهوم.

الشعب: ايها العلم، نحن الشعب مظلومون مثلك، ولسنا الا ضحايا لساسة أنانيين قصيري النظر، طويلي الطمع، ضيقي الأفق، واسعي البطون والجيوب، يتعاركون على جثث شعوبهم لتحقيق مصالح انية، حتى سقط السقف على رؤوسنا جميعا، وتفرقنا شذر مذر هائمين على وجوهنا، ونخبط خبط عشواء على الافاق كشذاذ الافاق.

العلم:ابنائي، انكم لمخدوعون، وهولاء الساسة من طينكم وطبيعتكم، فكما تكونوا يولّ عليكم، فكيف تطمعون في قادة يحترمونكم ويعرفون لكم حقوقكم ويعدلون بينكم، ان لم تنشروا هذا الاحترام والعدل والمساواة فيما بينكم حتى يصير ذلك طبيعة وجبلة مجبولة عليكم، فزعماء البلدان ليسوا الا مرآة عاكسة لصور مجتمعاتهم وثقافات بني قومهم، فاذا رايت رييسا فاسدا نهما جشعا طماعا فانظر الى من يمثله ومن اختاره ليقوده.

الشعب: ما أنصفتنا، ايها العلم العزيز، وقولك ” كما تكونوا يول عليكم” مقولة شائعة ولكنها من الاخطاء الشائعة، ظاهرها الصحة والرحمة، وباطنها البطلان والعذاب، ولا يقصد بها الا تبرئة الطغاة المجرمين من تعذيب شعوبهم، وجعل المستضعفين من مواطنيهم سببا لطغيانهم وتجبرهم وفسادهم. شعبنا ليس أسوا من شعوب العالم، وقد اثبت في كل مكان لجأ اليه من ارجاء العالم سموا في الأخلاق، وطهارة في النفس، وهمة عالية، وحبا للعمل والحياة. وهذا يدل على ان ما ينقصنا هو القيادة الراشدة والنظام السياسي العادل.

العلم: فما بال هذه النجوم الخمس التي رصعتموها بوسطي وزينتموني بزينة كواكبها الخمس الزاهرة، فباي شيي ترمز؟ والى معنى تشير؟

الشعب: ما اعجب امرك ابها العلم ! وما اغرب أطوارك وحيّر اخبارك ! أصاحب النجوم يسألنا عن معنى نجومه؟ ومالك الدار يسألنا عن ابنائه؟ انها لإحدى عجائب الدنيا السبع! اليست تلك النجوم رمزا لأراضينا المقسمة أملا في استعادتها ووحدتها؟

العلم: يقال: فلا عجب اذا كان كل ما في الدنيا عجب، والعجب منوط بالجهل، فاذا عرف الانسان ما كان بجهله بطل العجب با ابنائي، وانا كنت مثلكم مخدوعا بالنجوم الخمس وما كانت ترمز اليه من وحدة شعبي العظيم، حتى علمت اخيرا وبعد ستين عاما من التيه انها لا ترمز الا الى رايات قبلية تحت فيدرالية القبائل الصومالية الخمس ( بونتلاند، غلمدغلاند، هيرشبيليلاند، حوبلاند، جنوب غربلاند). تلك ما ترمز اليه النجوم الخمس يا ابنائي، فلا يغرنكم زخرف القول عن الأفعال والأعمال، ولا يعميكم الرقص والأغاني على أنغام الوحدة عن حقايق الفصل والتجزئة في واقع الارض، ولا تصمكم الخطب الرنانة في قداسة الوحدة عن الدعوات الصارخة للحمية الجاهلية والنعرات القبلية.

الشعب: ومع كل هذه الماسي التي ذكرتها، وكل ذلك حق، اليس لنا ان نامل ونحتفل ليوم استقلالنا، ونذكر التضحيات التى بذلها الآباء والأجداد، ونجعل ذلك اليوم عيدا لأولنا وآخرنا؟

العلم: عحبا لأمركم، يا ابنائي، اين الاستقلال واين الحرية التي تحتفلون بها؟ لقد ضحّى أجدادكم، واجلوا المحتلين من بلادكم، وتركوا لكم بلدا مستقلا حرا ليس فيه اجنبي واحد، ثم أضعتم الاستقلال حتى صارت البلاد مستباحة بما هب ودب من جيوش حام وسام بلا رقيب ولا حارس، وان تعجب فعجب من رييس يحتفل بالاستقلال وقصره الرئاسي محروس بجنود اجانب، قيل انها تحفظ السلام ولا تحفظ الا مصالح دولها والدول التى بعثت بها وتنفق عليها. ولو انكم مخلصون في حب وطنكم واستعادة كرامتكم واستقلالكم، لما احتجتم الى جندي اجنبي واحد في ارضكم، ولكنها المصالح والأطماع قد رانت على قلوبكم، فعميت الابصار واظلمت البصائر، فلا ترون الا ظلاما، ولا تسمعون الا صوت الشهوات والأهواء، وستبقون في هذا الظلام حتى تزول عنكم الغشاوة في قلوبكم، وتقدموا مصالح بلدكم على مصالح انفسكم وأولادكم.

Share This:

عن عبدالواحد عبدالله شافعي

عبدالواحد عبدالله شافعي
كاتب وباحث صومالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *