الرئيسية » مقالات » مشائخ العلم في الصومال قبل انتشار الصحوة الإسلامية (3)

مشائخ العلم في الصومال قبل انتشار الصحوة الإسلامية (3)

فهم مشايخ قضوا في تعلم العلم سنوات عديدة، فبعد أن تحصَّلوا على كثير من فنونه رأوا أنه لا بد لهم من الاندماج في المجتمع بحثا عن طريقة تمكنهم من العيش الكريم دون الرجوع إلى البادية من جديد لا سيما وهم شاهدوا ما حل بالقسم الأول ممن رجع إليها. فصار منهم من توظَّف لدى الحكومة بعد التأهيل، ومنهم توجَّه إلى التجارة الحرة، ومنهم من هاجر إلى الخارج، فلم يوقف له على خبر.

فالخطأ الذي ارتكبه هذا الصنف من المشايخ أنهم لم يفكروا في طريقة تجمع لهم بين الاحتفاظ على علومهم والوظيفة الجديدة بل انهمكوا في إنجاز ما يتطلبه العمل الجديد، ولما لم يتبق لهم من الوقت ما يمكنهم من  مراجعة كتب العلم انقطعت صلتهم بها، لهذا لم يكن لهذا القسم كبير فضل على زملائهم الذين رجعوا إلى البادية إلا أن هؤلاء أهنأ عيشا من أولئك، وإن كانوا في تضييع العلم سواء.

إن المؤاخذة على هذا الصنف من المشايخ في أنهم لم يؤدوا حق العلم الذي تعلموه، لا في تبليغه إلى غيرهم، ولا في استبقائه لديهم،لأن العلم إن لم يكن من صاحبه تعهد منه بالمراجعة ارتحل عنه، فبمرور الزمن يصير ذلك الشيخ على هذه الحالة كالأمي الذي لم يرفع للعلم رأساً، وبذلك خسر هذا الصنف كل الأوقات التي بذلها في طلب العلم، واستبدل الجهل بالعلم، فيا لها من خسارة لا يوجد عنها تعويض، إذ من الممكن التعويض عن المال إذا خسره الإنسان  لكن كيف له أن يجد عوضاً عن عشرات السنين التي أنفقها في سبيل العلم، وبما ذا سيجيب الملكين إذا سألاه عن عمره فيما أفناه.

 ولم يقف بعضهم في تضييع العلم عند هذا الحد بل وظَّفه لأطماعه الشخصية عند السلطان من أجل الترزق على العلم والتكسب به، فكان شر الأصناف، وقد أدركنا مجموعةً من المشايخ ممن كان لهم باع في العلم سخَّروا أنفسهم لخدمة النظام الاشتراكي القائم في البلد في ذلك الوقت، فإذا قُدر أن استمعتَ لأحدهم وهو يتحدث عن الاشتراكية العلمية يُغلِّفها بتغليف إسلامي خُيِّلَ إليك أن الإسلام هو عين الاشتراكية، ثم لا يكفيه ذلك حتى يشرع في تبرير كل الموبقات التي يرتكبها النظام في حق الشعب على أنها إصلاحية وضرورية لكبح جماح الخارجين عليه، فيستمر في تزيين الباطل، وإن ترتب على ذلك إزهاق أرواح الناس، وهمُّه أن يُرضي النظام بذلك، فيدور معه أينما دار لما يعلم أن بقاءه ببقاء النظام، وقد يماً قال أهل العلم: أخص الناس مَن باع دينه بدنيا غيره.

 ولو أن النظام أقدم على اتخاذ قرار في تبديل الإسلام بالنصرانية لوُجد من بين علماء السلطان من يبارك النظام على ذلك، ويَعُدُّه من إنجازاته، ولا يستعظمن ذلك أحد منكم، فإن فيمن سبقنا من أهل الكتاب من أقدم على وضع كلامه من عنده على جنب كلام الله ليوهم الناس على أن الجميع كلام الله لتحقيق مآربهم عند الناس على حسب هواه قال تعالى: ( فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكتبون).

وكل من ضلَّ من علماء هذه الأمة في تحريف معاني كلام الله له شبه بأهل الكتاب في تلك الخصلة، ولا يأمننَّ أحدٌ على نفسه من الوقوع في مثل ذلك، فقد استعاذ النبي r من الشرك ما علمه منه وما لم يعلم، والشرك أعظم الذنوب.فقالr: ( اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً، وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم )([1]).

فالعلم طلبه واجب، ثم لا يكفي طلبه وتحصيله، لأن العلم وسيلة إلى ثمرته، وهو العمل به إذن فلا بد من العمل بما تعلمه، ثم لا يكفي العمل به وحده، بل لا بد من تعليمه للناس، ثم لا يكفي تعليمه لطلبة العلم فقط بل لا بد من دعوة الناس جميعاً إليه، فلا راحة في العلم حتى يدخل به صاحبه الجنة (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا). اللهم اهدنا لأحسن الأقوال والأفعال والأخلاق فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها فإنه لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.

أما طريقة هذا الصنف في تعليم العلم هي نفسها في تعلُّمهم للعلم، فبعد أن كانوا طلاباً يتحولون إلى شيوخ في العلم يجلسون لتدريس ما تعلموه، وأكثره علم الفقه، والتفسير، وعلم الآلة من النحو والصرف، والبلاغة، والعروض وغيرها إذ لم تكن بقية العلوم منتشرة في ربوع الصومال كانتشار هذين الفنين.

فهذه الطريقة التي سلكها هذا الصنف من العلماء كانت هي أكثر الطرق شيوعاً في تعليم العلم في الصومال إذ هي المتوارثة عنها عبر الأجيال، فلم يكن يجلس لتدريس العلم إلا الفئة المتميزة من الطلبة، فكما أنهم كانوا متفاوتين في وقت التحصيل العلم، فكذلك هم متفاوتون في تدريسه للطلبة.

طريقة معيشة شيوخ العلم

فهؤلاء الشيوخ الذين كانوا بالأمس القريب طلاباً لم تختلف حياتهم في هذه المرحلة عن حياتهم وقت التحصيل، إذلم تكن هناك جهة تكفُلهم، ولا جمعية خيرية تنفق عليهم، ولم تكن الدولة تهتم بهم، ولا بالعلوم الشرعية التي يدرسونها بل ربما ضايقتهم ووضعت العراقيل أمامهم، ولهذا صاروا منعزلين عن الحياة تمام الانعزال، لهذا كان المجتمع آنذاك ينظر إلى شيوخ العلم الشرعي نظرة ازدراء تبعا لنظرة الدولة إليهم.

كان مصدر رزقهم الوحيد أن الطلاب فيما جرت به العادة كانوا يُجمعون عند انتهاء الشيخ من تدريس كتاب من الكتب مبلغاً من المال يجمعونه من أفراد الطلاب المنتظمين في ذلك الكتاب، كلٌ بما يقدر عليه، وهو مبلغ ضئيل للغاية لأن الطلاب أنفسهم لم يكن لهم مصدر رزق بل كانوا يتحصلون على بعض الأموال حينما يُدعون لقراءة القرآن على بعض المرضى من أهل البلد، فيعطونهم بعض المبالغ تكريماً لهم على قراءتهم للقرآن على مريضهم، فالطلاب عادة يحتفظون ببعض ذلك المبلغ لديهم مع شدة حاجتهم إليه لإكرام الشيخ به عند انتهائه من الكتاب الذي يدرس لهم.

وبما أن الشيخ يُدَرِّسُ أكثر من كتاب، فلا يخلو شهر من الشهور من ختم كتاب من تلك الكتب التي يدرسها لطلابه علماً بأن لكل كتاب طلاباً غير طلاب الكتب الأخرى، لكونهم على درجات متفاوتة، فمنهم القدامى، ومنهم الجدد، ومنهم مَن هم بين ذلك.

فالشيخ يقتات من ذلك المبلغ اليسير يستقطع منه قدر الضرورة، فقد لا يأكل في اليوم والليلة إلا مرة واحدة، لأنه حفاظاً على هيبته ووقاره لم يكن يذهب إلى كل الولائم مع طلابه إذلم يكن يستحسن احتكاك الشيخ بطلابه إلا في الدرس فقط.

لهذا كان يعيش معظم الشيوخ في ذلك الوقت على العزوبية لا زوجة ولا مال بل كانت حياته وقفاً على العلم، وأحسنهم حظاً من يجد امرأة كبيرة ذات مال يتزوجها يتبلَّغ بها حاجته، فتقوم عليه في شؤونه كلها من مأكل، ومشرب، ومبيت، وملبس، وهي في المقابل تستأنس به من الوحشة، وتستعين به في القيام على بعض حاجاتها، فيبقى على هذه الحال حتى يفتح الله عليه، وعندها يستأنف الحياة من جديد.

شيخ العلم الواحد في المسجد كان يعدل أساتذة في جامعة

الشيخ بين طلابه يمثل دور جميع الأساتذة في جامعة في تدريس جميع المواد كما يمثل الشيخ دور الجامعة الإسلامية في تخصصاتها المتنوعة، فهو يدرِّس اللغة، والفقه وأصوله، والتفسير والحديث وعلوم الآلة، فيتخرج على يديه أجيال متعاقبة بفنون من العلم متعددة، كل ذلك يقوم بمفرده، فهو رجل بأمة، هكذا حفظ الله لنا في الصومال العلوم الشرعية بمئات السنين.

عامل اللغة في إخفاء دور علماء الصومال

إن الله تبارك وتعالى اختار اللغة العربية من بين اللغات أن تكون وعاء لكتابه الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فلا يفهم الشريعة حق الفهم إلا من عرف اللغة التي نزلت بها، ولهذا يرى الشافعي أنه يجب على المسلم أن يتعلم اللغة العربية كما يجب أن يتعلم أحكام الصلاة نص على ذلك في مقدمة كتاب الرسالة.

  فلو أن شيوخ الصومال يتحدثون باللغة العربية، ويُدرِّسون بها الكتب لكان لهم شأن في العالم الإسلامي، ولكنا نحن والموريتانيون كفرسي رهان في نشر العلم في أفريقيا، فنحن في شرق أفريقيا، وهم في المغرب العربي، ولكن قدَّر الله أن تكون العجمة من نصيبنا، والعربية من نصيبهم، ولو أن المتقدمين منا تكلفوا بتدريس العلوم الشرعية باللغة العربية لصارت لهم بمرور الزمن سجيَّة كما هو الحال في القومية الأوربية المجاورة لنا في أثيوبيا، فهم أفضل منا في هذا الباب لأنهم في العجمة مثلنا ومع ذلك يُدرِّسون العلم لأبنائهم باللغة العربية تكلَّفوا في ذلك أول الأمر حتى انقادت لهم الصعاب في نهاية المطاف، فأمكن لهم أن يؤلفوا الكتب باقتدار، وفي الآونة الأخيرة سبقوا كثيراً من العرب في مجال الحديث وعلومه.

طريقة تدريس العلوم الشرعية عند هؤلاء الشيوخ

الطريقة التي يُدِّرسُ بها الشيوخ للعلم تخضع للمنطقة التي يكون فيها، فإن كان في العاصمة مقديشو، فإن الكتب التي يُدرِّسها الشيوخ تعود إلى الطلاب أنفسهم، فهم الذين يطلبونها من الشيوخ، والشيوخ يقومون بتدريس ما يُطلَب منه من الكتب، فكان هناك وفرة من الشيوخ،  بحيث يكون في مسجد من مساجد العاصمة شيخ خاص به، بل قد يكون في المسجد الواحد أكثر من شيخ، فالطلاب موزَّعون بين هؤلاء الشيوخ، فقد يذهب الطالب لهذا الشيخ في الصباح، ويذهب للشيخ الثاني في المساء.

وفي الغالب يكون كل شيخ معروفاً بفن من فنون العلم يقصده الطلاب إليه في ذلك الفن، وقد يكون معروفاً بأكثر من فن، فيقوم بتدريس كل فن لمجموعة من الطلاب، وقد يجمع بين الفنين لهم إن كان الطلاب متقدمين في الطلب، فلتوفر تلك الخيارات الكثيرة في العاصمة توجه إليها كثير من الطلاب من عموم الوطن بل كانت في فترة من الفترات قبلة العلماء والطلاب معاً.

الشيوخ في المناطق غير العاصمة 

وأما الشيوخ في المناطق الأخرى غير العاصمة فعادة يكون في كل منطقة شيخ من الشيوخ، وعليه فالطلاب في تلك المنطقة يلازمونه حتى يتخرجوا في العلم على يديه، فلم يكن لهم خيار في التنقل بين الشيوخ كما كان في العاصمة.

وعلى الشيخ أن يكون في العلم متفننا بحيث يعرف أكثر من فن، فينتقل بالطلاب من فن إلى فن، وفي كل فن عشرات الكتب، وبهذا يقضي الطلاب عند الشيخ عشر سنين تزيد، أو تنقص قليلا.

فالطلاب في العاصمة يتخيرون بين هؤلاء الشيوخ، فلا يختصون بأحد منهم في الغالب بل يدورون بينهم كالنحلة بين الأشجار لكثرة المعروض من العلم من قبل هؤلاء الشيوخ الذين يتشرف أحدهم بتلقي الطلب من أحد الطلاب بتدريس كتاب من الكتب التي يتقنها.

فالطلاب هم الذين يحددون مستواهم من العلم، وعلى ضوء ذلك يطلبون ما يناسبهم من الكتب، والشيخ يشرَع في تدريس الكتاب المطلوب منه بصرف النظر عن مستواهم وعن عدد الطلاب الذين يحضرون الدرس، بل ولا يسألهم عن حالهم في الدرس هل فهموه أم لا، وهم كذلك لا يسألون عما أشكل عليهم من المسائل، والطالب هو أمير نفسه، فإن رأى أنه قد فهم الكتاب حقاً من الشيخ انتقل معه إلى الكتاب الذي يليه، وإن رأى أنه لم يستوعبه كما ينبغي فيعيد الكتاب من جديد، فينتظم في الكتاب مع المجموعة الثانية مرة ثانية، وهكذا كانت تتم عملية التعليم بين الطالب والشيخ إلى أن يأتي الطالب على جميع الكتب التي تدرس في الصومال، وبعدها يقرر الطالب أحد الأمرين: التوقف عن الطلب والاكتفاء بما تعلمه من الشيوخ، أو المواصلة في طلب العلم في البلدان الأخرى.

فهذا الصنف من العلماء غني عن التمثيل لكثرتهم وانتشارهم في عموم البلاد

ومن أبرزهم في العاصمة مقديشو الشيخ العلامة الزاهد الشيخ حسين عدي الأبغالي فقد جلس للتدريس في منطقة ( بونطير ) ما يزيد على خمسين سنة قضاها كلها في تدريس العلم بفنونه، فانتفع به معظم طلاب العلم في العاصمة والمناطق المحيطة بها.

___________________________________________________________

([1] ) رواه أحمد وصححه الألباني في صحيح الترغيب.

Share This:

عن د.عمر إيمان أبوبكر

د.عمر إيمان أبوبكر
الأستاذ المشارك في الحديث وعلومه - جامعة الإيمان بصنعاء - اليمن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *