الرئيسية » مقالات » في الصومال ..بعيدا عن السياسة (1)

في الصومال ..بعيدا عن السياسة (1)

هل يمكن الابتعاد عن السياسة في بلدي؟،وفيه مليون سياسي،والمتابعون يقدّرون بملايين نسمة سواء كانوا في الحضر أو الوبر، أوالمهجر أو الوطن ،بل نعيش اليوم في ظل حكومة المغتربين ،التي أجبرت كثيرا من الشبان إلى اللجوء والاغتراب ليجد جوازا أجنبيا ليتوظّف في بلده لا ليستقرّ في المهجر.
لقد بدأت الثورات الشعبية مثل ثورات الربيع العربي قبل ثلاثة عقود،وفي عام 1991م انهارت الحكومة المركزية مع كثرة جيوشها وعتادها، مقارنة مع مليشيات الجبهات والقبائل،إلا أن الرّوح المعنوية هي الأسمى في المواجهات والقتال، وبما أنّ الظلم الاجتماعي بلغ مداه،وانتشرت المحسوبية و الفساد والاستبداد بأبشع صوره في تلك الحقبة،فحينئذ لا أحد يحمي الوطن، ولم تجدالشعارات الوطنية الجوفاء أذنا صاغية،فقد هزم الجنرالات والكتائب بأيدي شبان لم يتدربوا لا في معسكرات وارسو ولا ناتو،بل كنا نشاهد ونحن صبيان عمليات الكرّ والفرّ، والقتل خارج القانون انطلاقا من الثأر القبلي وبلباس الحكومة والجيش الوطنى، مما أدى إلى فقدان الثقة بين الدولة والشعب إلى الآن.
وبعد الإطاحة بحكومة سياد لم يفلح قادة المعارضة والجبهات بحكم البلاد وبناء دولة توافقية بأسس سليمة وحديثة ، ودخلت البلاد بحروب أهلية أهلكت الحرث والنسل ،وأباد القريب قريبه والرفيق جيرانه،وتوالت نداء ات المصالحة والمؤتمرات، ولكنّ قادة الفصائل أعماهم حبّ السلطة، فلا يرقبون للشعب إلّا ولا ذمّة، واستحال جمع كلمتهم،إلابإعلانات وقف إطلاق النار التي تتلاشى قبل وصول زعيم الحرب إلى وكره وبيت عشيرته، لقد هبّت الأمم المتحدة لنجدة الصومال تحت شعار إعادة الأمل، وجمعت جيوش العالم ،ووزعت في كبريات المدن الصومالية في الجنوب ،تحت شعار الرجاء وإعادة الأمل وبقيادة الأمريكان 1993م، وهولاء مادخلوا أرضا أو وطنا إلا أفسدوه، ولا مدينة إلا خربوها ،وأخيرا نجحوا في توزيع المساعدات والإغاثة العاجلة لسيطرة المجاعة المنتشرة آنذاك، وفشلوا في إعادة الدولة الصومالية ،وأبادوا الشعب في مقديشوا بقصفهم بالطائرات،و على الأرض هزموا وسحل جثث الجنود في مقديشو بعد اشتباكهم مع أنصار الجنرال عيديد وثوار مقديشو فرحلوا بلا رجعة ، وتم جلاء جميع القوات الأجنبية من الصومال ،فالوطن يبنى بسواعد أبنائه ويحمى بجنوده ،وتلك مسلمة يتجاهل عنها السياسيون وعشاق الكراسي،يستقدمون القوات الأجنبية لحماية قصورهم ونيل كرسي زائل.
بعد فشل حوالي خمسة عشر من مؤتمرات المصالحة بالخارج لجمع فرقاء الصوماليين بدزن جدوى، عقد أخيرا مؤتمر عرتا في جيبوتي ، برعاية الرئيس اسماعيل عمر جيلي ،وتصالحت الفصائل الصومالية بميثاق عرتا للسلام، وبناء دولة المصالحة لا الدولة الحديثة بنظام قبلي أصطلح عليه بنظام أربعة ونصف، فانتخب أول برلمان انتقالي،وحكومة صومالية انتقالية بقيادة الرئيس عبد القاسم صلاد حسن عام 2000م وعادت الصومال إلى المحافل الدولية.
كان الرئيس الحكيم إسماعيل عمر جيلي مهندس السلام ،وفعلا نجح لجمع الفرقاء في خيمة عرتا في جيبوتي ،ولم يستلم جائزة نوبل للسلام، فهناك مؤتمرات سابقة باءت بالفشل لأنّ الصومالي بالصومالي أعلم وأحكم، فالقبائل تصالحوا بعد جذب وشد، حسب الطريقة التقليدية بإسناد الأمور لزعماء العشائر، واصطفاف الأكاديمي والعسكري والسياسي وراء زعيم القبيلة الأميّ، كان التوعية تجري على قدم وساق وأشعار وروايات المؤتمر جزء من ثقافة الأدب االصومالي ومن أروعها daraja iyo xil yaa mudan?
كنتُ في الثانوية حينها و استقبلنا الرئيس عبد القاسم صلاد ووفد من دولة جيبوتي في أستاديو مقديشو- تمّ ترميمه وأعيد بناؤه في 1-7-2020م- وخطب خطبه السياسية، ولم نكن نخاف حينها من تفجير ولم تكن ترافق الرئيس ووفده قوات أجنبة كماهو الحال اليوم، خاب ظنّ الكثيرين بحكومة عرتا وعجزت ببسط نفوذها في العاصمة بله الولايات.
وأخيرا أفشل حكومة عرتا القبائل والفصائل وتحالف المعارضة للسياسيين باسم
Somali Reconciliation and Restoration Council (SRRC)
الذي تم تأسيسه في الجارة أثيوبيا 2001م، والذي فاز بالسلطة عام 2004م في مؤتمر إيمبغاتي الذي انعقد في الجارةكينيا فيما بعد..

Share This:

عن منير عبد الله الحاج عبدي

منير عبد الله الحاج عبدي
أستاذ جامعي ومصلح اجتماعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *