الرئيسية » مقالات » كتب في الذاكرة (٣)

كتب في الذاكرة (٣)

عام ٢٠٠٤م كان مثاليا بالنسبة لي. كنت قارئا نهما ومتمرسا عندما انتقل خالي العزيز شيخ حسين أحمد طاهر الذي رباني في الصغر، وأرشدني في الكبر، وكفل حياتي في اليتم من مقديشو إلى كسمايو ومعه مكتبة كبيرة نوعا ما كانت كتبها فأسا كسر البحر المتجمد فيني، وهذه المقولة اقتبستها من الكاتب التشيكي الألماني فرانز كافكا ( ١٨٨٣ – ١٩٢٤م). كانت لحظة بالغة الفرادة ومن أجمل أيام العمر وما زلت أتذكرها. كنت في الثانوية وكان السباق محموما بين الطلبة من أجل التفوق الدراسي وتحسين مجموع الدرجات والتربع على مقدمة الجدول وحجز مقعد يؤهلك لمنحة دراسية الى الخارج أو الانضمام إلى جامعة كسمايو التي كانت في طور النشأة حينها. والحصول على تعليم ذات جودة عالية هي حلم الشباب الصومالي الذي يعيش في وطن غارق بالحروب والفقر المدقع.

كنت أجد متعتي في الكتب والقراءة الحرة كما كان المقرر يشكل علي عبأ فكريا وحاجزا يكبل قدراتي وشغفي، لذا كنت أهرب من ضيق المقررات إلى رحاب القراءة الحرة. في مكتبة خالي كنت أنغمس في الكتب وكانت رائحتها تمنحني نشوة من نوع خاص، وأصبحت صديقا لها وفي غضون سنتين شارفت على قراءة كل الكتب، ورغم أنها كانت لا تمثل اختياري الخاص ولم تعرف سوى المجلدات الدينية وكتب قديمة ابتلعتها التاريخ إلا أنها لم تخل من كتب ممميزة أمثال «الهزيمة الثالثة» و «تحفة الأوفياء لمسيرة التحرير والتعريب في القرن الأفريقي» للشيخ المناضل إبراهيم عبد الله ماح رحمة الله عليه، والتحفة موسوعة سياسية وتراثية وتأريخ للنضال، ويعتبر سيرة ذاتية تتعمق في ثقافة لابد أنها راسخة الجذور وتعمقت في وجدان كل صومالي بحيث لا يمكن محاربتها أو نزعها. ثقافة إسلامية لم تزد لها محاولات الطمس إلا شموخا.

وكان كتاب «نضال الصومال الغربي (أوجادين) وأطماع إثيوبيا التوسعية عبر التاريخ» للشيخ الراحل يوسف السيد على طوح رحمه الله من أقرب الكتب إلى قلبي، وكنت من تلاميذ الشيخ حيث انضممت إلى حلقته العلمية في مسجد التقوى في كسمايو أواخر عام ٢٠٠٤م، ودرست على يديه صحيح مسلم، و «اللمع في أصول الفقه» للشيرازي وهو مصنف مفيد ومن أعمدة كتب المذهب الشافعي. كما كانت الكتب الأدبية التي لها قيمتها الفنية تغفو على كتف الرفوف بعظمة تليق بمكانتهم مثل: «الكامل في اللغة والأدب» و «أدب الكاتب» و «بهجة المَجالس وأنس المُجالس» و «العقد الفريد» وغيرهم من أنفس كتب التراث، كما لم تخل أيضا بعض كتب المعاصرين من شيوخ الصحوة كعائض القرني، وسيد قطب، ومحمد سرور، ويوسف القرضاوي، ودواوين شعرية كديوان أبي العتاهية، والمتنبي، والبحتري، وشعراء المعلقات، وديوان أحمد الشوقي، وغيرهم.

في ردهات مكتبة تشبه مكتبة الفيلسوف الماركسي الألماني والتر بنيامين (١٨٩٢–١٩٤٠م) من حيث الرفوف المكتظة بالأوراق، والمسودات، والتصانيف العتيقة، وصناديق الكتب، والهواء المشبعة بغبار الأخشاب والأرواق الممزقة اتسعت دائرتي المعرفية وإدراكي لأهمية العلم وتعلقي للقراءة والكتابة، وغرست روحي شغف الاقتناء بالكتاب الورقي الذي كان شحيحا ونادرا في كسمايو. كانت فترة ذهبية في حياتي صقلت شخصيتي ومنحتني بعدا ثقافيا وإيمانا عميقا لتغيير واقعي نحو الأفضل.

كم واجهت فيها مجلدات ضخمة صعبت عليّ قراءتها أو هضم أفكارها وسبر غور المعلومات الكامنة في سطورها فاحتجت إلى قراءة ثانية وربما ثالثة أو رابعة وعندها تتفتح الأبواب تلقائيا وأكتشف مروج المعرفة ومباهج القراءة. واليوم عندما أزور أليها أجد فيها كتب فقدت قيمتها الفنية والثقافية في نفسي بسبب التقدم في العمر أو النضوج الحياتي والمعرفي، كما فقدت رواية سوناتا كريتزر قيمتها في نفس تشيخوف، لقد كانت في خيال الكاتب نصا روائيا متقنا ولا ينافسه نص آخر من حيث الأسلوب والتقنية الكتابية وجمال الأداء، وبعد زيارته إلى جزيرة سخالين غيّر رأيه ووصف الرواية بأنها مضحكة ومربكة.

Share This:

عن حسن محمود قرني

حسن محمود قرني
كاتب ومدون صومالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *