الرئيسية » كتاب الشهر » قراءة أولية لكتاب ( منهج ابن تيمية المعرفي )

قراءة أولية لكتاب ( منهج ابن تيمية المعرفي )

مقديشو – قراءات صومالية- شاركت فى مناقشة علمية مع نخبة من العلماء فى القرن الأفريقي ، وكان النقاش حول كتاب مهم من كتب المنهج ، وهو كتاب سطّره باحث من الجزيرة العربية ، ولديه قلم سيال ، وعقل دفّاق ، ورؤية تخترق الزمان والمكان ، وهو الدكتور عبد الله بن نافع الدعجاني ، والكتاب رسالة بحث حصل عليها الباحث درجة الدكتوراة من جامعة أم القرى بمكة المكرمة ، ويدور الكتاب حول مسألة مهمة جدا وهي ( المنهج المعرفي التيمي) أو النظرية المعرفية للإمام ابن تيمية رحمه الله .
أسس الأستاذ عبدالقادر على ورسمة موقعا فى التواصل الإجتماعي سمّاه ( fikre Medea ) ليكون منبر حوار للنخبة المثقفة فى منطقة القرن الأفريقي الناطقة باللغة الصومالية ، وكان لي فضل الشرف فى مناقشة بعض القضايا الهامة مع بعض العقول الصومالية ، وقد كان النقاش فى هذا الأسبوع حول هذا الكتاب المذكور سابقا ، وشارك معى فى هذا النقاش الأستاذ الداعية حسن محمد إبراهيم من تركيا ، وهو أحد الدعاة المتميزين من الصومال طرحا ومناقشة ، فكرا وفقها ، ويعيش الآن فى تركيا ، كما أدلى فضيلة الشيخ بشير صلاد ، الداعية المعروف ، ورئيس رابطة علماء الصومال ، وناقش كعادته بهدوء مع أفكار الكتاب ، وتميز الأستاذ عبد القادر على ورسمة كعادته هو أيضا فى إدارة الحوارات بطرح الأسئلة العميقة ، والمتوازنة .
لقد حاولت أن أقرأ مرة تلو المرة الكتاب ، فقد حاولت أيضا قراءة الكتاب مع كتب أخرى ذات صلة بالموضوع مثل كتاب ( تكامل المنهج المعرفي عند ابن تيمية ) للباحث إبراهيم عقيلي ، وكتاب ( منهج ابن تيمية فى الفقه ) ، وكتاب ( واقعية ابن تيمية ، مسألة المعرفة والمنهج ) للدكتور أنور خالد الزعيبي ، وغيرها من الكتب ، فوجدت أن هذا الكتاب تميّز ببعض الخصائص ، ومنها أنه يبتعد من القراءة المبتسرة ، والمغرضة ، والسطحية ، بل حاول الباحث مناقشة الأفكار التى تبنّاها ابن تيمية بهدوء العالم ، ونجح فى استخراج النظرية المعرفية التى تبناها شيخ الإسلام من خلال قراءة عميقة لكتبه الفقهية والأصولية والفكرية .
لقد قرأت الكتاب هذه المرة مستعدا لمناقشته مع هذه النخب العلمية فى المنطقة عبر الصفحة الإلكترونية التى يديرها الباحث الصومالي الأستاذ عبد القادر على ورسمة ، ولاحظت فى قراءاتى الأخيرة أن الكتاب ليس فقط بحثا جامعيا ، أو طرحا علميا مفيدا فقط ، بل هو فتح فى ميدان العلم ، ورؤية جديدة فى عالم الأفكار ، والسبب هو أن القارئ يشعر حين يقرأ هذا السفر العلمي بأنه يعيش مع أفكار ابن تيمية من خلال نظريات علمية توصّل إليها ابن تيمية فى رحلته العلمية المتميزة ، ووجدت أن عظمة الشيخ ابن تيمية لم تكن فقط فى غزارة علمه المعهودة منه ، ولا فى الكمية المعرفية التى تجمّعت فى ذهنه ، بل العظمة تكمن فى المنهج العلمي الذى كان وراء هذا الإنتاج العلمي ، ولهذا نجح الباحث بشكل دقيق فى التوصل إلى منهجه العلمي من خلال قراءة تحليلية لأفكاره .
طرح الشيخ فى كثير من كتبه كلمة ذات مدلولات علمية ومنهجية فيقول مثلا : ( لا بد أن يكون مع الإنسان أصول كلية تردّ إليها الحزئيات ليتكلم بعلم وعدل ، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت ؟ وإلا فيبقى فى كذب وجهل ، وظلم فى الكليات ، فيتولَد فساد عظيم ) .
نستطيع أن نعرف من خلال هذه الكلمة الدقيقة المنهج العلمي الذى سار عليه الإمام ابن تيمية رحمه الله ،فالرجل كان يبحث بدقة عن الأصول الجامعة ، والأفكار المركزية لهذا الدين ، ومن خلال هذا البحث كان يهدف فهم طبيعة الأشياء ، وتفسير الحقائق ، وكان يحذر من الوقوع فى العيش مع الجزئيات بعيدا عن الكليات ، ولهذا حذر من ظلم الكليات ، والإبتعاد عن الحسكة المعرفية القلقة .
فالمنهج العلمي يمثل للعلوم الأب ، ذلك لأن المنهج هو الذى من خلاله يستطيع الفقيه الوصول إلى الحقائق ، ويكتشف من خلال المنهج الجديد ، بل ويناقش الآخرين من خلال عقلية منهجية ، وليس فقط من خلال غزارة المعلومات ، ولهذا نستطيع أن نؤكد من خلال قراءتنا للبحث بأن ابن تيمية نجح فى الجمع منهجيا بين القراءتين من خلال نظرية معرفية دقيقة ، قراءة الوحي ، وقراءة الكون والنفس ، وتوصّل بأن القراءتين ضرورية للبناء العلمي ، وتكوين العقل العلمي للإنسان المسلم من خلال مهارة التأصيل العلمي ، والإستقلال المعرفي ، وقد عاش مع هذه المسألة ( الجمع بين القراءتين ) فى إنسحام معرفي ، واتزان دقيق فى نقد الأفكار ورجالها ، وعاش ابن تيمية فى مرحلة دقيقة جدا فى تاريخ الفكر الإسلامي حيث نجح فى اختراق العقل الإنساني حيث قرأ جلّ الأفكار العالمية فى لحظته ، لأنه كان يتمتع بنفس علمي طويل ، ومن خلال هذه المواصفات توصّل إلى إحداث نظرية جديدة ، تكون بديلا عن النظريات الفلسفية التى سادت ، وما تزال فى عالم الفكر ، فقد توصل إلى نظريته التى تتكون من ثلاثية متآلفة ( الفطرة المعرفية ، والواقعية المعرفية ، والوحدة المعرفية ) ، فهذه النظرية هي التى صنعت العقل العلمي للإنسان المسلم يوم أن كان يقود الحضارة البشرية ، فلم يتردد ابن تيمية كما يشير الباحث أن يبتعد عن التناقض المنهجي ، والمعرفي ، وعن التردد المنهجي ، وردّ بعلم وفقه على الذين يقولون بأن الأصل فى الإنسان هو الجهل ، وليس المعرفة ، فقد ذكر أن الأصل فى الإنسان الأول ( المعرفة ) ، فالمعرفة تطورت ، ولكنها لم تكن غائبة غيابا كليا عن الإنسان ، ذلك لأن الله هو خالق الإنسان وموجده ، فهو الخالق والموجد الأول ، وبالتالى فهو المعلم الأول ، ومن هنا نجد التلازم بين الرؤية الوجودية ، والرؤية المعرفية عند ابن تيمية واضحا ، ذلك لأن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله انطلق من نسق فكري واضح لديه ، وكان يبحث المسائل من خلال إطار فكري كامل ، أو موقف متكامل يفسر من خلاله ما يلج عليه من تساؤلات ، أو من شبهات .
رفض ابن تيمية أن يكون نسخة لغيره ، بل كان إضافة نوعية ، فقد ردّ الفلاسفة بعلم ، وهذا ظاهر فى كتابه ( نقض المنطق ) ، وبيّن عورات الفكر الفلسفي اليوناني ، ولَم يفعل مثلما فعل فلاسفة آخرون فى النقد فقط ، بل نجح فى طرح البديل العلمي والفلسفي ، ودعا فى وقت مبكّر إلى تجاوز العقل الفلسفي اليوناني ( الصوري ) وصناعة العقل الفلسفي العلمي الذى يبحث عن عالم الشهادة بطرح الأسئلة العلمية ( كيف ) ؟ ولا يتيه فى بحث ماهية ما وراء الطبيعةبطرح نفس الأسئلة ومن هنا تجاوز العقل الكبير ( ابن تيمية فى الوقوع إلى أسر الفكر اليوناني .
لقد كان ابن تيمية من عباقرة الفكر والفقه والأصول ، كما كان بالضبط الغزالي أيضا ، وابن رشد ، ولكن لكل واحد من هؤلاء ميزته الفكرية والفقهية ، وعبقريته الذاتية ، وإضافته العلمية ، ذلك لأن العلوم تتجمّد حين تتحول إلى معلومات فقط كما أشار الباحث ، والباحث الدقيق هو الذى يلاحظ ذلك ، بل ويسعى إلى تحرير ذاته من أسر ( المعلومات ) كما يفعل كثير من الدارسين ، فالعلوم أيضا تبقى حية ، وفى نموّ وثراء مادام وراءها عقول حية ، تقوم بإدارة المعرفة بمهارة ، وتختبرها بأدوات المعرفة ، وحينها فقط تبقى المعرفة رافضة للموت ، والفناء ، والعاصم منها هو المنهج العلمي الحي .
قدم ابن تيمية معرفة غزيرة ، وعلوما جمّة ، وأفكارا حية ، ولكن الوسط الذى ما زال يقدس التاريخ يعيش بين التقديس والتدنيس ، فهناك الآلاف الذين يرفضون فكره ، لأنه خالف ما عليه الناس ، ومنهم من يقدس فكره ، لأنه خالف ما عليه الناس ، فهذا النوع من التفكير السطحي جعل ابن تيمية شخصا عاديا مرّ ، وذهب ، ولكنه عند المفكرين والفلاسفة يمثل شخصا غير عادي فى تفكيره ، وفى غزارة علمه ، ولكن عبقريته لم تكن فى هذا الجانب المهم ، بل كانت فى نجاحه الخروج من التيه المنهجي إلى حصوله للمنهج العلمي الصارم ، ومن هنا حرّر ذاته من البقاء فى عالم الركام المعرفي ، وذهب بعد رحلة طويلة إلى عالم البناء المعرفي ، وخرج من عالم ( الجمع ) فقط إلى عالم ( البحث ) ، ومن خلال هذا المنهج العلمي توصّل إلى الخروج من عالم ( الإرتجال ) إلى عالم ( التخطيط ) الفكري ، ومن عالم ( الفوضى ) فى القراءة إلى عالم ( التنظيم ) فى المجال العلمي والفكري .
لدينا اليوم كثير من العلماء يبحثون عن المعرفة ، ولكنهم يتيهون عن البحث عن ما وراء المعرفة ، ولهذا يهتمون كما يقول الباحث فى هذا الكتاب المتميز الحشد والتراكم المعرفيين ، وليس عن المنهج ، ونحن نؤكد من جانبنا أن الخروج من الأزمة المعرفية لا يكمن فى الجهل ، بل يكمن فى غياب المنهج المعرفي .
لقد أبهرني الفقيه ابن تيمية رحمه الله فى غزارة معلوماته ، وإنتاجه الكثيرة ، وصلابته فى المواقف العلمية والفكرية ، ولكننى اليوم ازددت يقينا بأن عظمة الرجل تكمن فى المنهج العلمي الذى أنضجه من خلال قراءته العميقة للوحي ، وخاصة الكتاب العزيز ، ومن هنا صار لا يتكلم إلا بعلم ، ولا يناقش الآخرين إلا بعدل ، وهذا لا يعنى أنه كان دائما على الصواب فى خياراته الفلسفية والكلامية ، أو خياراته الفقهية والأصولية ، بل كان كغيره من الكبار يصول ويجول ، يصيب ويخطئ ، ولكنه كان بلا ريب عقلا منهحيا ، ومفكرا قديرا ، وعالما جهبذا ، وفقيها عميق الفكر ، ومن خلال هذا المقال ، أدعو المحبين لابن تيمية ، والمبغضين له قراءة هذا الكتاب ( منهج ابن تيمية المعرفي ) قراءة تحليلية للنسق المعرفي التيمي للدكتور عبد الله نافع الدعجاني ، وأنا مقتنع بأن الباحث المنصف سيجد من هذا البحث ما يفيده وينتفع به فى مساره الفكري والعلمي .
المفكر الإسلامي الجيبوتي عبدالرحمن بشير

Share This:

عن قراءات صومالية (التحرير)

قراءات صومالية (التحرير)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *