الرئيسية » كتاب الشهر » مراجعة كتاب نحو عمران جديد

مراجعة كتاب نحو عمران جديد

مقديشو- قراءات صومالية- في ظل هذا التتبع والمراقبة الشديدة للأحداث اليومية ” الماجريات ” السياسية منها والإقتصادية وإرتباطنا المفرط في الواقع دون النظر إلى الأفكار الكلية التي تُكوِن هذا الواقع وتحدياته وأيضا التعامل الغير الکامل في إيجاد حلول للظواهر الإجتماعية تدعونا الدكتورة هبه رؤوف في كتابها نحو عمران جديد إلى إعادة النظر والتأمل والمراجعة في المنطلقات الأساسية للمشاريع السياسية والإقتصادية والإجتماعية القائمة في المجتمع وأيضا دراسة الأدوات التي نستخدمها لفهم الواقع دراسة تفحيصية دقيقة أو الأدوات التي إستخدمناها في الاوانة الأخيرة ومدى نجاعتها وإخفاقاتها ، وتجسيد رؤية كلية في العلوم الإسلامية تنطلق من الرؤية التوحيدية للعلم ودوره في الحياة ، ولزوم نفض الغبار في الأفكار وتفعليها في الواقع المعاش وتجديدها والإجتهاد أيضا في الأحداث والمستجدات الغير مسبوقة .
تبدأ الدكتورة بطرحها محاولة الرجوع إلى المفاهيم القرانية كمنطلقات وأسس بمفهموم الفطرة كمفهوم يتقاطع مع مفهوم الإنسانية والبشرية الأوسع ، مفهوم مقترن في التصور الإسلامي بالوحدانية والدين ، ومقترن أيضا بفهم ايات النفس البشرية في تفردها وفي إجتماعها وعمرانها ، وكواحد من رباعية المفاهيم التي يحاسب الله بها العباد يوم القيامة للأمانة والخلافة ” الفطرة والعقل والوحي والسنن التي ندركها بالنظر والسير ” ومفهوم مقترن بالحرية ، فبمفهوم الفطرة يقوم الإنسان بخلافة الله في الأرض وبالإصلاح والعمران الذي يقوم على الرحمة والتعاون ، وبعدها مفهوم العالمين ففي الإِسلام تعد البشرية أفقاً رحباً للرسالة التي هي رحمة للعالمين ” وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ” ، وهنا تٶكد الكاتبة الحاجة إلى الرجوع لإعادة بناء مفهوم الأمة ، وتفرقة خرائط مفهوم الدولة القومية وخرائط مفهوم الأمة ، وتقول الدكتورة بعد عرض نشأة وتحولات مفهوم الأمة و في إطار التحولات والتصورات التي مرّت بها المجتمعات الإسلامية ” نجد أن إرتباك العلاقة المفاهيمية بين خريطة مفهوم الدولة القومية ومفهوم الأمة ظلت قائمة ، مادفع البعض إلى تأكيد الدولة تارة كتراكم أسمى لقوة الأمة (المودودي مثلا) ، وفي المقابل نجد حذرا من الدولة تأثرا بواقع هيمنة الدولة المركزية في العالم العربي بعد الاستقلال ، وتقديم الأمّة كحقيقة أخلاقية وحضارية وتاريخية أسمى “محمد عمارة، ومنى أبو الفضل ” وهناك التنظيمات الإسلامية التي قامت بعد سقوط الخلافة، تطالب بعودتها وتجعل ذلك غايتها والتي إعتبرت أن الأمة هو مقدمة إستعادة الدولة في حين يذهب البعض وأكثرهم راديكالية إلى أنّ الوصول إلى الحكم هو سبيل بناء الأمّة ” وتقدم الكاتبة حزمة من المفاهيم لتطوير رؤيتنا للواقع عند بناء مفهوم الأمة منها مفهموم العالمين ومفهوم المجتمع المدني العالمي الذي سمح نظريا بتجاوز فكرة “القومية المنهاجية” ومفهوم المجال العام بإعتبار الفعل الدعوي فعل إتصالي بإمتياز .
ومن المفاهيم التي تطرح الكاتبة أيضا مفهوم العمل كواحد من المفاهيم القرانية الأساسية ، المرتبط بمفاهيم أخرى كمفهموم التقوى، الإيمان، الإستخلاف والإبتلاء. وتستنبط في الأحكام الشرعية المتعلقة بأفعال الملكلفين طلبا وتخييرا ووضعا؛ أن ممارسة العمل السياسي يدخل في إطار الواجبات ، فهو إما فرض عين ( كالبيعة العامة والشورى العامة ) أو فرض كفاية ( كالجهاد والولايات العامة ). وتقارن أيضا بين تعريف علم السياسة الغربي الذي يرتبط بمفاهيم الشعب والقانون والسلطة والمصلحة العامة والدولة ويستبطن قيم الصراع والتكييف والحلول الوسط وتحكيم الواقع ، وبين مفهوم السياسة الإسلامية التوحيدية الذي هو القيام على الشيء بما يصلحه وإرشاد الخلق إلى الطريق المنجي في الدنيا والاخرة ، ويتسم بالعموم والشمول ، والمرتبط بالتوحيد والإستخلاف والمصلحة الشرعية والأمة. وتضيف إلى مفهوم العمل مفهوم الخدمة العامة والتمكين.
بعد هذه المفاهيم تناقش الدكتورة منطق العمران لإبن خلدون بين التأنس والتوحش ، الذي يهتم بأولية العمران النفسي والإنساني قبل المؤسساتي ، ومعرفة التحولات السكانية والعمرانية للمجتمعات وأعرافهم وتقاليدهم ، والتمييز بين أهل البدو وأهل الحضر ، وتصنيف النفوس البشرية ، ومراعات أثر التجربة على منهج التفكير، وإستيعاب وفهم التاريخ والوعي البشري الذي هو وعاء احتوى تجارب وتفسيرات البشر في الأزمنة والأمكنة المختلفة كما تقول الكاتبة.
وفی الفصل الثاني في الكتاب تتناول بعمق العلاقة بين المجتمع والدولة حیث تطرح الكاتبة في هذا الفصل الدولة الحديثة كما يزعم روادها بأنها جهاز لتسيير السياسة وتوزيع الموارد وإدارة عجلة المجتمع وإحتكار أدوات الإكراه المسلح ، ولكن الحقيقة أن هذه الدولة الحديثة فشلت في وعودها بتحقيق الأمن وتوزيع الثروات وحماية الحريات ، وأنها أدات لا تناسب مجتمعنا وظروفنا ، ويمكن إختراع أدات أبسط وأكثر كفاءة ، والدولة الحديثة كما تقول الكاتبة هي أدات لتحقيق التصورات الفلسفية في المشروع الحداثي من فردية وعقلانية مادية وتحول إقتصادي للسوق الحر وتحول إجتماعي للمدن الصناعية . وبعدها يأتي الكلام عن الأمة كمفهوم يأتي قبل الدولة ، وبما أن سلطات الدولة محدودة ومسؤولة لحماية المجتمع ، فإن الأمة هو الإطار الوحيد الذي يمكن أن يمارس الفرد فيه شعائر الدين كاملة فالمهم البدأ بالأمة ، وتطرح الكاتبة أيضا مداخل ضرورية للفهم والتجديد.
ولأجل مراجعة تصوراتنا في المجتمع والدولة تحث الكاتبة في الفصل الأخير من الكتاب مراجعة تصورنا عن بعض المفاهيم وإعادة ترسيمها؛ من هذه المفاهيم العقل؛ بين الدين والعلمانية وتفرقة الإنسان والمادة وعودة الأسطورة إلى فهم الواقع ، وطرح صيغ وخرائط التمدن.
كي لا ننسى الدعوة حين الإبحار عن السياسة والغوص في الماجريات اليومية ، لابد أن نتحلى بالأخلاق والتزكية ، والنظر إلى بناء المستقبل والتفكير في تغيير العالم .
وختمت الكاتبة الكتاب بقولها ” ويبقى الملف مفتوحا …. والله أعلم “.
إعداد: رضوان محمود الشیخ (maygaag)
مجموعة رواد الوعي

Share This:

عن قراءات صومالية (التحرير)

قراءات صومالية (التحرير)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *