الرئيسية » مقالات » تحت القمر ومرابع الإبل (1)

تحت القمر ومرابع الإبل (1)

الحمد الله والصلاة والسلام علی رسول الله علیه أفضل الصلاة وأزکی التسليم.

أما بعد:

 فهنا مدینة کسمایو التي تقع أقصی جنوب الصومال، وهي العاصمة الثالثة -بعد مقدیشو وهرجیسا – للصومال وکذالک عاصمة محافظة جوبا السفلی، التي یتکون مد نها خمسة مدن رٸیسیة  بطاطی وأفمدو وجمامة، وطوبلي، وعشرات القری الصغیرة.

کسمایو من المدن الکبیرة والشهیرة باسمها الممیز، ذات الوقع الخاص في أذهان سامعیه، لها میناء کبیر من موانٸ الصومال القدیمة، واشتهرت المدینة بصید الأسماك، وقد یوجد (أسد البحر ) بوفرة وتصدر الخضروات والفواکه الی المناطق الأخری الصومالیة، وكان الموز من أهم صادرات كسمايو أيام الحكومة المركزية، ولا زالت هناك حركة ضعيفة من تصدير بعض المحاصيل الزراعية كالسمسم مثلا إلی الخارج مثل کینیا والدول العربیة، ولا ننسی المواشي وخاصة الأبقار التی بدأ تصدیرها مٶخراً إلی الدول الخلیج العربي.

یحدها من الشمال الشرقي نهر جوبا الکبیر الذي یضخ في السنة ملایین الملایین  من قطرات الماء العذبة، ويمر نهرجوبا ثلاثة أقاليم _جدو وجوبا الوسطى وجوبا السفلى_ وجميع الأماكن التي يمرها أرض خصبة صالحة لزراعة جميع ماتنتجه الأرض!

ملاحظة: تشير الدراسات إلى أن خيرات هذه المناطق الثلاثة إذا تم استثمارها على الوجه الصحيح، وتم إحيائها واستفادتها، تكفي أكثر من 45 مليون شخص!! أي أكثر من ينتسب إلى الجد الصومالي، أو بالأحرى من ينطق باللسان الصومالي!

وللأسف يموت الصومالي الساكن على ضفاف هذا النهر الكبير، الذي يصدق عليه أن نقول بأنه شريان الحياة،

يموت جوعا وفقرا، يموت بلا أدنى رعاية صحية، يموت تحت الرايات الحمراء، رايات القبلية المسمومة،

کنت أعتبر نفسي وکصفتي من أهالي المدینة حیث تلقیت جمیع مراحلي التعلیمیة، أنني أحطت المدینة علما بخبایاها، ولکني تفاجأت بأن هذا الإعتقاد غیر صحیح.

صحیح أن لدي بعض المعلومات لکن ما خفي أعظم!

بعد عید الفطر المبارک 1441م، تشاورنا أنا وبعض الأحباب أن نأخذ نزهة في خارج المدینة، توافقنا وعزمنا الخروج وخططنا الأمر، ودقت ساعة الصفر، کان الموعد الساعة الثانیة ظهرا بتوقیت المکة المکرمة، خرجنا واتجهنا الجنوب الغربي للمدینة، مدینة شبیلی( تولو شبیلي) الصغیرة علی بعد ثلاثین کیلومترا.

کان الطریق کباقي الطرق الصومالیة، التي لم تجد الإهتمام المطلوب، کان ضیقا ذا منعطفات سریعة ومتقاربة جدا، ترابي لا تبدو علیه أدنی أثر للإصلاح، کان ساٸق السیارة شابا لطیفا ماهرا بهذا الطریق، کنا نتجاذب أطراف الحدیث وتارة یمزح بعضنا البعض.

هذا الکوکب الذي نعیش فیه لا یخلوا من منغصات ولم تصف لشخص أبد الآبدین!!

 فجأت أوقف الساٸق السیارة ونزل بسرعة وکان تعابیر وجهه تنبؤ لنا بأن شیئا ما قد حدث سألنا ما الأمر؟! تعطلت إحدی عجلات السیارة!!

کعادة کل الدعاة سارع لسان العلماء الذین کانو معنا إلی البسلمة، بعدها عمّ السکوت، ودخلنا عالم التفکیر کیف؟ ومتی؟ تنتهي هذه المهمة الإصلاحیة، ولکن بفضل الله ثم بفضل الساٸق الذي لم یهمل التدابیر اللّازمة لإنجاح مهمته تمکن إبدالها بأخری بعشر دقاٸق فقط، أخذنا نفسا عمیقا وأدبر السکوت والتفکیر السلبي معا، حمدنا الله أولا وشکرنا الساٸق ثانیا، تابعنا السیر وبعد أن قطعنا قرابة عشر کیلومرات،  أهالي المدینة یعتقدون أن المدینة تقع في منطقة غیر ملاٸمة للسکن هواٶها غیر نقي لأنها تطل علی البحر، ولکن هنا کانت المفاجأة، کان ما لم یکن في الحسبان مالم أتوقع أنه یوجد حول مدینة کسمایو.

تابعنا السير وابتعدنا من محيط المدينة، تغیرت ملامح الأرض شیئا فشیئا، فإذا نحن بأرض خضراء ذات أشجار کثیفة تشبه أدغال إفریقیا وغابات النیل الأزرق التي کنا نشاهدها في الکامیرات، ربوات ممتدة یعلوها الإخضرار الباهر الزاهر، أیکة وأرض شاسعة إخضرارها فوق الخیال کأنها الجنة التي وصفها الله تعالی في کتابه مدهامتان، الماء الزلال والظل الوارف أنواع الطيور المختلفة الأشکا والألون والأصوات.

دُهشت کثیرا وحق لي، وسبب دهشتي کان هذا الإعتقاد الخاطٸ وکثیر من أمثالي، بأن المنطقة احتیاطها الرعوي قلیل.

مئات الهکترات الخالیة من البشر التي تصلح جمیع حاجات البشر، الرعي والزراعة، ومن جمیع محاصیل الأرض، ویمکن القول بأنها کما خلقها الله تعالی رغم تعرضها لمآس کثیرة فضلا عن رعایة! من قطع أشجارها وتصدیرها إلی الخارج بأشکال مختلفة، وقد صدرت بعض الأشجار مع سیقانها لأسباب غامضة في الفترات السابقة وبعضها علی صورة الفحم.

نعم نعم هناک أراض غیر أرضنا الصومالیة لها میزات ومنافع کثیرة، لا ننکر هذا لکن! لکن أن تجتمع هذه الصفات في مکان واحد، البيئة المناسبة للرعي والزراعة.

والله لیست صدفة أن خلقنا الله في هذا الکوکب وخاصة هذه المنطقة الخصبة بکل ما تحمله الکلمة من معان، في منطقة ذات مرعی واسع ومناصب، ومع ذالک تمتلک الثروة الزراعیة الهاٸلة إضافة إلی الثروة الحوانیة الغیر المحدودة والبحریة، فهل نحن شاکرون؟! وفوق ذلک نمتلک الثروة المعدنیة والیورانیوم هذا العنصر(الیورانیوم)الذي أصبح في هذا العصر قوة تتباهی به الدول الکبری.

ياليت قومي يعلمون أن الله قد منّ  عليهم نِعم لا تعد ولاتحصى.

ياليت قومي يدركون أنهم من أب وأم واحدة.

يا ويح قومي يفيقون من غفلتهم ويتداركون ما أفرطو.

هل يجتمع الفرح والحزن؟!

عند رؤيتي هذا الجو الذي تحدثنا بهاءه، فرحت وسررت، شعرت من الداخل شيئا يعجز اللسان عن تعبيره، لأول مرة شعور إعتراني لكن إختفى ولا أدري السبب، يمكن أن أقول أن الفرحة تجاوزت الحد المطلوب، فأحدثت ضجة وهيجانا في داخلي!

 هذا ما يمكن أن أقول من تلقاء نفسي، فإن كان عندك شيء من التفسير مثل هذه الأمور، فمرحبا فتعال كي تفسر وتروي غليلي.

راجعت الذاكرة، وأجلت النظر على جميع بلاد الصوماليين، المحررة نسبيا، والمنفصلة إدعاء، والمحتلة إجباريا تحت الحديد والنار، من قبل إثيوبيا، عدو الصومال اللدود، وكينيا التي طمعت إلتهام الباقي  بعد أن أكلت الخمس ومضغت، فلتعلم أننا مانسينا حقوقنا.

    Wiil yahaw waxaadan lahayen laguma waynaado Waxaad waayo maashaba nin laa weel isugu gaysta.

ما لا تملكه لن تكبر ولن تسعد به، مهما حلبتها وانتفعت بها فإن صاحبها يوما ما سيصادرك منها.

والمثل الثاني يقول: Nin iyo xoolihii Aragti baa kadhaxaysa، بين الشخص وماله التلاقي والرؤية.

فقلت في نفسي إستمتعو إلى حين، نعم إلى حين سيفيق أبناء بلدي وإخوتي،  بينما الصومالي يبتعد الصومالي عن أخيه، على الأقل وحسب علمي خمس جبهات قتالية مفتوحة بين الصوماليين، مع زيادة أمور كان أجدادنا يرون خسة ونذالة، وهي تمثيل الميت، وقتل وتهديد الأبرياء أقصد ما يعرف ب(BIRI MAGAYDO,  ) والمحتل الغاشم يتبخترفي شوارعنا، آمنا مطمئنا وينهب أموالنا وثرواتنا، وينتهك أعراضنا.

عندها شعرت الحزن والأسى، واحتراق من الداخل، وارتفعت حرارة جسمي شيئا فشيئا، وتسارعت دقات قلبي…  إنما أشكو بثي وحزني إلى الله،

مرة أخرى هل يجتمع الفرح والحزن؟!

رسالتي إلى جميع الصوماليين:

ياقوم لا أطيل عليكم الكلام، نحن أسرة واحدة، وهبنا الله أرضا يندر مثيلها في العالم، والأرض لله ليس لنا، (إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده) الأرض لله، وأراد أن نعيش فيها، وأمرنا أن نمشي فيها ونأكل من رزقها،”فامشو في مناكبها وكلو من رزقه”. أحذركم ثم أحذركم أن تكونوا مثل أصحاب الجنة الذين أرادو حرمان المساكين من حقهم، فعاقبهم الله حرمانا وعذابا، ( إنابلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموليصرمنها مصبحين) أرادوا الزيادة الغيرالمشروعة،فكانت النتيجة (فأصبحت كالصريم) كلنا أردنا العرش على حساب الآخرين فضاع العرش وطالبه! بل وفقدنا العرش جميعا، كلنا أراد أن يكون غنيا على حساب الفقراء فانتشر الفقر واضمحل الغنى، إلاالفئةالمصلحة، وقليل ماهم.

ياحسرة على الصوماليين، هلا تابوا وقالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين، وقالوا بلسان واحد سبحان ربنا إنا كنا طاغين، عسى الله أن يبدلنا عندئذ خيرا منها، نعم خيرا منها، من الإقتتال إلى الألفة والتآزر، من الحقد والحسد، إلى الحفاوة، من الكراهية إلى المحبة، من التآمر إلى التعاون، من الهدم والعنف إلى البناء، من التخلف دينيا وأخلاقيا واقتصاديا، إلى الرقي والتقدم، عسى ربنا أن يدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون، من الفقر المدقع إلى الغنى المفقود، من العبودية للمال والقبلية إلى عبادة رب العباد، من الظلم والتظالم إلى العدل والتسامح، من الحرب إلى السلام، من القحط والضنك إلى العيش الرغد والرفاهية، من التمزق والتدخلات الأجنبية إلى التجمع وحرية القرار والإستقلال الحقيقي، من التبعية واللهث وآراء عبدة الأصنام والنار والبقر، إلی منصب قيادة العالم، من التباعد والتدابر، إلى التقارب والتقابل، من اللجوء للدول المجاورة وطلب المساعدة الإنسانية من الماسونية، إلى الإستقرار ومساعدة الإنسان الحيران دينيا وماديا، من التهميش والتحقير إلى الصدارة والريادة، من الجهل عن الحياة إلى العلم وبراءات الإختراعات، من المرض المنتشر إلى الصحة العقلية والجسدية معا،

من البخل والشح إلى الكرم والسخاء، من الظلام البهيم إلى النور الساطع، نور الوحي، نور القرآن نور السنة، ونور التاريخ الإسلامي المشرق.

آه يا قلمي توقف توقف، لا تذكرني مآسِيَّ لقد نسيتها وأصبحت مخدرا لا يشعر بشيء.

فإن كنت تدري فتلك مصيبة* وإن كنت لا تدري فالمصيبة أعظم.

وأختم كلماتي قول الله تعالى،

) یاءیھا الناس إنا خلقناکم من ذکر و أنثی، وجعلناکم شعوبا وقباٸل، لتعارفو، إن أکرمکم عند اللہ أتقاکم، إن اللہ علیم خبیر).

Share This:

عن محمد معلم بشير برخدلي

محمد معلم بشير برخدلي
خريج جامعة كسمايو، ومدير مركز الهدى الإسلامي في كسمايو.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *