الرئيسية » كتاب الشهر » قراءة نقدية في كتاب “بين الشريعة والسياسة أسئلة لمرحلة ما بعد الثورات ” د. جاسر عودة.

قراءة نقدية في كتاب “بين الشريعة والسياسة أسئلة لمرحلة ما بعد الثورات ” د. جاسر عودة.

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد .
بحمد الله وتوفيقه أنهيت قراءتي الثانية في هذا المؤلف ” بين الشريعة والسياسة أسئلة لمرحلة ما بعد الثورات ” للدكتور جاسر عودة .
المؤلف د. جاسر عودة من مواليد ١٩٦٦ في مصر ، حفظ القرآن في صغره ، ودرس الفقه والحديث والأصول بحلقات الجامع الأزهر بالقاهرة ، حصل مرحلة البكالوريوس في الدراسات الإسلامية من الجامعة الإسلامية الأمريكية ، وحصل الماجيستير في الفقه المقارن في نفس الجامعة ، والدكتوراة في فلسفة المنظومات في كندا .
أولا : يجيب الكاتب من خلال مؤلفه هذا عددا من التساؤلات حول الشريعة والسياسية لمرحلة ما بعد الثورات ، وقد لاحظت من خلال قراءتي أن منهجه لا يتبع أسلوب البحث العلمي ولا يراعي الأمانة العلمية عند النقل ، حيث أن العديد من الفقرات في الكتاب اطلاقات يتحرى الطالب المبتدئ إطلاقها فضلا عن أكاديمي يحصل هذه الدرجة العلمية ، ومن الإطلاقات الغريبة مثلا ” وقد أجمع العلماء ” في مسألة من المسائل المختلف فيها ، وكأن الإجماع عنده حكاية اثنان ، والأشد من ذلك أنه لا يذكر مرجعا واحدا ينقل هذا الإجماع ، كما أنه ناقض المراجع الغنية الفقهية ، واتبع أسلوباً ومنهجاً ليس علمياً .
ثانيا : عرض المؤلف سياسة الرسول – صلى الله عليه وسلم – في الغنائم والزكاة مثلا ، وأعرب أن قضية تقسيم الغنائم والزكاة بالطريقة المذكورة في القرآن والسنة النبوية من باب السياسات وليس من التشريع في شيء ، وكأنها مرتبات لأفراد الجيس ومكافآة لهم قال ” ولا يقول عالم مسلم اليوم بوجوب تقسيم الغنائم بالطريقة المذكورة في القرآن أو السنة ، لأن هذه وسائل انتهى عصرها ” صفحة ٤٥ .
وهذا غريب ! فطريقة تقسيم الغنائم والزكاة مذكورة في القرآن بوضوح ، ولا أعرف عالما مسلما يقول بخلاف هذه الطريقة المنصوصة ، ولا حاجة إلى تأويلات وتفسيرات غير مسوغة عقلا وشرعا ، ولكن تفهم ذلك أيها القارئ عندما تعلم أن الكاتب يؤمن بتاريخية النص الشرعي ، ولا يختلف اثنان أن الشرع الحنيف صالح لكل زمان ومكان ، فما كان شرعا في زمن الرسول فهو شرع إلى يوم الدين .
ثالثا : يرى المؤلف أنه لا بد من حرية الاختيار قبل تطبيق الشريعة ، بحيث نعرض الإسلام عليهم فمن وافق الإسلام تنطبق عليه تكاليف التشريع ، ومن رفض فله الحرية ولا يعاقب على فعل المنكرات ولن تنطبق عليه الحدود لأنه غير مؤمن به .
وهذا خطأ كبير ، الشريعة لم تعط البشر حرية الاختيارات ، بمعنى أن يفعل الشخص ما يبدوا له دون النظر إلى القيود والحدود التي تترتب على ذلك ، فالعقوبات الدنيوية مثلا لها قيود فكيف بالشريعة الغراء ، وقد ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم رجم اليهوديين ولم يخيرهم بل نفذ عليهم الحكم الشرعي ، لأن الشرع يعلو ولا يعلى عليه .
رابعا : يرى الكاتب أن هناك فرقا بين الذنوب الذي يرتكبه الإنسان مخالفا لأوامر الله ونواهيه
وبين الجريمة .
قال ” الفرق بينهما أن الجريمة لها عقوبة مدنية والرسول لم يتعامل مع كل ذنب على أنه جريمة يعاقب عليها وهذا التماهي الذي يتوهمه بعضهم بين الذنوب والجرائم ليس إسلاميا .
فلا يوجد فرق واضح بين الذنب والجريمة ، فكل ذنب جريمة ، وكل جريمة ذنب .
خامسا : من سؤلات المؤلف ” ماذا عن تطبيق الحدود الذي ينادي به بعضهم ” …
سؤال أراد بها المؤلف باطلا ، فالحد مسألة شرعية وليس بشيء ينادي به بعض الناس ، ولكن الطامة الكبرى عند المؤلف أن الحدود عنده متغيرات وتاريخية وبعضها من شرائع اليهود ، والبعض الآخر من صلاحيات الحاكم فيجوز له العفو ، وهذا والله عين الضلال والتلاعب بمقدسات الإسلام ومبادئه .
سادسا : يرى الكاتب أن قضية شرب الخمر هي تعزير وليست حد ، لأن العقوبة المنصوصة على الخمر ليست قطعية ولا مقدرة .
كم أنت غريب يا كاتب ، فقضية شرب الخمر حد وليس تعزير ، لأن التعزير عقوبة لا حد ولا كفارة فيها فيقدرها الإمام مثلا ، أما حد شارب الخمر فقد كان في عهد النبي أربعين جلدة، فلما رأى عمر الناس تمادوا في هذا الشيء جعله ثمانين ، كما استقرَّ الصحابةُ على جلده ثمانين جلدة ، واتفق الفقهاء على وجوب حد شارب الخمر، وعلى أن حده الجلد ، ولكنهم مختلفون في ‏مقداره، فذهب الأحناف ومالك إلى أنه ثمانون، وذهب الشافعي إلى أنه أربعون، وعن ‏أحمد روايتان، قال في المغني: وفيه روايتان إحداهما أنه ثمانون، وبهذا قال مالك والثوري ‏وأبو حنيفة ومن تبعهم، لاجماع الصحابة فإنه روي أن عمر استشار الناس في حد الخمر ‏فقال عبد الرحمن بن عوف: اجعله كأخف الحدود ثمانين- فضرب عمر ثمانين وكتب به ‏إلى خالد وأبي عبيدة بالشام.
ثامنا : يرى المؤلف أن الحدود تسقط بالتوبة قياسا على الحرابة قبل القدرة عليه ، فعلى قول الكاتب مثلا لو زنا أحدهم وتاب فلا يقام عليه الحد وكذلك السارق وقاتل النفس وغيرهم من الجانين .
أقول : إذا كانت الحدود تسقط بالتوبة فما حكمة الشارع من الحدود ، أليس النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا والغامدية وقطع الذي أقر بالسرقة وقد جاءوا تائبين يطلبون التطهير بإقامة الحد ، و سمى فعلهم توبة مع ذلك أقام عليهم الحد ، و قال في حق المرأة: لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم. وجاء عمرو بن سمرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني سرقت جملا لبني فلان فطهرني ـ فأقام رسول الله صلى الله عليه سلم الحد عليه ، ولأن الحد كفارة فلم يسقط بالتوبة ككفارة اليمين والقتل، ولأنه مقدور عليه فلم يسقط عنه الحد بالتوبة كالمحارب بعد القدرة عليه .
تاسعا : ذكر المؤلف رأيا مفاده أن الرجم من شريعة اليهود التي نسخها الإسلام وليس من شريعة الإسلام ، وذكر أيضا رأيا آخر بأنه تعزير يعود للحاكم فقال مؤيدا لهما ” وهما رأيان جديران بالاعتبار ” .
قلت : الرجم من قطعيات شرعنا الحنيف ، وقد تواترت الأدلة على ثبوت حده ، والآيات القرآنية المنسوخة لفظا المعمولة حكما دالة على ذلك كله ، وكذلك أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم مليئة بذلك ، ولكن أنت أيها الكاتب لا تذبذب بين أقوال المنكرين في الحدود وبين المؤولين .
عاشرا : يرى الكاتب أن الجزية حكم سياسي من الوسائل المتغيرة . قال الكاتب ” هذه كلها ليست من الطبيعة اللازمة للإسلام وليست من الأحكام الثابتة التي ينبغي أن يلتزم بها المسلمون في كل زمان ومكان ولكنها أحكام تاريخية خضعت للسياسة وتخضع اليوم للسياسة أيضا “
أخيرا : هذه خلاصة سريعة لأهم المواضيع والأفكار الغريبة التي تناول الكاتب في مؤلفه ، ومن يريد مزيدا من التفاصيل فليراجع الكتاب بحذر وانتباه ، ولا أنصح بقراءة هذا الكتاب إلا لمن لديه اطلاع في العلوم الشرعية ، وله دراية في المسائل الذي تناول إليها الكاتب ، فهو يبث أفكار سامة قد تغري على الشهواني الذي يأخذ كل ما هب ودب ، والطالب المبتدئ الذي من شدة محبته للعلم تجذبه فلسفة هذه العبارات التي تكمن وراءها سم الثعابين ، وهنا أنبه أن الكاتب الدكتور جاسر عودة تأثر بالغرب تأثرا بليغا ، فقد أخذ مراحله التعليمة في أمريكا وكندا ، وتبدوا عليه قلة اطلاعه في المسائل الشرعية ، وإن كان يصور لنا أنه عالم درس المختصرات والمطولات .
يعقوب محمود صلاد – لاسعانود .

Share This:

عن يعقوب محمود صلاد

يعقوب محمود صلاد
كاتب وشاعر صومالي - لاسعانود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *