الرئيسية » التحقيقات والدراسات » قاعدة عسكرية مصرية في أرض الصومال: المحددات والأبعاد

قاعدة عسكرية مصرية في أرض الصومال: المحددات والأبعاد

مقديشو- قراءات صومالية- تواترت أنباء في شهر يوليو 2020 من عدة مصادر عن قيام وفد مصري في زيارة إلى أرض الصومال(وهو إقليم يقع في شمال الصومال ولكنه لم يحظ باعترافٍ دولي حتى الآن)، وكان الهدف من هذه الزيارة حسب التسريبات حينها هي طلب الحكومة المصرية إقامة قاعدة عسكرية بحرية في الإقليم، وقد عرضت القاهرة في المقابل تبادل مكاتب تمثيلية مع أرض الصومال.

وبالرغم من أنه لم ترد من حكومة أرض الصومال أي موافقة رسمية لهذا الطلب ولا يتوقع أن يحدث هذا في الأجل المنظور، فإنه لا شك أن هذا الطلب المصري لاقى ردود فعل غير مرحبة من الجانب الأثيوبي لاسيما في ظل التجاذبات السياسية المتصاعدة بين الطرفين بسبب أزمة سد النهضة، وهو ما يصب في رفع منسوب التوترات في القرن الأفريقي. كما أن هذا الأمر له دلالات أخرى، إحداها انعكاس الصراع حول سد النهضة وتأثيراته على دول الجوار الإقليمي، والأمر الثاني هو زيادة الشقاق السياسي بين إثيوبيا ومصر.

العلاقات المصرية الصومالية

تمتد العلاقات المصرية الصومالية إلى عهود غاية في القدم، وذلك من منذ عهد الفراعنة حيث كان التبادل التجاري أحد أوجه العلاقات بين البلدين، وفي ظل الدولة الحديثة كانت مصر من أوائل الدول التي اعترفت بالصومال وكان لها مساهمة فعالة في هذا الشأن، وقد دفع مندوب الأمم المتحدة آنذاك المصري الشهيد “كمال الدين صلاح” حياته عام ١٩٥٧ ثمنا لأجل حصول الصومال على استقلاله. كما أرسلت مصر المعلمين والبعثات الأزهرية لتساهم في تطوير التعليم في الصومال. فيما كان للصومال خدمات جليلة لا يمكن أن تغيب عن الذاكرة السياسية لكلا البلدين، فلقد وقفت الصومال مع مصر في اتفاقية كامب ديفيد ١٩٧٨، كما شاركت الصومال في حرب أكتوبر ١٩٧٣ بكتيبة في صفوف القوات المصرية.

إلا وأنه وبالرغم من أهمية الصومال الجيوسياسية والاقتصادية بالنسبة لمصر، لم يكن لمصر دور فاعل يتناسب ووزنه السياسي والتاريخي في حل المعضلة الصومالية بعد انهيار الدولة، وهو ما جعل الملف الصومالي وإشكالاته في يد إثيوبيا وكينيا.  ولا تتسم العلاقة بين الصومال ومصر بأفضل حالاتها حاليا خاصة بعد قرار إنهاء البعثة التعليمية قبل بضعة أشهر من قبل الحكومة الصومالية، كما زاد موقف الحكومة الصومالية الحيادي تجاه سد النهضة من مستوى التباعد بين البلدين، وقبلها وقوف الصومال مع دولة قطر في أزمة حصار قطر ٢٠١٧.

واقع صومالي معقد

الصومال حاليا يعاني من صراع سياسي ممتد ومرير بين مكوناته، ولعل أكبره هو ما بين الصومال وأرض الصومال، لدرجة أن أي شخصية رسمية من الحكومة الصومالية لا يمكن لها أن تأتي إلى أرض الصومال إلا خلسة وإلا وقع اعتقاله، وهذا الأمر يوضح غياب سيادة الدولة الصومالية ومؤسساتها في الشمال الصومالي، ومن جانب آخر يظهر قوة وسيطرة حكومة أرض الصومال على كافة الإقليم، وهذا ربما ما حذا بالوفد المصري بزيارة أرض الصومال دون المرور بالعاصمة مقديشو.

من جانب آخر، فإن العلاقات بين أرض الصومال وإثيوبيا متينة للغاية لاسيما في الجوانب الأمنية والسياسية والاقتصادية[1] منذ انهيار الدولة الصومالية في ١٩٩١، وبالتالي فمن غير المرجح أن تغير أرض الصومال بوصلتها السياسية المستقرة نحو إثيوبيا، حتى لو حدثت بعض الانتكاسات إلى مصر على الأقل في المدى المنظور. وهذا مؤشر على ضعف قراءة الموقف من جانب حكومة مصر.

وفي خلال العقود الثلاثة الماضية، كانت حكومة أرض الصومال تسعى حثيثا لنيل الاعتراف الدولي، وقد اقتربت كثيرا من ذلك لاسيما بعد إرسال الاتحاد الإفريقي بعثة لتقصي الحقائق إلى أرض الصومال في العام ٢٠٠٥، وكانت من نتائج جهود تلك البعثة أن أوصت في تقريرها النهائي بالاعتراف بأرض الصومال دولة مستقلة[2]، إلا أن هذا الاعتراف لم يحصل بسبب سياسات الاتحاد الأفريقي الرافضة لأي محاولة انفصالية في القارة لما لها من تبعات سياسية مكلفة.

لكن القضية اتخذت منعطفا هاما في مؤتمر جيبوتي في يونيو الماضي بين حكومة الصومال الفيدرالية وحكومة أرض الصومال، حيث نجحت أرض الصومال سياسيا في تدويل قضيتها أكثر من ذي قبل، بعد تصميمها في دعوة أطراف دولية وازنة كشرط للمشاركة في المؤتمر مثل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي ومنظمة إيغاد في المؤتمر، بينما تم تهميش كافة الأطراف والمنظمات والدول العربية، ولاحقا أردفت حكومة أرض الصومال هذا الأمر بتحرك سياسي هام جدا حينما قامت بإنشاء علاقات دبلوماسية مع تايوان، وقد حظيت هذه الخطوة الجريئة بدعم أمريكي لافت في مقابل انزعاج صيني لافت.

وهذا كله من شأنه عزز من المجهود السياسي لحكومة أرض الصومال تجاه تحقيق الاعتراف بالدولة الوليدة. وهذا كله سينعكس على توجهات علاقات أرض الصومال مع مصر، والتي لن تخرج من إطار كسب مزيد من التأييد الدولي تجاه الاعتراف والابتعاد عن كل ما يمكن أن يعكر علاقاتها مع المجتمع والدولي الإقليمي. وبالتالي فإن فكرة القاعدة العسكرية المصرية من الصعب أن تمضي قدما لأن الثمن بالنسبة لأرض الصومال سيكون كبيراً.

كما أن أرض الصومال لديها تجربة غير مشجعة في ذات السياق مع الإمارات، حيث لم تتمكن الإمارات من خلال قوة ملائتها المالية من تطويع حكومة أرض الصومال لإتمام القاعدة العسكرية قرب مطار بربرة والتي كان من المفترض أن تكون حلقة داعمة في مجهودها العسكري في اليمن تحديدا والمنطقة عموما، ويذكر أن حكومة أرض الصومال وبسبب ضعف مصداقية الجانب الإماراتي وضعت شروطا تعجيزية نتج عنها عدم تفعيل القاعدة العسكرية حتى اللحظة وربما انتهاء المشروع قريبا.

ومن الشروط التعجيزية عدم استخدامها لضرب اليمن المنهمك في أتون الصراعات العسكرية، فهل والحال كذلك يمكن لأرض الصومال أن تسمح للقاعدة العسكرية المصرية المتوقعة أن تضرب سد النهضة أو حتى أي من الأراضي الأثيوبية!!! إن أقصى مدى ممكن أن تصل فيه الأمور بالنسبة لأرض الصومال هو اتخاذ الطلب المصري ذريعة للضغط على الجانب الأثيوبي للاعتراف بأرض الصومال.

سياسات إثيوبية غير متوازنة

كانت هنالك سوابق من قبل إثيوبيا في بناء سدود أدت إلى أزمات واختلالات في الأمن المائي للمنطقة، ومنها بناء سد كان يغذي إحدى البحيرات الكبيرة في كينيا، وهو ما أدى إلى جفاف البحيرة، وكذلك بناء أكثر من سد في أراضيها مما أدى إلى جفاف نهر شبيلي في الصومال[3]، في المقابل لم تقدم الحكومة المصرية على أي موقف لصالح الشعوب المتضررة. فيما ترجو مصر الآن مساندة ومناصرة من تلك الدول وغيرها لحقوقها التاريخية في نهر النيل، وهو ما لم يتسنى لها تحقيقه الآن.

هذ المواقف السالبة من مصر ومن الدول العربية الفاعلة في المنطقة عززت من الحواجز النفسية للدول الأفريقية، وبالرغم من أن هذا الأمر له جذور قديمة إلا أن العلاقات الفوقية إلى حد ما أثرت في الذاكرة الاجتماعية لتلك الدول بما فيها الصومال، على المستويين الرسمي والشعبي.

وأحد مؤشرات هذا الأمر يمكن ملاحظته من خلال السجالات التي حصلت في وسائل التواصل الاجتماعي بين شعبي مصر وإثيوبيا، بينما كانت حدة التعليقات أقل بين شعبي السودان وإثيوبيا، وهذه أدت إلى تزايد الفجوة بين شعوب المنطقة منذ أكثر من ثلاثة عقود.

وفي كل الأحوال، إن السياسات الإثيوبية فيما يتعلق بالمياه من خلال تضييق الخناق على دول الإقليم والجوار ليست بعيدة عن سياسات الهيمنة التي تسعى لها وتفرضها منذ قرون، وهي بالإضافة إلى ذلك تسعى إلى أن تكون لها قوة بحرية بالرغم من أنها دولة داخلية وليس لها سواحل.

إن حكومة أبيي أحمد تبنت سياسات خارجية وداخلية أضرت بإثيوبيا والقرن الأفريقي عموما، وهذا ما أدى إلا تصاعد التذمر والتشكك تجاهها داخليا، وانعكس هذا جليا في تضعضع السلم الداخلي، فبلاده الآن مرشحة للدخول في أتون حرب أهلية، إن لم يتم تدارك ذلك داخليا، فولاية التيغري أعلنت صراحة أن الحرب الأهلية هي المآل الاستراتيجي لما تقوم به حكومة أبيي أحمد، كما أن عرقية الأرومو والتي ينتمي لها أبيي أحمد بدأت بالتظاهرات ضده في كافة مناطقها، ونتج عن ذلك قتلى وجرحى واعتقالات، ولا يبدو أن الأمر سيتوقف عند تلك النقطة، وهنالك مؤشرات تؤكد أن رصيد أبيي أحمد في الانتخابات القادمة في تدهور مستمر… فهل حكومة مصر مدركة لتفاصيل الواقع السياسي الأثيوبي بصورته الكلية والتفصيلية، وهل أعدت له استراتيجية للتعامل مع فواعله ونتائجه؟ لصالح مصالحها الاستراتيجية لا سيما الأمن المائي؟

مصر إلى أين …؟

بالرغم من أن منطقة القرن الأفريقي مليئة بالقواعد العسكرية في جبيوتي وأريتريا والصومال، إلا أنه يتبادر سؤال مهم هنا، هل قامت مصر في دراسة الخيارات المختلفة أمامها بشكل منهجي وعلمي، وهل اختيار أرض الصومال كان قرارا صائبا من المنظور الاستراتيجي؟ وهل تدرك تداعيات ونتائج هذا القرار إن صحت التسريبات؟

كما أن تأثيرات نقص مياه النيل تم مشاهدتها فور بدء إثيوبيا في الملء الأولي لسد النهضة، بينما استصدار قرار الموافقة من حكومة أرض الصومال لبناء القاعدة العسكرية والبدء في بنائها وحتى الانتهاء منها، ومن ثم إحضار القوات والمعدات المصرية سيأخذ زمنا غير يسير، وحتى ذلك الحين ستكون مصر قد عانت كثيرا. فهل تعي مصر مآلات هذه التحركات المتأخرة على أمنها المائي؟

إن مصر تحتاج إلى استراتيجية أبعد نظرا في التعامل مع مسائل سد النهضة وتداعياتها، وهذا يقودنا إلى حوجة مصر لصياغة وصناعة رؤية استراتيجية بعيدة المدى حول القارة الأفريقية. وفي ذات الوقت، فإن الحكومة المصرية لابد لها من حلول حقيقية لإعداد استراتيجية مائية تحفظ للمواطن المصري حقه من احتياجاته من المياه، وإلا ربما حدثت توترات بين الحكومة والشعب، وهذا أمر لا تحمد عقباه ولا يتمناه أحد.

خلاصة

إن المتتبع للعلاقات المصرية الصومالية يرى أنها لم تشهد تطورا ملحوظا بعد انهيار الدولة الصومالية، بل تراجعت كثيرا وهو ما سمح للدور الأثيوبي ودول الإقليم بالتمدد والترسخ على حساب الدور المصري، ولا شك أن تغيب مصر عن الساحة الإفريقية منذ اتفاقية كامب ديفيد والذي توسع خلال فترة الربيع العربي وما تلاها زاد من عزلتها عن القارة الأفريقية. ولا يمكن للصومال أو حتى دولة مثل جيبوتي اتخاذ قرارات أو مواقف سياسية ضد إثيوبيا في الوقت الراهن أو حتى في المدى المنظور لصالح مصر بسبب متانة واستقرار العلاقات مع إثيوبيا سياسيا واقتصاديا وأمنيا في مقابل سياسات مصرية قصيرة الرؤية في المنطقة. إن التاريخ الماضي لن يشفع لدور مصر المحدود حاليا في المنطقة، وإنما عليها إعداد سياسات بعيدة المدى تأخذ بالحسبان مصالح البلدين على قدم المساواة، عندها يمكن أن يؤذن لمصر أن تجد رديفا لها في المنطقة.

الهامش

[1] Nasir M. Ali, Ethio–Somaliland Relations Post-1991: Challenges and Opportunities, International Journal of Sustainable Development, Volume 4, Number 4, 2011

[2] Crisis Group, Somaliland: Time for African Union Leadership, Africa Report N°110, 23 May 2006

[3] مركز مقديشو للبحوث والدراسات، السدود الإثيوبية على نهر شبيلى تشكل خطرا على حياة ملايين الصوماليين، مقديشو مارس ٢٠١٦.

المصدر: المعهد المصري للدراسات

Share This:

عن قراءات صومالية (التحرير)

قراءات صومالية (التحرير)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *