الرئيسية » مقالات » زيارة مكتبة “ماركيتي” العامة

زيارة مكتبة “ماركيتي” العامة

منذ بداية جائحة كورونا واستفحال هذا الداء العضال، الذي أدخل العالم كله في حيص بيص، وأخذت السلطات تدابير قاسية وإجراءات صعبة للحد من هذه الكارثة التي كانت آخذة في الانتشار، قبعت في زاوية منشغلا بأمور الردود مستغلا بهذه الفرصة…
والآن ومع اعتياد الناس لهذا المرض الذي يبدو أن رعبه قد خف وشبحه المخيف زال أو تضاءل، وسمحت الحكومة بافتتاح المساجد مع رعاية الظروف القاضية للتفادي من الجائحة، ورفعت الحظر المفروض على حركة النقل والسفر بين المدن الكبيرة التي كانت بؤرة لانتشار المرض، يبدو أن حليمة قد عادت لعادتها القديمة، ورجع شريان الحياة إلى مدينتنا…
في هذا التوقيت لم أتمالك صبرا عن هوايتي المفضلة، حيث كنت منذ الصغر من رواد المكتبات ومن عشاق الكتب الورقية، أجد لذة منقطعة النظير وأنا اقلب ناظري في الكتب المتراصة على الرفوف وأبحث عن كتاب صالح لإشباع شهيتي، علي أجد فيه ضالتي.
فتوفير الكتب الإلكترونية بصيغة بي دي إف في الجوالات والحواسب المحمولة رغم إيجابيتها بحيث تكون المعلومات سهلة التناول قريبة الوصول، إلا أن ذلك يذهب رونقها ويقل من يرومها ويضعف جمالها الآسر وبهاءها الساحر، فيكتفي طالب العلم المبتدئ بهذا ويعتمد على زر البحث ولا يكترث بالتحصيل العلمي ولا بتنمية رصيده المعرفي، وينشغل بالتفرج على المقاطع التافهة أو المفيدة التي فيها معلومات مختزلة.
لذلك هرولت أجر ذيول العزيمة، وأسرعت الخطى نحو المكتبة العامة الواقعة في ماركيتي، تخالجني فكرة كونها مغلقة بسبب كورونا، فلما الفيتها مفتوخة دب البشر إلى جوارحي وعم الفرح في جوانحي، ودلفت إليها هامسا بالتسليم لأمين المكتبة الذي ما إن رأيته حتى هش في وجهي وبش، واستقبلنا بحفاوة، وأخبرني ان المكتبة لم تغلق يوما، وبقيت مفتوحة حتى لما كان كورونا في أوجه، فشكرته ثم وقعت عيني على ديوان ابن الرومي
فانهمكت في قراءة المقدمة وقرأت ترجمته
ومما علق في الذهن من أحوال هذا الشاعر العظيم المجيد أنه لم يكن ينقح أشعاره ولم يكن يعتني بها بالتهذيب والتشذيب لأنه كان يلقيها طويلة ثم يمضي لحال سبيله ولا يجد فرصة للتعديل، ولذلك وقعت منه في ديوانه بعض الهفوات، لكن الذي يغمر هذا إجادته في أساليب اخترعها وطرق بيانية أجرى فيها حصانه، واحتل فيها شأوا ومرتبة عالية.
هو أبو الحسن علي بن العباس بن جريج المعروف بابن الرومي، مولى عبد الله بن عيسى بن جعفر بن المنصور، ولد في بغداد عام ٢٢١ه
ومن خلال شعره نلاحظ أنه كان يوناني الأصل إذ يقول:
ونحن بنو اليونان قوم لنا الحجى
ومجد وعيدان صلاب المعاجم
أما أمه ففارسية وقد كان يفتخر يأخواله الفرس، وقد ينسب نفسه إلى ملوك ساسان يقول:
كيف أغضي على الدنية والفر
س خؤولي والروم هم اعمامي.
توفي أبوه وهو ما زال صغيرا،
التحق ابن الرومي يكتاتيب عصره وبحلقات التدريس في المساجد فحفظ ما تيسر له من القرآن الكريم ومن مختارات الشعر والخطب وتعلم أصول الحساب، كما استفاد من مناظرات النحويين والفقهاء، واطلع على كتب المنطقيين والفلاسفة والمنجمين.
فمن المجالات التي أبدع فيها ابن الرومي في شعره المدح، حيث أتى بأساليب مبتكرة وكان يجري على سنن الأقدمين في المقدمات الكلاسيكية التقليدية من ذكر النسيب والتشبيب،
ومن حيث المضمون مدح بالشمائل والذكاء والحزم والإقدام وغير ذلك.
وفي الهجاء حاز الرتبة العليا حيث أن الناس كانوا يخافون من سلاطة لسانة، وفي هجائه ركز كثيرا على المعايب الخلقية.
كثرة المصائب التي تكالبت عليه من وفاة والده وفقدان إخوته وتخلي أصدقائه جعلته ضيق الصدر سريع الإنفعال يتشاءم من كل شيء حوله، وقد مني بنكبات كثيرة مثل وفاة أولاده الثلاثة بعد زوجته وأخيه، فبكاهم جميعا.
وفي الوصف كان مغرما بالطبيعة عاشقا لذلك وصفها في أبياته بطريقة رائعة جدا وبالجملة كان شاعرنا متقنا في جميع أغراض الشعر.
مات مسموما في عام ٢٨٣ه ويقال أن القاسم بن عبيد الله أوعز إلى ابن فراس ليدسم الدسم في حلواه خوفا من هجائه، فلما شعر ابن الرومي في بطنه الوجع فطن أن القاسم قتله بالسم، فوثب مسرعا نحو الباب، فسأله القاسم إلى أين؟
فقال له إلى حيث أرسلتني
فقال: سلم على والدي
فقال ابن الرومي: ما طريقي إلى النار.

Share This:

عن أحمد ولي شريف

أحمد ولي شريف
كاتب وشاعر صومالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *