الرئيسية » الفن والأدب » “الرأسمالية في مواجهة الإنسان، كيف عالج بول أندرسون ذلك في فيلمه سيسيل الدماء “

“الرأسمالية في مواجهة الإنسان، كيف عالج بول أندرسون ذلك في فيلمه سيسيل الدماء “

لا استطيع أن اكتب قائمة لأفضل عشرة أفلام مفضلة لدي، إنها مهمة غاية في الصعوبة بالنسبة إلي، لكنني أعرف يقينا أنه لو كان بإمكاني فعل ذلك لكان فيلم There Will Be Blood من ضمن الأفلام الخمسة المفضلة لدي، ولا شك أنه يعتبر من أفضل الأفلام الذي تألق فيه الممثل دانيال دي لويس وأكسبه أوسكاره الثاني من أصل ستة ترشيحات لجائزة الأوسكار كأفضل ممثل،وهذا بالمناسبة يجعله ثالث ثلاثة ممثلين يفوزون بـ الأوسكار لثلاث مرات، بعد الممثل Walter Brennan، والممثل jack nicholson، ورغم كل هذه الجوائز لا يعتبر دي لويس من الممثلين المكثرين، بل لا تتعدى أفلامه المشهورة أصابع اليد الواحد إضافة إلى ذلك فقد أعلن اعتزاله عن التمثيل بعد فيلمه الأخير Phantom Thread في ٢٠١٧مع المخرج Paul Thomas Anderson وهو نفس المخرج الذي عمل على فيلم There Will Be Blood المقتبس من رواية بعنوان OIL! المطبوع عام 1926م، بغض النظر عن القصة وهي في الحقيقة محبوكة بشكل جيد إلا أن كثير من الذين شاهدوا الفيلم استمتعوا في المقام الأول بأداء الممثل دانيال دي لويس الاستثنائي، فالفيلم من نوعية أفلام “بناء الشخصيات” ولمخرج الفيلم بول أندرسون فيلم آخر من نفس التصنيف وهو فيلم The Master والذي يمثل فيه الممثل الحائز على الأوسكار واكين فينكس، فمعظم مشاهد الفيلم تكون مع الممثل دانيال دي لويس بأدائه الأوسكاري، وكغير العادة اتفق على روعة الفيلم كل من النقاد والجماهير ولطالما اختلفوا.
ينظر الكثيرون إلى الفيلم على أنه يسلط الضوء على جشع الرأسمالية وهو ما تتناوله الرواية التي اقتبس منها الفيلم، ورغم أنني لم أقرأ الرواية إلا أنني أحاول أن أحلل الفيلم بكونه عملا مستقلا عن الرواية، وإذا أردنا أن نضع الفيلم في هذا السياق بمعنى محاولة في ذم الرأسمالية فقد يأخذ الفيلم هذا الوصف لكنني أعتقد أنه يحتوي على مادة دسمة جدا لمناقشة أمور جوهرية في حياة الإنسان، والفيلم يناقش موضوعات فرعية بغض النظر عن الثيم الرئيسي المذكور آنفا.
يتحدث الفيلم عن رجل أعمال يدعى دانيال Daniel Plainview
يعمل في مجال تنقيب آبار النفط في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، يحاول بلينفيو أن يشق طريقه نحو هدفه وهو رجل بالمناسبة يمتلك رؤية واضحة إلا أن الطريق إليها تعج بالكثير من المشقات والتحديات، وقبل أن ندرس تلك التحديات علينا أن نسأل أين كانت وجهة الرجل؟!
في حواره مع أخيه أو “الشخص الذي انتحل هوية أخيه” يقول بلينفيو : ” I want to earn enough money I can get away from everyone. “
“أريد أن أجني ما يكفي من الثروة لأبتعد عن الآخرين”
إن الهدف الأساسي لبلينفيو هو صناعة الثروة لكن الدافع الرئيسي لهذا الهدف هو اعتزال الناس، وفي افتتاحية الفيلم يظهر بلينفيو وهو يعمل وحيدا في ظروف شاقة تؤدي إلى وقوعه في الحفرة التي كان ينقب فيها عن الأحجار الثمينة وكان يعمل في ذلك الوقت في مجال الأحجار الكريمة قبل أن يتحول إلى النفط، هو كما يبدوا شخص لا يحبذ الاختلاط بالآخرين، ومتصالح جدا مع ذلك ويبدو أنه سعيد بهذه الحال، وحينما يقرر أن يخالط الناس ليس لأن رؤيته عن مخالطة البشر إيجابية، كلا فقد قال بلينفيو في نفس المشهد السابق ذكره ” I look at people and I see nothing worth liking”
“أنظر إلى الناس ولا أرى ما يستحق الإعجاب” مع ذلك يضطر إلى مخالطتهم للوصول إلى الثروة الكافية التى تمكنه من اعتزالهم، يبدوا أنه “فر من الموت وفي الموت وقع” بالطبع لم يكن بلينفيو زاهدا عن الحياة، كان بإمكانه أن يعتزل الناس في المقام الأول، لكنه أراد أن يعيش عيشة رغيدة، وفي محاولته لاسترجاع الذكريات مع أخيه يحدثه عن منزل فخم كان يراه في صغره وكان معجبا به.
“ I thought as a boy that was the most beautiful house I’d ever seen, and I wanted it. I wanted to live in it,..”
“كصبي كنت أظن أنه أجمل منزل رأيته في حياتي، وأردت أن أمتلكه، أردت أن أعيش فيه…”
حقيقة الناس:-
لقد جرب بلينفيو بالفعل أن يسير وحيدا في طريقه إلى الثروة دون مساعدة من أحد، كاد ذلك الأمر أن ينهي حياته، إنها مهمة صعبة على شخص واحد، وهذا ما ذكره بنفسه لأخيه أو لشخصية الرجل المنتحل هوية أخيه، والمثير في الأمر أن كرهه للناس يستند إلى أمور كثيرة ، من أهمها ما ذكره هو في حديثه مع أخيه في المشهد الذي يعتبر أساسيا لفهم شخصية بلينفيو ودوافعه : ” I have a competition in me. I want no one else to succeed. I hate most people.well, if it’s in me, it’s in you.”
“لدي تحد أخوضه مع نفسي، لا أريد أن ينجح أحد غيري، أكره معظم الناس، حسنا، إن كان هذا ما أشعر به، فبالطبع أنك كذلك تشعر به”
ينطلق بليفيو من معرفته لذاته، فهو بطبيعته يحمل الكره والحسد في قلبه بشكل تلقائي، ويفترض أنه إذا كان قادرا على هذا الشعور فالآخرون كذلك قادرون على مثل ذلك، من وجهة نظره لا أحد يستحق الحب والثقة، وأن الجميع أنتهازيون بالفطرة، وهذا ما وجده في أرض الواقع، حين نجح نجاحه الباهر جاء أخوه يبحث عنه بعد أن قرأ نجاحه في الصحف، حينها سأل بلينفيو أخاه: “ألم تقرأ عن إخفاقاتي؟!” أضف إلى ذلك أن الشخص الذي يدعي بأنه أخوه ليس بالفعل كذلك، فهو شخص يدفعه الجشع والحسد وانتحل شخصية أخيه الذي كان قادما إلى بلينفيو بعد نجاحه المدوي، وهناك احتمال كبير بأن أخاه لم يمت بسبب المرض حسب ما ذكر له بعد أن كشف أمره، هناك فرصة كبيرة بأنه قتل أخاه لينتحل شخصيته ويحظى بذلك قربه من دانيال، لقد كانت هذه فرصة ثمينة أعطاها دانيال للناس عن طريق أخيه، فخذلوه واضطر إلى قتله، وقد قال له سابقا: “I’ve built up my hatreds over the years, little by little. Having you here gives me a second breath of life. I can’t keep doing this on my own… with these, umm… people.”
“لقد تراكمت أحقادي على مر السنين ، شيئًا فشيئًا، وجودك هنا يمنحني نفسًا ثانيًا للحياة، لا يمكنني الاستمرار في القيام بذلك بمفردي … مع هؤلاء ، أم … الناس.”
كانت هذه فرصة أعطاها للناس متجاهلا بذلك رأيه المسبق حول الناس وثقته بالآخرين، وكأنه كان ليوافق على كلام المتنبي لو سمعه إذ يقول :
“ومن عرف الأيام معرفتي بها
وبالناس روى رمحه غير راحم”
إذن حسب رؤية بلينفيو فالناس أشرار بطبيعتهم،لقد خلص إلى ذلك الرأي من خلال تجربته الشخصية مع ذاته ومع الآخرين كذلك، وبناء عليها فالناس لا يستحقون المجاورة والعيش بينهم، كان هذا هو السبب الجوهري الذي دفع بلينفيو إلى أن يفضل الاعتزال عن مخالطة البشر.
الناس والدين:-
الدين كمفهوم مستقل بحد ذاته ليس مشكلة في نظر بلينفيو، مشكلته مع الدين امتداد تلقائي لمشكلته مع الناس، فالناس حين يتفاعلون مع الدين تكون نتائج ذلك من وجهة نظره سيئة، حينما قابل بلينفيو بول صاندي وهو شقيق رجل الدين “إيلاي صاندي” دار بينهم هذا الحوار :
بول صاندي: “أي كنيسة تتبع؟!
دانيال بلنفيو: أنا.. ممم، أستمتع بكل المعتقدات، لا أتبع كنيسة بعينها، أحبها جميعا”
إن صحت قراءتي فدانيال هنا لا يهتم للدين في الأساس، إنه يحاول أن يعيد الحوار إلى حيث ينتمي إليه، وهي أليق طريقة بالنسبة إليه لفعل ذلك، يحاول أن يعيد الحوار إلى الصفقة التي جاء بول من أجلها، وهو الشيء الذي فعله في أكثر من مرة، لا يحب أن ينجر وراء الحوارات التي لا تصب في صلب الموضوع من وجهة نظره،فالدين ليس من صلب الموضوع، على الأقل الدين الذي في أذهان هؤلاء القرويين البسطاء، ولأنه مضطر لأن يخالط الناس حتى يحقق هدفه يريد بلينفيو أن يفعل ذلك بطريقة لبقة، مع ذلك أستطيع القول أن بلينفيو لم يكن في بداية أمره ضد الدين كمفهوم مستقل، إنه فقط لا يهتم لأمره، في تلك اللحظة المبكرة من حياة الرجل لم نجد صداما مباشرا بين شخصية بلينفيو وبين الدين، حتى أنه لم يتحرج من اللجوء إلى “إيلاي” -القسيس المنافق حسب وجهة نظره- بعد أن توفي أحد عماله وكان رجلا شديد التمسك بدينه، أراد بلينفيو أن يحقق له أمنيته فلجأ إلى إيلاي رغم ما بينهم من تنافر، لكن هذه الرؤية لم تستمر طويلا، فمن خلال مسيرته الشخصية يجد دانيال بلينفيو الكثير من المفارقات، فإيلاي على سبيل المثال يدعي أن لديه جميع الحلول من خلال الدين، فبإمكانه أن يعالج المرضى مثل ما كان يفعل في مشهد الكنيسة حين كان يدعي أنه يعالج السيدة العجوز المصابة بمرض التهاب المفاصل من خلال ابتهالاته مدعيا بأنه التجلي الثالث وأن روح الرب تسري فيه، ومن خلال عرضه الذي قال عنه دانيال عندما شاهده ” that was one goddamn helluva show.” “يا لها من عرض رائع” قال ذلك بعد أن نظر إلى الناس مليا وشاهد مدى إيمانهم لسذاجة هذا المهرج الذي يدعي ما لا يملك.
قد يكون دانيال بلينفيو مجرد تاجر جشع ركب موجة الرأسمالية والثورة الصناعية إلا أنه مقارنة بالقسيس إيلاي لا يبيع ما لا يملك، إنه يقايض المجتمع بالكثير من الحلول الفعالة، فحين خاطب أصحاب القرية التي كان يحفر فيها آبار النفط وعدهم بأمور مثل “بناء المدارس، الخبز، حفر آبار المياه وإنعاش الزراعة،والوظائف” حتى أنه ساهم في ترميم الكنيسة، كل هذه الأمور هي أمور يمتلكها بلينفيو وقادر على تحقيقها ولديه خطة واضحة المعالم لفعل ذلك، من وجهة نظر بلينفيو فهذا ما يستحق المرء أن يعول عليه، ختم كلامه بقوله “لن يصارع هذا المجتمع أساسيات العيش فحسب، لكنه سيزدهر” ليقوم القسيس إيلاي ويسأل “هل الطريق الجديد سيؤدي إلى الكنيسة؟!” ليجيب بلينفيو “هذا سيكون أول مكان سيؤدي إليه” يدرك بلينفيو تماما مدى إيمان مجتمع “بوسطن الصغيرة” بالدين والكنيسة، ورغم أنه لا يعير الكنيسة اهتمامه الشخصي لكنه بحاجة إلى يبيعوه أراضيهم ويفهم جيدا أن عليه أن يستثمر حتى في مشاعر ومعتقدات الناس ويوظفها توظيفا رأسماليا، إنه يعرف جيدا أن هذا المجتمع لا يمكن أن يساوموا في مصالحهم المشتركة بينهم وبين قدراته لتحقيق ما يمكن تحقيقه من إنجاز مشترك دون أن يقحموا الدين في هذه المعاملة، فالدين سيكون حاضرا في مسيرة بلينفيو طالما يحتاج إلى أن يتعامل مع هؤلاء الناس.
في المشهد الذي كان بيلينفيو منهمكا في تجهيزات افتتاح أول عملية حفر بئر في “بوسطن الصغيرة” يدخل عليه رجل الدين إيلاي وكان هذا ما دار بينهم.
إيلاي صنداي: كيف تجري الأعمال؟
بلينفيو: كل شيء جيد.
إيلاي صنداي: كل الرجال جاهزون؟
بلينفيو: بالطبع.
إيلاي صنداي: تبدو الروح المعنوية عالية. هل هناك … ما تحتاجه مني؟ أي شيء يمكن أن تفعله الكنيسة من أجلك؟
بلينفيو: لا أعتقد ذلك ، لا. شكرا لك.
إيلاي صنداي:أصحيح أنك طلبت من الناس التجمع ومشاهدة افتتاح البئر غدًا؟
بلينفيو: هذا صحيح.
إيلاي الأحد: سأبارك البئر. قبل أن تبدأ يجب أن تقدمني، ستراني أمشي نحو بئر النفط و…
بلينفيو: تقصد جهاز الحفر؟!
إيلاي صنداي: ستراني أمشي ، وبعد ذلك يمكنك قول اسمي.
بلينفيو: عندما تمشي؟
إيلاي صنداي: نعم. ستراني أمشي، وبعد ذلك يمكنك أن تقول “الابن الفخور لهذه التلال، الذي كان يرعى قطيع والده” ، ثم يمكنك أن تقول اسمي.
بلينفيو: هذا جيد.
إيلي صنداي: وماذا بعد ذلك؟
بلينفيو: حسنًا ، ثم تبدأ الحفر.
إيلاي صنداي: إنها مباركة بسيطة يا دانيال ، لكنه مباركة مهمة. إنها مجرد كلمات قليلة، ولن تستغرق وقتًا طويلاً،متى الافتتاح؟
بلينفيو: ما هو الوقت المناسب لك يا إيلاي؟
إيلاي صنداي: الساعة الرابعة.
بلينفيو: حسنًا ، لنجعلها إذن في الساعة الرابعة، شكرا لزيارتك.
إيلي صنداي: استمتع بيومك، شكرا لك.
هنا يجد دانيال نفسه أمام رجل دين منافق لا يجد حرجا في أن يمثل مسرحية ويقحم الدين في مساحة الآخرين، ويحاول أن يركب إنجازات الآخرين في سبيل تحقيق رغبته الشخصية وفرض سلطته الدينية على الناس، وبالطبع لم يفعل دانيال ما طلبه منه إيلاي صانداي وبدلا من ذلك فضل أن تبارك له أخته الصغيرة ميري صانداي الخالية من كل هذا النفاق.
كذلك عندما أراد بلينفيو أن يستأجر الأرض التابعة للرجل العجوز ويليام باندي اشترط الأخير شرطا لم يرق لبلينفيو، كان ويليام يشترط على بلينفيو أن يحضر إلى الكنيسة ليعترف بذنوبه ويتطهر منها، أراد بلينفيو أن يقتصر الطريق من خلال عرضه مبلغا أعلى فأعلى حتى ارتطم بإصرار ويليام الفولاذي، كان ويليام واضحا في أنه لن يؤجره تلك الأرض ما لم ينضم دانيال إلى الكنيسة، وهو الأمر الذي حتمت على دانيال أن يقع فريسة القس إيلاي، بالنسبة إلى بلينفيو لا يستطيع أن يفهم رغبة الناس الملحة في أن يضموا الآخرين إلى معتقداتهم، فدانيال رجل يفهم كيف يتعايش مع أي معتقد ولا يفرض معتقداته على الآخرين، كان يفضل أن يدفع مبلغا إضافيا مقابل أن يكسب حريته الشخصية ويبتعد من صراخ رجل الدين المنافق حسب رأيه، ليس لدى دانيال مشكلة في أن يتعامل مع أكثر الناس إيمانا بما يعتبره هو خرافة، إنه رجل يعرف كيف يهتم إلى الأمور المشتركة بينه وبين الآخرين، المشكلة في أن المجتمع لن ينظر إلى دانيال بشكل موضوعي، فلا يهمهم إمكاناته وقدراته بقدر ما يهمهم معتقداته، أنهم يفضلون أن يتعاملوا مع رجل متواضع الامكانات والقدرات مع إيمان قوي على أن يتعاملوا مع شخص يتحلى بعكس هذه الصفات، من جهة بلينفيو يبدوا ذلك سخيفا للغاية، وهذا يؤكد على ما كان يؤمن به مسبقا بأنه “لا يرى حين ينظر إلى الناس ما يستدعي الإعجاب “هذا الأمر كون علاقة صدامية بينه وبين الدين، علاقة كانت تتسم سابقا بعدم الاكتراث في أقل أحوالها تتحول بعد مخالطة الناس إلى علاقة ذات بعد عدائي لينتهي به المطاف إلى قتل إيلاي نفسه بعد أن لجأ الأخير إليه لحاجته إلى المال في نهاية الفيلم، كان بإمكانه أن يتعايش مع الدين طالما لا يفرض عليه نمطا معينا، لقد عاش دانيال حياته كله وهو يقوم بإرضاء الناس من أجل ،من أجل الخرافة إذا استخدمنا توصيفه الشخصي للأمر، كان ينتقي كلماته الذي يتكلم بها مع الناس ليختار أكثرها قربا إلى الرؤية الدينية حسب ما في أذهان المجتمع القروي، وإن كان ذلك يبعده عن ذاته، لقد عاش حياة مليئة بالنفاق وكان ليتفادى ذلك لولا تتفاعل الناس السيء مع الدين من وجهة نظره.
كان لدى بلينفيو رؤية خاصة به عن الدين، في نهاية الفيلم، يأتي إيلاي إلى بلينفيو ليطلب منه -ويا لسخرية القدر- أن يمتن عليهم بلينفيو بشراء أرض وليام باندي الرجل العجوز وقد توفي وترك وراءه أحفاده فقراء، لا يفهم بلينفيو جدوى الدين إذا لم يساهم في نهضة الناس وازدهارهم، لذلك نصب نفسه مكان رجل الدين وقال هذه الجملة .
“هل كنت تعتقد أن أغنيتك ورقصك وخرافاتك ستساعدك يا إيلاي؟ أنا التجلي الثالث! أنا الذي اختاره الرب!”
وقبل ذلك بقليل وفي ذات المشهد الأخير دار هذا الحوار بينه وبين إيلاي :
إيلاي صنداي: أوه! لقد فشل الرب تمامًا في تنبيهنا على الانهيار الأخير الذي حصل في اقتصادنا، يجب أن أحصل على هذا الاستثمار، يجب ، يجب ، يجب ، يجب ، يجب ، يجب أن يكون لدي هذا… يا دانيال ، لا اريد ازعاجك، لكني لو كان بإمكاني الوصول إلى الرب للمساعدة ، كنت لأفعل، لكن الرب يفعل هذه الأشياء طوال الوقت، يختبرنا بهذه الألغاز أثناء انتظارنا لوحيه.
بلينفيو: لأنك لست الأخ المختار يا إيلاي، بول هو المختار، نعم، وجدني وأخبرني عن أرضكم، أنت مجرد أحمق.
إيلاي صنداي: لماذا تتحدث عن بول؟!
بلينفيو: لقد فعلتُ ما لم يستطع أخوك القيام به.
إيلي صنداي: لا تقل هذا لي.
بلينفيو: لقد كسرتك وتغلبت عليك، كان بول هو من أخبرني عنك، بول هو النبي. إنه الشخص الذكي، كان يعرف ما كان هناك وأتى بي لأخرجه من الأرض، وأنت؟! أتعرف ما هو الشيء المضحك؟ اسمع … اسمع … اسمع … لقد أعطيته عشرة آلاف دولار نقدًا، تمامًا هكذا، لديه شركته الخاصة الآن، عمل الصغير مزدهر، ثلاث آبار منتجة، خمسة آلاف دولار في الأسبوع.
حسنا يبدو جليا من خلال حديثه رؤية دانيال عن الدين، لا بد أن يكون للدين معنى بحيث يجعل من معتنقيها أناسا منتجين وناجحين لمجابهة الحياة الدنيا، قد لا يهتم دانيال إلى تلك الطقوس التي يمارسون مرتادي الكنيسة، الذي يهمه أن يكون الإنسان ذكيا بما يكفي ليجد حلولا عملية لمشكلاته الحالية، الدين حسب الرجل ليس له جدوى ما لم يساهم في ازدهار الفرد والمجتمع.
الناس والأسرة:-
ليس الدين وحده هو ما يريده المجتمع من دانيال أن يتصنع حبه، كان دانيال بحاجة إلى الثروة وبما أن الناس لا يحبون التعامل مع شخص عازب لا يرى في الإنجاب والمساهمة في إبقاء الجنس البشري ويتحمل مسؤولية الإنجاب ورعاية الأطفال، فعليه إذن أن يظهر أمام الآخرين بأنه شخص سوي حسب نظرتهم لتتم أموره بسلاسة وهذا ما صرّح به في أكثر من مرة بأنه يحتاج إلى وجه جميل يسوق له أعماله حسب تعبيره، كان يذكر للناس أنه يعمل مع ابنه متقاسمين الأرباح بالنصف، لمجرد أن يرى الناس هذا الطفل البريء وعلاقته المثالية “ظاهريا” مع أبيه يُسرون وهذا يساعده في إبرام الصفقات على نحو جيد، بالنسبة إلى دانيال قد لا يكون مشروع الإنجاب وإكثار البشر مشروعا خيّرا، فلو نظرنا إلى ما يرمز إليه البشر لديه فإن ذلك سيصب في كفة التوقف عن الإنجاب لا العكس.
في المشهد الذي كان دانيال وأحد عماله يحفران البحر سقط عليهما العمود الخشبي، ولحسن حظ دانيال لم يختره العمود ليهبط عليه لكنه هبط على زميله فمات وترك ورائه طفلا، كانت تلك فرصة سانحة بالنسبة إلى رجل لا يفكر في الانجاب وبحاجة إلى وجه وسيم حسب تعبير دانيال نفسه، فقد تبنى ذلك الابن وأصبحا يشكلان ثنائيا رائعا، حتى حدث الحريق الذي اندلع من احدى الآبار وتسبب ذلك بجروح عميقة ذهب بسمع الفتى HW الابن المتنبى من قبل دانيال، حينها تحول الوجه الوسيم إلى مسؤولية ثقيلة على عاتق الرجل الرأسمالي، فنفاه بعيدا عنه وحينها أصبح المجتمع ينظرون إلى دانيال على أنه أصل الشرور، قد يكون دانيال كذلك بالفعل لكنه لم يكن هو بحاجة إلى أن يمثل هذه المسرحية كلها في المقام الأول لولا الضغط المجتمعي.
في إحدى اجتماعاته المهمة يجلس دانيال مع مستثمر كان سيشكل تحولا جذريا وإيجابيا في مسيرته العملية كان هذا الحوار ما دار بينهما:
تيلفورد: كيف حال ولدك؟
بلينفيو: شكرا على سؤالك.
تيلفورد: هل هناك أي شيء يمكننا القيام به؟
بلينفيو: “شكرًا على السؤال” يكفي.
وأهم مما قيل الطريقة التي قيل فيها، كان بلينفيو على وشك أن يتجاوز الطاولة التي تفصله عن الرجل ليقتلع رأسه من مكانها، كانت هذه الأسئلة تزعجه، وليست المرة الوحيدة التي تعرض بلينفيو لمثل هذه الأسئلة، كان المجتمع ينظر إليه بأنه أخفق في تربية ورعاية ابنه، وقد يكونون على حق غير أن بلينفيو يرى أنه اضطر في المقام الأول إلى القيام بأمر لا يحبه إرضاء للآخرين، كان يفضل أن لا يشترط المجتمع عليه كل هذه الشروط، لم يكن ليصبح بلينفيو هذا الوحش المتعطش إلى الانتقام من إيلاي ومجتمعه المتنمر، كان الجميع يشبه إيلاي.
حسب قراءتي الشخصية فهذا الفيلم يعالج الصراع الحديث بين الرأسمالية المادية المتعجرفة وبين الدين وبالذات التطبيقات السيئة للدين لدى المجتمع الأمريكي في بداية القرن العشرين وكل مجتمع لديه نفس الظروف التي تشبه ظروف الأمريكيين في تلك الحقبة، ويبقى السؤال الأخلاقي، هل جنى إيلاي ومعه جيش من المتدينين القرويين على بلينفيو، أم هو بلينفيو ومعه رأس ماله من جنى على إيلاي ومجتمعه القروي.

Share This:

عن عبد الوهاب محمد عثمان

عبد الوهاب محمد عثمان
كاتب صومالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *