الرئيسية » الفن والأدب » رواية «خرائط» لنور الدين فارح: صراع الوجود والحدود والثقافات في الصومال

رواية «خرائط» لنور الدين فارح: صراع الوجود والحدود والثقافات في الصومال

يأخذنا العالم السردي للروائي الصومالي نور الدين فارح (1945) إلى أجواء مختلفة وجديدة، في ثلاثيته الروائية الشهيرة «دماء في الشمس» عن الصومال، حيث سنتعرف عالما آخر زاخرا بالثقافة العربية والافريقية، بالعادات والتقاليد النابعة من الثقافتين، بما يجعله متميزا عن المجتمعات العربية، وسنستعرض في هذه الدراسة بعضا مما لمسناه من أجواء في رواية «خرائط» لنور الدين فارح.
العنوان هو اللقاء الأول بين المتلقي والنص الإبداعي، ويحمل الكثير من الدلالات الأولية، التي يريدها المؤلف. وهو في المنظور السردي رأس العتبات فهو أشبه بعتبة المنزل فلا دخول إلا من خلاله، أو بالأدق لابد من المرور عليه والانتباه إليه، وعليه مدار التحليل، فنحن نلج النص من خلاله، بل يظل العنوان معنا طيلة قراءتنا للنص، وعقب الفراغ منه، من جهة البحث عن دلالته المرادة، بعد تلقينا للنص. ومن المنظور السيميائي، فإن العنوان هو صاحب الحظوة والصدارة في النص، إذ يتصدر لوحة الغلاف، والصفحة بالنسبة للقصيدة. فظهور العنوان يعني الإعلان عن وجوده أولا، وليفصح عن محتوى النص ثانيا.
فوجوده الأولي يستدعي التوقف عنده من قبل القارئ، طارحا سؤالا استفهاميا عن دلالته المبتغاة، تلك التي لن تتحقق إلا بعد الاطلاع على النص ذاته. فكثير من العناوين خادعة في دلالتها، وبعضها تتلبسه دلالة جديدة بعد قراءة النص، ما يجعلنا ننظر دلالة عنوان رواية «خرائط»، فهو أولا لفظة نكرة دالة على العموم والشمول، وقابلة للإضافة المعنوية. بمعنى يمكن أن نضيف إليها فنقول: «خرائط المكان»، «خرائط الوطن»، «خرائط البشر»، «خرائط الذات». فلفظة خرائط دالة على ما هو جغرافي مادي، وعندما تقرأ في ضوء أحداث الرواية، فإنها تعني الخرائط المضطربة التي عليها الصومال الكبير، تلك الخرائط التي وضعها المحتل قبل رحيله، مثلما وضعها خلال وجوده، مقتسما كعكة الوطن مع غيره من القوى الاستعمارية، فالدلالة خرائط الوطن ممزقة الآن ومن قبل، وتمزقت النفوس تبعا لها، فصارت دلالة خرائط شاملة للمكان والإنسان، وأيضا الأفكار والتوجهات والانحيازات، ولنا في ما حدث بين «عسكر» و»مصرا» نموذجا على ذلك.
وتلك الدلالة تتأكد في نهاية الرواية بلجوء بطلها «عسكر» إلى غرفته، متطلعا إلى كتبه على الحائط و»عاد إلى خرائطه التي لم يدرسها وهي على الحائط في غرفته، عاد إلى مراياه التي هي على الحائط أيضا، مرايا تعكس الحاضر، ولكنها ليست جيدة في السفر إلى الماضي.. عاد إلى مستقبل لم يخطط له. حضرت الخرائط هنا بمسماها ووجودها، لقد علقها «عسكر» على حائط غرفته، وأراد دراستها، ولكن الأحداث شغلته عن التأمل فيها، للتعرف أكثر على الأزمة التي يعيشها الوطن الصومال، ألا وهي قضية حدود وخرائط، وانتماء وهوية، ونلاحظ هنا الدلالة الرمزية، عندما وضع المرايا بجانب الخرائط، فكم كانت الصدمة عليه عندما شاهد على حائط غرفته الأزمنة الثلاثة أمامه: فالخرائط تعكس الماضي بكل تعقيداته وحروبه المندلعة بسبب خرائط الحدود، والمرايا تعكس حاضرا غائما، يتمثل في شخصه الذي ينتصب أمام المرآة غير واضح المعالم. أما المستقبل فهو يتخاتل أمامه بحكم تجاوز الماضي/ الخرائط، الحاضر/ المرايا، فاكتشف أن حياته الماضية كانت في «مصرا»، وحياته المقبلة بلا «مصرا».

فاضطر لدراسة الخرائط المعلقة أمامه على الحائط، ليكتشف أن الصومال الكبير ممتد مئات الكيلومترات في كينيا، ومئات الكيلومترات في إثيوبيا/ ويشمل أيضا جيبوتي وغيرها. لقد أدرك أن معرفة خرائط وطنه، تعني معرفة انتمائه الحقيقي، وأن الإنسان بلا جغرافيا مثل الوطن بلا حدود.
أيضا، إذا قرأنا عنوان الرواية في ضوء عنوان الثلاثية نفسها وهو «دماء في الشمس»، فإن المشترك بينهما لفظيا هو التنكير في بدء العنوان، أما المشترك المعنوي فيبدو في الدماء المنتثرة بفعل تلك الخرائط التي وضعها البشر، والتي جعلوا منها سبيلا لسيلان الدماء بين الشعوب. ماذا كان يضير المستعمر إذا حفظ هوية الشعوب واحترم أنساقها الثقافية؟ ولم يترك في كل بلد ـ بعد رحيله عنه – مناطق قابلة للانفجار في أي لحظة. حتى تستدعي عودة المستعمر ثانية بشكل مباشر، على نحو ما فعلت الولايات المتحدة عندما عادت واحتلت أرض الصومال عام 1990، في ما يسمى عملية إعادة الأمل التي أعلنها جورج بوش الأب في ديسمبر/كانون الأول 1992 وسرعان ما انسحبت قوات الولايات المتحدة، بعد أن سحل الصوماليون جنودها في الشوارع، بواسطة عربات تجرها الحمير بعد دخولها إلى الصومال بأربعة أشهر فقط، معلنة شعار «إعادة الأمل» إلى الصومال بعد عام من سقوط نظام الديكتاتور الماركسي سياد بري.
والواقع أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تزد الصوماليين إلا بؤساً، إذ جاءت إليهم راغبة في الهيمنة على منطقة استراتيجية بالغة الأهمية، وأصبح شعار «إعادة الأمل» مادة للسخرية، أكثر منه محاولة لتبييض وجه الولايات المتحدة الأسود.. ورغم أن الصومال من أفقر بلدان العالم، إلا أن تدخل الولايات المتحدة الأمريكية زاده فقراً إلى فقر، وحروباً إلى حروب وضياعاً إلى ضياع.
إن الصراع القبلي والطائفي، الذي نشب على أرض الصومال، لم يهدف إلا إلى تشغيل مصانع الغرب العسكرية، ليقتات سكان الدول الغربية على دماء الشعوب المتقاتلة في العالم الثالث، فالحرب في دول العالم الثالث تعني خرابا ودماء لشعوبها، وتعني أيضا ازدهارا وتقدما لدول العالم الأول المتقدمة (المستعمرة سابقا)، التي تنشئ مصانع الأسلحة، وتبحث عن سبل تشغيلها، ولن تجد أفضل من إحياء الماضي، الذي زرعته بخرائطها الملغومة، لتنفجر متى شاءت، تمنع هذه الدول من النهوض، وتبقيها في رهان المستعمِر. وهو ما نطق به «عسكر» وهو الشخصية الرئيسة في الرواية، عندما أسلم أذنيه لدعايات الحرب، وبات يافعا قويا، ونظر باستهانة إلى مربيته وحاضنته الإثيوبية «مصرا»، وهي تعاتبه على اتساخه وتطلب منه أن يستحم، قال: «أنا لا أستحم متى شئتِ وحسب، بل أستطيع القتل، ولا أستطيع القتل وحسب، بل أستطيع الدفاع عن نفسي ضد عدوي»، لقد وضعها بدون أن يدري في خانة الأعداء، ولم يعلمها أنه منضم إلى مجموعة من الشباب الفدائيين المحاربين ضد المحتل الإثيوبي، فقد تنحت في أعماقه مشاعره نحو «مصرا»، وعلت انتماءاته الوطنية. وهو ما أوضحه الخال هلال، وكانت زوجته «صلاتو» بجانبه، مبينا الفرق بين الهوية الصومالية، وإثيوبيا، بعبارات تقريرية مباشرة :»إثيوبيا هو الاسم العام لمجموعة من الشعوب المختلفة، يدينون بأديان مختلفة، ويزعمون أنهم ينحدرون من سلالات مختلفة، لذا تصبح إثيوبيا تلك الفكرة العامة المتسعة والشاملة. أما لو جئنا إلى الصومال فهي خاصة، أي أنك إما أن تكون صوماليا، أو لا تكون، على خلاف الحال مع الإثيوبي، أو النيجيري أو الكيني، أو السوداني أو الزائيري، إن اسم إثيوبيا يعني أرض العرق الأسود».
كلام الخال يحمل رسالة الهوية التي يوجهها النص بقوة، إنها الهوية الصومالية المحددة بالأرض والتكوين والديانة واللغة، أمام إثيوبيا الأرض التي تجمع أعراقا مختلفة بلغات مختلفة، وديانات ومذاهب متعددة. وهنا الحرب واضحة المعالم، فالصومال الشعب والهوية والانتماء يحارب من أجل إقليم أوجادين، الواقع تحت الاحتلال الإثيوبي من أجل ضم الممزق من الصومال الكبير الذي هو هوية واحدة أمام هويات عديدة: هوية ضد الدول الثلاث التي استعمرته: إيطاليا، فرنسا، بريطانيا. وهو هوية واحدة أمام إثيوبيا المحتلة، وهوية واحدة وسط افريقيا القارة السمراء، بقبائلها الكثيرة، وأعراقها المتنوعة، وتقسيماته دولها الفسيفسائية.
ويذكر الخال أيضا مأساة الوطن بعد رحيل المستعمر، الذي جاء من وراء البحار فهناك ما يسميه الخال «الاستعمار السلبي»، الذي تحقق على أيدي النخب الوطنية، فالتخلص من مستعمِر جاء من وراء البحار أسهل من التخلص من مستعمر افريقي، كما جاء على لسان الخال هلال.
ونقول ختاما، لقد كان سؤال الموت هو الوجه الآخر لحقيقة الحياة، وفي مجتمع فيه الكثير من الصراعات التي أورثها المستعمر، وأذكى فيها الصراعات الإثنية والقبلية، وقسّم الوطن إلى أجزاء، فكان ضروريا أن تشتعل الحروب وتشتد الأحقاد.

٭ كاتب مصري

Share This:

عن قراءات صومالية (التحرير)

قراءات صومالية (التحرير)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *