الرئيسية » مقالات » اللبن المسكوب!

اللبن المسكوب!

هناك مصطلح دارج في الثقافة الصومالية يُدعى Berisamaad وهو مصطلح يشير إلى اللبن المسكوب لو اتفقنا أن ثمت لبن في الأساس، تكون ترجمتها الدقيقة “الأيام الجميلة” وهو مصطلح يشير بدقة إلى الفترة بين غرة الستينيات القرن الماضي حين نال الصومال استقلاله من المستعمرين الإنجليزي والإيطالي حتى انهيار حكومة سياد برِّي عام ١٩٩١، ويعتقد الصوماليّون معظمهم “إن طاب الاحتراز” أن البلاد كانت بحالة جيدة في تلك الحقبة، وبالطبع قد يكون تقييم الحالة الجيدة أمرا نسبيا، فالسلم بالنسبة إلى الحرب أمر جيد لكن السلم لا يعني بالضرورة الازدهار، هل كنا بحالة جيدة مقارنة لما آلت الأمور بعد الحرب الأهلية؟ بالطبع نعم، لكن السؤال الصحيح هو هل كنا بحالة جيدة مقارنة بالدول الأخرى التي كنا نتشارك الموقع الإقليمي والوضع المحلي على أقل تقدير؟! بالطبع كلا.
لقد نال الصومال استقلاله في عام ١٩٦٠ أي قبل استقلال كينيا بأكثر من ثلاث سنوات مما يعني أن الصومال بدأ السباق في وقت أبكر بكثير من كينيا لكن ذلك لم ينعكس على الإزدهار والنمو الاقتصادي، ومهما يكن فإن أهم عامل من عوامل تقييم الحالة الجيدة في بلد ما هو الجانب الاقتصادي، فإن صلح الاقتصاد صلح البلد أو أجدر أن تصلح حاله “إن طاب الاحتراز”.
في عام ١٩٨٣ كان نصيب الفرد الصومالي من الدخل القومي تقدر حسب البنك الدولي بـ ١٠٠دولارا وهو مبلغ زهيد مقارنة بنصيب الفرد الكيني من الدخل القومي والتي كانت تقدر بـ ٣٤٠دولارا، في حين كان نصيب الفرد الإثيوبي من الناتج المحلي تقدر بـ ٢١٠ دولارا في ذات العام حسب المصدر نفسه، وبما الإخفاقات الاقتصادية تؤدي غالبا إلى إخفاقات سياسية وتعليمية وأمنية وتؤثر في كل مجالات الحياة، فكيف انتشر هذا المصطلح Berisamaad هذا الانتشار للإشارة إلى جودة شيء ما؟!
في عام ١٩٨٦ وحسب تقارير البنك الدولي كانت الحكومة الكينية تنفق على الجيش الكيني ٢,٥٠٪ من الناتج المحلي
وكانت الحكومة الإثيوبية تنفق ٦,٧٪ من الناتج المحلي، أما إنفاق الحكومة الصومالية في ذات الفترة على الجيش الصومالي كان قد وصل إلى أوجه في عام ١٩٨٦ بما يقدر بـ ٢٨,٩٥٪ من الناتج المحلي أي أكثر من نسبة الإنفاق الحكومة الكينية على جيشها بما يصل إلى ١١٥٨٪ ، كان المبلغ الفعلي لإنفاق الحكومة الصومالية العسكري والذي كان ٢٦٩ مليونا أقل من المبلغ الذي تنفقه الحكومة الإثيوبية في ذات المجال والذي كان ٦٥٩ مليونا وأكثر من انفاق كينيا العسكري والذي كان ١٨١ مليونا لكن ذلك كان على حساب المجالات الأخرى والتي تشكل جوهر ازدهار الشعوب كالتعليم والصحة والتجارة والصناعة وغيرها من مجالات الحياة المتنوعة، فكلا الدولتين لم ينفق أكثر من ٦٪ على الجيش بينما أنفقت الصومال ثلث دخلها في مجال بعينه، ويمكننا قراءة هذه الأرقام بأكثر من شكل، فلو وضعناه في سياق الحكومة العسكرية التي تنهب أموال المجتمع تحت ذريعة تقوية الجيش جاز ذلك، وقد يدل على رؤية الحكومة حينها الذي كان ينصب على البلطجة إن صح التعبير، ومن يمتلك جيشا قويا سيثير القلق في المنطقة بكل تأكيد، ،لقد خاض الصومال في السبيعيات حربا مع إثيوبيا فشلت فيها الحكومة الصومالية فشلا ذريعا رغم تغلبها العسكري الواضح والمهيمن على الجيش الإثيوبي إلا أن التدخل الروسي والكوبي حسم النتيجة لمصلحة إثيوبيا، الأمر الذي كان من المفترض إدراكه قبل خوض الحرب، والسياسي الجيد كان ليدرك أن قوة الجيش لا تنفع ما لم يساندها رؤية سياسية واقتصاد متماسكة، ومن يستحضر سياد برّي يستحضره لابسا بدلته العسكرية أمام استعراض عسكري، هذا هو مفهوم “Barisamaad” لدى الانسان الصومالي، ويعزو كثير من المحللين أن العامل الرئيس في انهيار الصومال هو تلك الحرب التي خاضها الصومال في عام ١٩٧٧ المعروفة بحرب ٧٧، ويذهب البعض إلى أن السبب الجوهري في خوض حرب ٧٧ في الأساس هو أن سياد بري خشي من انقلاب يأتيه من قبل ضباط جيشه بسبب تضخم الجيش الصومالي، ولكي يخلق حالة تشتتهم خاض حربا مع اثيوبيا، إضافة إلى الحكم الديكتاتوري والرؤية الاقتصادية التي تبنتها الحكومة الصومالية آنذاك.
بالنظر إلى الناتج المحلي للصومال في الفترة ما بين ١٩٦٠ عام الاستقلال إلى عام ١٩٨٩ حيث وصل الناتج المحلي الصومالي إلى أوجه تراوحت بين ١٨٠ مليون إلى إن وصلت إلى ما يقدر بـ مليار دولارا أمريكيا لتنهار بعد ذلك انهيارا فادحا في عام ١٩٩٠ حين بدأت الحروب الأهلية، بينما كان الناتج المحلي الكيني عام استقلالها يقارب المليار دولار حتى وصلت ٨,٢ مليارا في عام ١٩٨٩ وكانت اثيوبيا تحقق ناتجا محليا يقدر بـ ١١,٤ مليارا في عام ١٩٨٩، حرفيا كانت الحكومة الصومالية أسوأ حكومة في تحقيق النمو الاقتصادي في المنطقة كلها وبشكل لا يصلح فيه المقارنة.
إن من يبحث في تاريخ الصومال الاقتصادي “للمعنى الدقيق للاقتصاد” لن يجد واحدا في الحقيقة، فالشعب الصومالي قبل الاستقلال كان شعبا بدويا بامتياز يرعى الإبل والغنم وجزء منهم كان يعمل في الزراعة وجزء أقل من ذلك كان يشتغل في الحرف، وكلاهما أعني القسمين الذين عملا في الزراعة والحِرف كانا أقل شأنا اجتماعيا من الغالبية العظمى رعاة الإبل والغنم، ونشأت الدولة الصومالية في ظل تلك الظروف الثقافية، وفشلت الثقافة الصومالية أن ترقص يوما على أنغام الرأسمالية منذ لحظة الاستقلال إلى يومنا هذا، هل هذا شيء جيد من وجهة نظر أخلاقية؟! قد نتفق في ذلك أو نختلف، لكن هل ستفهم هذه الثقافة مفهوم “النمو الاقتصادي” وتزدهر هذه البلاد ويكون لها بنية تحتية وحياة رغيدة بهذه الثقافة؟!
كلّا ومليار كلّا مع نسبة ١٠٪ كلّا متنامية بشكل سنوي، ولعلني استطرد في الكلام حول ذلك في مقال قادم ربما إن سنحت لي الفرصة .

Share This:

عن عبد الوهاب محمد عثمان

عبد الوهاب محمد عثمان
كاتب صومالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *