الرئيسية » مقالات » مشكلة الفشل الاقتصادي

مشكلة الفشل الاقتصادي

كنت في كثير من الأحيان أعيد مشكلة الفشل الاقتصادي إلى قلة الموارد إلا أن الواقع حطّم فكرتي هذي تحطيما لم يبق منها إلا شظايا فكرة، المشكلة في نظري إن اتفقتم على أنها مشكلة تكمن في الثقافة التي تعتبر الحياة أمرا جانبيا، أمرا لا يمكن الاستثمار فيه، ولذلك يأخذ من كل شيء حده الأدنى.
رغم أن الثروة الحيوانية هي ما يفخر به الصوماليون إلا أنك لو ذهبت إلى مطعم صومالي وسألت عن ما يقدمه من أطباق سيبدأ بعدّ الأطباق مثل “المعكرونة والأرز” على أنها الطبق الرئيس، ومن ثم تختار الطبق الجانبي بين لحم الغنم والإبل أو دجاج وسمك، هنا اللحم ليس الطبق الرئيس ولذلك يطرحون سؤال “ماذا تأكل بالمعكرونة؟!|”
ولأسباب أهمها غلاء اللحوم يكتفي الفرد الصومالي بالمعكرونة وحدها وليس لأنه لا يفضل اللحم، قل مثل ذلك في كل مجالات الحياة، على سبيل المثال أزعم أنه لا يوجد في الثقافة الصومالية مفهوم “غرفة الصالة” يعرفون جيدا غرفة نوم، لكنهم لم يفهموا إلا مؤخرا وبشكل خجول أن يخصص المرء مساحة من بيته فقط للقيام بما يمكن القيام به حين لا يكون المرء نائما، أما وجود غرفة طعام وطاولة السفرة فهذه رذيلة.
كنت قد انقطعت عن الصومال في الفترة ما بين ٢٠٠٦ حتى عام ٢٠١٨ وهي فترة كافية جدا لتفسد فيه أخلاق الإنسان، وحين رجعت أصبحت أنظر إلى الأمور ذاتها بشكل مختلف ، وحينها اكتشفت وجود أمر أسميه أنا “التفاصيل غير المريحة وغير المكتملة” وبشكل كثيف، على سبيل المثال كنت قد نزلت على فندق في وسط مدينة هرجيسا وحين أردت الاستحمام وقفت تحت الدَش لأكتشف أنه لا يعمل، خرجت للإدارة لأشتكي من الأمر لكنه قال لي مستغربا “أليس الدلو موجودا؟!” لم أكن حينها قد فهمت الفكرة، فطلبت منه أن يحولني إلى غرفة أخرى لأجد المشكلة ذاتها موجودة هناك، لقد عشت في في ذلك الفندق شهورا وعدت إليها مرة أخرى ونجحت في ذلك عندما هذّبت أفكاري لتلائم الواقع، ما حدث بالفعل هو بعد بناء المبنى وهو مبنى حديث نسبيا لم يفكر صاحبه بأن الصيانة أمر مهم، ليس لأنه لا يملك مبلغ الصيانة، إنه ببساطة لا يرى الدش ذا أهمية ليستحم الإنسان طالما أن هناك ماء يتدفق، هو يعتبر الدش بذخا لا يستحق عناء صيانته في الأساس، ولذلك لم يفعل، ولو نظرت إلى كل تفصيلة من تفاصيل المباني والبيوت تجد أنه لم ينجز بالشكل الصحيح أو لم يتم الانتهاء منه، الباب يجب أن يغطي معظم مساحة الدخول لكن وجود فرجة كبيرة بينها وبين الجدار لا يهم، النور يجب أن ينير الغرفة لكنه ليس مهما مكان تموضعه، وأكثر من فيشة كهرباء واحدة يعتبر فساد أخلاق لا يمكن تحمله، كنت ساكنا في بيت بمقديشو حديث البناية لدرجة أنه كان يمتلك دشا في حمامه، لكن إذا فتح شخص ما صنبور الماء الذي في الحوش عليك أن تقف جانبا وتوقف الاستحمام حتى يأخذ هذا الإنسان اللعين وطره من الصنبور، فهمتم ماذا أقصد بالتفاصيل غير المكتملة، أغرب من ذلك أن هناك مقهى يعتبر من أرقى مقاهي مقديشو يلزمك بخلع الجزمة إذا أردت استخدام دورات المياه، وهذا ليس قرارا اعتباطيا بالمناسبة، لقد فكر مالك المقهى في حل مشكلة كبيرة وهي كثرة امتلاء دورات المياه بالأتربة وهو في الحقيقة يعتقد أن تخصيص موظف لتنظيف دورات المياه بشكل متكرر على مدار اليوم هدر للموارد، ماذا على الزبون لو خلع جزمته المغبرة والجورب واستخدم دورة المياه بالشبشب الذي جُهز خصيصا له ثم يعود ليلبس جواربه والجزم بعد ذلك؟ حسنا ليس هو فحسب، معظم الزبائن لا يرون في ذلك بأسا، وجود دورات المياه في حد ذاتها يعتبر بذخا لم تكن المطاعم توفرها إلى وقت قريب وربما إلى يومنا هذا في كثير من المطاعم الموجودة في وسط البلد، في ذلك المقهى بالتحديد وهو كما أخبرتكم يعتبر من أشهر مقاهي البلد أنفق بشكل مترف على أثاثه، لا أعني بالضرورة شكل ذكي، لقد صرفوا على المجالس والأثاث الكثير من الأموال بشكل غير لبق تماما، إذا جلست على كرسي من كراسييه وجلس نديمك الكرسي المجاور فالمسافة بينك وبينه ستتجاوز المترين، وبالمترين هنا أعني المعيار العام والمشهور للمتر، وستختار بين أن تسند ظهرك أو تجلس على حافة المجلس كي تسمع ما يقوله نديمك أو غريمك، في كثير من الأحيان لا تحتاج لتصرف أكثر، كل ما تحتاج أن تصرف قليلك بشكل لبق، لكن الناس يعملون هنا بعكس ما تقول المقولة “Less is more” ونحن في نظري في مرحلة تسبق المرحلة التي سنكتشف فيها أن القليل من الشيء كثير، كيف سنعرف ذلك إن لم نكدس الأشياء غير المهمة ونملأ جميع الفراغات، بالمناسبة في مدينة بوصاصو سكنت في بيت يعتبر من أرقى البيوت في تلك المدينة، فيلة مكونة من طابقين ولو كنت في غرفة في الطابق العلوي وأردت الذهاب إلى المطبخ عليك أن تنزل من السلم وتخرج من الباب إلى الخارج تماما ثم تدخل الطابق السفلي من باب آخر، كل ما كان عليه فعله هو أن لا يبنى الجدار الذي يفصل بين الطابق السفلي وبين السلم، وبهذا سيوفر تكلفة الجدار والأبواب الكثيرة.
شخصيا أنا أتعاطف مع الطبقة العليا من المجتمع الصومالي، فإن كان دخلك فوق ما تحتاجه من الكفاف فلديك مشكلة كبرى، فالترفيه منعدم في هذا المجتمع الذي يصنف وجود صالة جلوس في البيت من أمور الترفيه، وأعني من كل هذا أنه مجتمع لا تشجع ثقافته على الإنفاق وهو أكبر ما يسبب الأزمات الاقتصادية، بتعبير آخر الصومال تعيش في أزمة اقتصادية سليقة ولا يعتبرون ذلك أزمة، إنهم مجتمع درويش سينال من الخير والسعادة الكثير الكثير لكن ليس عن طريق النمو الاقتصادي، حتى في محاولاتهم للخروج من عنق الزجاجة يأخذون معهم الدروشة مما يعيق الخروج من العنق أكثر.

Share This:

عن عبد الوهاب محمد عثمان

عبد الوهاب محمد عثمان
كاتب صومالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *