الرئيسية » مقالات » أسبوع في مقديشو: سخونة في الطقس وسخونة في السياسة

أسبوع في مقديشو: سخونة في الطقس وسخونة في السياسة

في الثامن من هذا الشهر ابريل عام ٢٠٢١ شددت رحالي من مطار جوما كينياتا الى لؤلؤة المحيط الهندي مقديشو. ولما طارت بنا الطائرة، واخترقت السحاب، واستوت على خطهّا في الفضاء، وهدأ العجيج والضجيج، وأذن لنا بفكّ رباط الاحزمة والاستمتاع بالرحلة، فتحت كتاب (التفكير فريضة إسلامية) لعملاق الأدب العربي عباس محمود العقاد الذي خزنته في هاتفي، بل ان السفير عمر ادريس بعث به اليّ في صيغة بيدي أف، وقد كنت قرأته من قبل، ولكنني عزمت على قراءته من جديد. والكتاب يعرض لقضايا فكرية معاصرة، يعرضها العقاد، ويغوص في أعماقها، مستقصيا أطراف الموضوع، ومتغلغلا في بواطن الامور، غير منشغل بظواهرها الخادعة. وقد عرض فيه لقضايا الاسلام والعقل والتفكير، وموقف الاسلام من المذاهب الاجتماعية والفكرية الحديثة، وغير ذلك من قضايا الفلسفة والمنطق والتصوف، ويعرض ذلك كله في تأنيه المعهود، وتقليبه وجهات النظر المختلفة في الموضوع، ومن ثمّ الخروج منها بما يراه صحيحا، ويمثل موقفا وسطا لا يجانب العقل، ولا يناقض روح الاسلام ورسالته الانسانية.

ولكن لسوء حظي او حسنه، فقد كانت الرحلة قصيرة، ولم تستغرق اكثر من ساعة ونصف، وما ان اكملت قراءة فصل من الكتاب حتى اذن موذن من طاقم الطائرة اننا قد اقتربنا من مطار ادم عدى الدولي، وان ساعة الهبوط قد ازفت، وأمرنا بإعادة ربط الأحزمة والاستعداد للهبوط. سررت بهذا الإعلان وأسفت منه في الوقت نفسه، سررت لقصر الرحلة وما يستلزم ذلك من عدم التعب والإجهاد، وأسفت لانقطاع لذتي وحرماني من مصاحبة العقاد؛ فان قصر الرحلة قد يكون مفيدا ومريحا للجسم، ولكنه مضر للعقل والروح لمن اراد ان يستزيد في رحلته زادا من غداء العقل والروح. ان قراءة الكتب في الفضاء لها مذاق خاص، فهناك تشعر انك في صفاء، وتحس انك خرجت عن عالم المادة وعن كل ما يخلدك الى الارض، وتسبح في فضاء روحاني مفتوح يرقى بك الى السماء. فالقراءة لذة روحية يزدا صفاوها كلما قلّ ما يشوبها من كدر المادة ونزوات الشهوات والأهواء.

حطت بنا الطائرة بسلام، ولما دخلت صالة الوصول وجدت الناس انقسموا الى صفين، صف للمواطنين وآخر للأجانب، ونظرت الى الصفين، فلم أر فيهما اجنبيا واحدا، وانما رايت صوماليين أقحاح يحملون في أيديهم جوازات مختلفة، وان كانوا كلهم من ابناء هذا البلد الذي ولدوا فيه ونشأوا وتربوا وأحبوه ودرسوا فيه، ولهم فيه ذكريات الصبا، واحاديث عهد الشباب، فليس لهم انتماء غير هذا البلد، وليست لهم ارض غير هذه الارض. والفرق الوحيد بينهم وبين هولاء المواطنين انهم اضطروا للاغتراب، لم تضق عليهم ارضهم، ولكن اخلاق ابناء بلدهم ضاقت عليهم، فسعوا في مناكب الارض يبحثون عن مكان امن يوفر لهم ولأبنائهم سبل العيش الكريم، ولكن حبهم لبلدهم لم ينتقص مثقال ذرة ولم يتغير يوما. وقفت هنيهة حيران، لا ادري الى اي صف انضم، هل اقف في صفوف المواطنين لانني مواطن صومالي بحكم المولد والمنشأ والانتماء ام اقف في صف الأجانب لانني احمل جوازا اجنبيا بحكم الاغتراب!

وليس من الانصاف الحاقنا بصف الأجانب دون الأخذ في الاعتبار باي من الاعتبارات التي أسلفنا ذكرها. لقد آلمني هذا الموقف، وحزنت على هذه القسوة. ولو انهم انصفوا لقسموا الناس الى ثلاثة صفوف، صف للمواطنين، وصف للأجانب، وصف للصوماليين الدين يحملون جوازات اجنبية. فهذا التقسيم لا يضرهم شيئا، ولكنه يخفف القسوة على الصوماليين المغتربين من أمثالي، ويشعرهم قدرا من الاطمئنان والاحترام والاعتزاز بانتمائهم ولو كانوا مغتربين. أما ان نسوي بين الأجنبي المنبت الصلة بهذه الارض، وبين الصومالي المغترب ونحشرهم جميعا في صف واحد فهذا – لعمري – من العقوق الشديد الذي يصعب تحمله، وما أشدّ ظلم ذوي القربى! وما أسوا قسوة الانسان على اخيه الانسان، فربّ كلمة يقولها صاحبها او يكتبها وهو لا يلقي لها بالا، ولكنها تكون وبالا على الاخرين، ويكون وقعها في قلوبهم اشد من وقع الحسام.

وحينما جاء دوري ووقفت امام نافذة مصلحة الهجرة والجوازات، سالني الموظف عن شهادة الخلو من كورونا، فأريتها من هاتفي؛ اذ لم تكن نسختها الأصلية عندي، فقال: نريد النسخة المطبوعة، فقلت له: ليس عندى تلك النسخة، فطلب مني ان اقف جانبا حتى يتأكد من صحة الشهادة، ثم جاءني احدهم، وعرض عليّ مساعدة، فقادني الى امرأة واقفة غير بعيد منا، فأراها شهادتي في هاتفي، فنظرت نظرة خاطفة فقالت: صحيحة، صحيحة ثم عاد بي الرجل الى حيث شباك الجوازات، وفي الطريق سالني شييا مقابل مساعدته، ولكنه قال ذلك على اُسلوب الشحاذة الصوماليين: ادفع لنا غداءنا يا رجل.

ادركت ان هذه طريقة ذكية لاستدرار العطف، فهناك فرق بين ان يسألك احد ان تعينه بإطلاق، وبين ان يسألك ان تدفع له غداءه، فالأولى يحتمل ان الرجل قد يكون عنده ما يسد به رمقه، ولكنه يحتاح الى مساعدة، اما الطريقة الثانية، فان لفطة الغداء اختيرت هنا بعناية شديدة، وتنبيء عن حالة خطيرة من الاعواز الشديد، ولها ظلال من المعاني والصور لا تحد في غيرها من الألفاظ التي تستعمل للسؤال، فأعطيته غداءه، وأدركت ان للرجل حقا ليس في السوال عن قوت يومه فحسب، ولكن له الحق ايضا حتى في القتال من اجل ذلك وتدكرت قول ابن حزم في المحلي: ويقولون: من عطش فخاف الموت ففرض عليه أن يأخذ الماء حيث وجده وأن يقاتل عليه.فأي فرق بين ما أباحوا له من القتال على ما يدفع به عن نفسه الموت من العطش ، وبين ما منعوه من القتال عن نفسه فيما يدفع به عنها الموت من الجوع والعري”

ثم خرجت الى صالة حزام الحقائب، فجاءني رجل فعرض لي مساعدته في حمل حقائبي، فقلت له: ليست عندي حقائب تحوجنى للإعانة، ولا املك الا حقيبة صغيرة ليس فيها سوى أغراضي الخاصة، واذا أردت ان تغتنم شييا فعليك باصحاب الحقائب الضخمة، وعلى قدر ضخامة الحقيبة تكون العطية، فتيقن الرجل ان مسعاه قد خاب، وان توسمه فد خانه، وانني لم اكن عند حسن ظنه، فولّى مسرعا الى حيث الامتعة الثقيلة، وقلت في نفسي، وانا اراه يهرول: تبّا لمساعدة تنتهي بغرم! لقد خسرت قبل قليل عشرة دولارات بسبب قبول مساعدة الناس عن حسن نية، فلست مستعدا لمساعدة اخرى تغرمني عشر دولارات اخر، ولا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين. ثم تذكرت قصة امري القيس والذئب، وقوله في معلقته:

فقلت له لما عوى: أن شأننا … قليل الغنى إن كنت لما تمول

كلانا إذا ما نال شيئاً أفاته … ومن يحترث حرثي وحرثك يهزل

ولما خرجت من مبنى المطار، رايت في محيطة سيارات عسكرية مدرعة، وسواتر ترابية، وحواجز، وجنود يبدو انهم من القوات الافريقية لحفظ السلام، وان شيت قل لإدامة الصراع، فليس هناك سلام يحفظ. مشهد محيط المطار مشهد مخيف حتى يعتريك الشك أأنت في مطار مدني ام في ثكنة عسكرية، وكأنك متجه الى ساحة معركة حامية الوطيس، وليس الى لقاء الأهل والأحباب، فتوكلت على الله محوقلا مسترجعا وميستعيذا بالله من شرّ ما خلق.

دخلت مقدشو وقد خفّت عليها وطأة الوباء. لحظت ان اكثر الناس لا يرتدون الكمامات للوقاية او للحدّ من انتشار هذا المرض الفتّاك، حتى انك لا تشعر انك في بلد تعرض قبل ايّام قليلة لضربة وبائية قاتلة حصدت أرواحا كثيرة وأزهقت انفسا لا تعدّ ولا تحصى. عاهدت على نفسي ان لا اقبّل او أعانق احدا، ولكني تحللت من هذا العهد، منذ ان رايت اخي فؤاد واقفا مرحّبا بي في صالة للقادمين خارج المطار، فتعانقنا عناقا حارا،. وما ان وصلت بيت العائلة في حي المدينة، واكتحلت عينيّ بروية الوالدين، حتى جعلت نصائح الوقاية من الوباء وراء ظهري، فقبلتهما وضممتهما اليّ بشوق شديد. يقف الانسان احيانا مواقف صعبة، وتختلط عليه اختياراته، فيقف حائرا بين نداء العقل ونداء القلب، وفي كثير من هذه المواقف يصغى الانسان الى نداء القلب، ويجد صوته قويا لا يقدر على مواجهته، فليس الانسان حيوانا عاقلا فحسب، ولكنه حيوان عاطفي ايضا، فلا يزن اموره دايما بميزان العقل فقط، وانما لعاطفته تاثير كبير في سلوكه وافعاله. اننا نستطيع ان نعرف صحة أشياء كثيرة في موازين العقل والمنطق، ولكننا عند التطبيق، وفي خضم هذه الحياة الهائجة المتلاطمة، يصدر الانسان في كثير من تصوراته بأحكام العاطفة، ورغبات النفس، وما جبل عليه من الطبائع البشرية.

انني كلما اسير في شوارع مقديشو ينتابني احساس غريب وشعور بالذنب، وكأنني في كل خطوة أخطوها تطأ قدماي على رفات جثث الضحايا الذين سالت دماؤهم الزكية على بساط هذه الارض الطاهرة ظلما وعدوانا من اخيه الانسان، ولو ان هذه الرفات قادرة على الكلام لاشتكت إلينا من ظلمنا إياها احياء وامواتا، ولو اننا سمعنا شكواها لما مشينا مشية خيلاء وكبرياء على العظام البالية لإخواننا الذين سبقونا. وقد سبق ابو العلاء المعري الى هذا المعنى، وهذا الشعور، وقد صور ذلك كله تصويرا بديعا في ابيات رايعة تدل على شعور قوي صادق وإحساس انساني مرهف، اذ يقول:

صاحِ هذي قُبورُنا تملأ الرُحبَ * فأين القبور من عهد عاد

خفّف الوَطْءَ ما أظنّ أَدِيْمَ الـ * أرض إلا من هذه الأجساد

وقبيحٌ بنا وإِنْ قَدُم العهدُ * هوانُ الآباء والأجداد

زرت بعد المغرب في يومي الاول خالي الاديب عبدالرزاق شيخ حسن في بيته، وبعد تبادل التحية والحديث، قلت له: يا خال، انني كلما امشي في شوارع مقديشو اتذكر ابيات المعري: صاح هذا قبورنا …… فبدا خالي عبدالرزاق يقرا القصيدة عن ظهر قلب بلا تلعثم ولا تردد ولا توقف، وعجبت من ذلك أشدّ العجب. ولم تكن تلك اول مرة رايته يقرا القصايد من حفظه، بل كلما ازوره واقرا له بيتا او شطر بيت من الشعر في اي عصر من عصور الجاهلية او الاسلام – وافعل احيانا ذلك بقصد الإثارة – تراه يتدفق كالسيل الهادر، لا يوقفه شيي، وينشد الابيات وكأنه يطالعها من ديوان منشور أمامه. وخالي عبد الرزاق موسوعة لغوية وادبية، خريج كلية اللغة العربية وآدابها في الجامعة الاسلامية بالمدينة في عصورها الذهبية، وهو لا يحفظ الشعر فحسب، ولكنه يتذوقه تذوقا رفيعا، ينبئ عن ملكة لغوية وادبية رصينة، يتكا عليها للتمييز بين الغث والسمين، مع حاسة ادبية مطبوعة. وقد درسّنا الادب في الثمانينات في بيته في بلدوين، وكانت دراساته تلك بداية تعلقي بالأدب وشغفي به.

الأسبوع الذي قضيته في مقديشو كان اسبوعا ساخنا، سواء في جوّ الطقس او في جو السياسة، كانت الشمس حارقة، ويتصبب الناس عرقا، حتى انني رايت مرة امرأة يسيل العرق تحت عينيها، فظننت انها تبكي وسالت اخي: ما الذي يبكيها؟ فقال لي: ما تراه يسيل تحت عينيها ليس دمعا، وانما هو التعرق من شدّة الحرارة ! ان الحرارة قد منعتني من القراءة، وصار مزاجي متعكراً بعض الشيي، وأصبحت نفسي لا تميل الا الى الدعة والسكون والكسل وحيدا، والى مجاذبة أطراف الأحاديث مع الزائرين او مع اهل البيت، خاصة مع والدي الذي قضيت معه معظم أوقاتي طوال هذا الأسبوع. فقد مرض الوالد في الشهر الماضي مرضا شديد أنهكه حتى أقعده عن الحركة وتركه طريح الفراش، ولكن حينما وصلت كانت حالته قد تحسنت كثيرا، واستطاع ان يستعيد قواه وحركته، ويتعافى تدريجيا، مع ان الضعف وأثار المرض بادية عليه، ولكنه كان يتمتع بروح إيمانية قوية، وثقة بالله، واطمئنانا لقضائه وقدره الذي لا يردّ. فقد قال لي يوما: انه جمع بعض الكتب في جميع الفنون، فمن ذا منكم من ال البيت الشافعي يتسلم مني تلك الكتب؟ فقلت له: يا ابي، حفظك الله واطال بقاءك، فلم يأن بعد وقت تسليمك كتبك لاحد من ابنائك، فعما قريب ستستعيد تمام عافيتك، وتعود الى عادتك القديمة في مطالعة كتبك.

هذه السخونة في حرارة الجو كانت توازيها سخونة في جو السياسة، فقد قفزت الحرارة السياسية قفزة هائلة بعد ان صوت مجلس الشعب المنتهية ولايته في الثاني عشر من هذا الشهر لقرار يمدد سنتين لفترة الرئيس المنتهية ولايته، وفي ذلك اعلان لنهاية المفاوضات ببن الشركاء السياسيين بشأن الانتخابات، ودخول البلاد في منعطف خطير لا يمكن تنبؤ مآلاته، وكل الدلائل تشير الى توجه البلاد الى مزيد من الانقسامات السياسية والاستقطابات القبلية، ولا يستبعد حتى العودة الى تجارب مريرة كنّا نظن اننا تعلمنا منها العبر والدروس وتجاوزناها الى الأبد، ولكن سنن الله في الافاق علمتنا اننا لم نتعلم شييا من تجربتنا. ومن لم يتعلم شييا من تجاربه عوقب بتكرارها آن بعد آن. واذا لم يقم العلماء والحكماء والمثقفون من اهل البلد للحيلولة دون تفاقم هذا الوضع، فانها قد تتطور الى مالات يستحيل معها تجنب صراعات أهلية مفتوحة.

فبعد يوم واحد من قرار التمديد اقترح عليّ اخي الأكبر ان اقتصر مدة سفرى نظرا للحالة الأمنية وما يخاف عليه من ان تنجر البلاد الى مواجهات مسلحة، فقلت له: اريد ان مكث على الأقل اسبوعا في مقديشو مهما كانت الظروف. ثم كانت احداث شركولي بين صادق جون وجنود الحكومة وازدياد المخاوف من مواجهات مسلحة. والغريب ان صادق جون مركب تركيبا إسناديا شاذا. ومن شروط التركيب بين الكلمتين ان يكونا من لغة واحدة، فلم تسمع العرب تركيبا يتكون من لغتين مختلفتين مثل صادق وجون، مع ان هذا التركيب ينبو عن السمع، ويمجّه الذوق السليم، ويناقض العرف، ويشوه نصاعة اللغة العربية.

وفي يوم الثلاثاء في الليلة الاولى من رمضان، سمعت قرب بيتنا في حي المدينة اطلاق رصاص كثيف، استمر لمدة دقيقة او دقيقتين، لا اعرف مصدرها ولا سببها، وظننت انها الشرارة الاولى للمواجهات، ولكن الله سلّم، وتوقفت الرصاصات. ومما لفت انتباهي ان اطلاق الرصاص تزامن مع وقت صلاة التراويح، فاختلطت أصوات الرصاص باصوات التكبير وقراءة القران، وشتان ما بين الصوتين، فصوت الرصاص ليس الا مجرد فرقعة تؤذي الأذن وتزعج النفس فيحور رمادا. اما أصوات التكبير وقراءة القران فانها تصعد وترقى الى جو السماء، فهذا صوت يحيي القلب ويطرب السمع واقوى من صوت الرصاص وابقى. وقد لحظت تعلق هذه الامة بدينها وحبها للإسلام واعتزازها به، فهذه التكبيرات التي تدوي في ارجاء المدينة كل يوم خمس مرات تشعرك ان هذه الامة ما زالت فيها جذوة خير، مع ما مرت به من النكبات والنكسات، وأنها باقية ما بقي التكبير يرتفع في مآذنها ومنابرها، فهي تكتسب الخلود والقوة والبقاء من خلود لفظة التكبير وقوتها وبقاءها، فالاسلام حصنها الحصين الذي تلجا اليه حين تتصدع حصونها الاخرى وتتهدم، فهي مدينة للإسلام بوجودها وبقائها رغم المحن والفتن التي تعرضت لها في عصورها المديدة.

رايت الفوضى في شوارع مقدشو، ورايت الجنود يطلقون الرصاص تنبيها للسيارات أمامهم لإفساح الطريق لهم. وأحيانا ينزلون ببنادقهم، ويسددونها على سائقي السيارات او البجاج لإجبارهم على التنحي عن الطريق. والفوضى بطبيعتها معدية، فلاحظت ان الحيوانات في مقديشو تحاكى إنسانها في فوضاه، وفي ليلة من الليالي وبعد ان أويت الى فراشي وغشيني النعاس جاءت بقرة، ووقفت تحت نافذتي المفتوحة فأطلقت، رخاء متصلا كأنها تتعمد إزعاجي. وفي ليلة اخرى اطلق حمار نهيقا متصلا بعيد ان أويت الى فراشي، فطار النوم من عيني، وكانت البعوضة ممن اصابتها عدوى الفوضى، فكلما أغمضت عيني تأتيني وتطنّ في أذني وكأنها تناجيني باسرار الكون، ولكن طنينها كان لينا ومطرباً اذا قورن بخوار البقر ونهيق الحمار، فهي مع صغر حجمها وضآلتها اعقل من البقر والحمير؛ لانها تطرب إذنك اولا ثم تدس لك في طنينها لسعة لاذعة.

وفي الخامس عشر من هذا الشهر، وبعد ان صمت يومين في مقديشو، وشاركت نكهة النوم والإفطار والسحور مع الأهل، حزمت حقائبي مرة اخرى، واتجهت الى المطار. وبعد ان اقلعت الطائرة نطرت من النافذة نظرة وداع الى هذه المدينة الأبية الصامدة لتقلبات الدهر وفوارع الزمن، تسجل كل ما تراه من عبث حولها بهدوء واستخفاف، ثم يفنى العابثون وتبقى هي شامخة في كبرياء وعز ودلال. مقديشو مدينة جميلة معطاء، وتتعافى من جراحات الايام العصيبة، تتسع للصوماليين جميعا على اختلاف قبائلهم وعشائرهم وافخاذهم، ولكنهم يضيقون بها، فتتشاحن الصدور، وتتضايق القلوب، ويتدابر الاخوة، ويتقاطعون، ويتخاصمون، ثم يهرجون، ثم تكون فتنة هوجاء. نرجو ان يعقل ابناء امتنا، وان لا يشوهوا جمال هذه المدينة مرة اخرى، وان يحترموا هذه الشواطئ النظيفة، وهذه الرمال الوردية الناصعة البياض، فانني ارى في هذا المدينة وبحرها وشواطئها ورمالها معاني الطهارة والنقاء والصفاء، حافظوا على هذه الطهارة وتلك الصفاء قلا تريقوا فيها مرة اخرى دماء الابرياء.

Share This:

عن عبدالواحد عبدالله شافعي

عبدالواحد عبدالله شافعي
كاتب وباحث صومالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *