اعتراف إسرائيل بأرض الصومال: قراءة فقهية في التكييف والحكم
====
أثارت بعض التطورات السياسية نقاشًا واسعًا حول قيام دولة إسرائيل بالاعتراف بأرض الصومال (Somaliland), وما قد يترتب على ذلك من آثار سياسية وقانونية. وتكمن أهمية هذه المسألة، من المنظور الإسلامي، في أنها لا تندرج ضمن القضايا الدبلوماسية المحايدة، بل تمس جملة من الأصول الفقهية المتعلقة بالعدل، والشرعية، والسياسة، وحقوق الأمة.
فقهيًا، لا يُنظر إلى “الاعتراف السياسي” باعتباره إجراءً شكليًا أو بروتوكوليًا فحسب، بل هو فعلٌ يتضمن إقرارًا بواقعٍ معين، ومنحًا لقدر من المشروعية القانونية والمعنوية. ومن هنا، فإن الاعتراف الصادر من كيانٍ يقوم أصل وجوده على احتلال أرضٍ إسلامية، وهي فلسطين، لا يمكن فصله عن هذا الأصل ولا عن تبعاته الشرعية. وقد قرر القرآن الكريم مبدأً كليًا بقوله تعالى: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا﴾، وهو نهيٌ عام يشمل صور الميل والرضا والإقرار، سواء كانت صريحة أم ضمنية.
ومن القواعد المستقرة في الفقه الإسلامي أن إقرار الظلم أو إعانته أو التسليم بشرعيته محرم شرعًا، لأن الشريعة قائمة على تحقيق العدل ورفع الظلم. وقد أكد العلماء، قديمًا وحديثًا، أن الأراضي المحتلة لا تسقط حقوق أهلها فيها بتقادم الزمن ولا بتغير موازين القوة. وعلى هذا الأساس، فإن أي تصرف سياسي يُفهم منه تثبيت واقع الاحتلال أو التعامل معه بوصفه أمرًا مشروعًا، يُعد مخالفًا لأصول الشريعة ومقاصدها.
وفي باب السياسة الشرعية، قرر العلماء أن السياسة ليست منفصلة عن الأخلاق، بل هي جزء من منظومة القيم الشرعية. قال ابن تيمية إن السياسة العادلة من الشريعة، وأن ما خرج عن العدل فليس منها. كما قرر الشاطبي أن المصلحة إذا عارضت أصلًا قطعيًا أو مقصدًا كليًا فهي مصلحة ملغاة، لا يُعتد بها ولو بدا فيها نفعٌ آني. وبناءً على ذلك، فإن الاحتجاج بالمصلحة السياسية أو الاقتصادية لتبرير قبول اعتراف صادر من كيان محتل لا يغير من الحكم الشرعي، لأن هذه المصلحة تقوم على نقض أصل العدل.
ويزداد الأمر تعقيدًا حين يُنظر إلى خصوصية السياق الصومالي. فالقضايا السيادية الكبرى في الفقه الإسلامي، لا يجوز التصرف فيها إلا بولاية شرعية معتبرة وإجماع يعبّر عن إرادة عامة مستقرة, وهذا غائب في وافع الصومال, وقد قرر الماوردي وغيره من فقهاء السياسة أن ما تعلق بحقوق الأمة العامة لا يجوز الانفراد بالتصرف فيه. وفي ظل واقع سياسي يتسم بالهشاشة والانقسام، فإن التعامل مع قضايا مصيرية ذات آثار بعيدة المدى يفتقر إلى الأساس الشرعي المتين.
كما أن الفقهاء يفرّقون بين التعامل الاضطراري المحدود الذي قد يُنظر فيه بقدر الضرورة، وبين الاعتراف السياسي الذي يُعد إقرارًا وتثبيتًا ومنحًا للشرعية. فالاعتراف ليس مجرد تواصل أو مصلحة مؤقتة، بل هو شهادة سياسية وأخلاقية، ولهذا كان حكمه أشد وأثره أعمق.
وخلاصة القول، إن اعتراف دولة إسرائيل بأرض الصومال، من حيث التكييف الفقهي، لا يُنشئ شرعية شرعية ولا يُكسب حقًا، ولا يجوز قبوله أو البناء عليه إذا ترتب عليه إقرار الاحتلال أو خدمة مشروع قائم على الظلم. والحكم في ذلك مبني على أصول كلية وقواعد فقهية مستقرة، لا على اعتبارات ظرفية أو موازين قوة متغيرة. فالسياسة في الإسلام، كما قرر علماؤه، لا تنفصل عن العدل، ولا تُقام المصالح فيها على حساب الحقوق والمبادئ.
هذا ما اراه حقا,والحق احق ان يتبع. والله المستعان وعليه التكلان. بقلم دكتور: عبد الرحمن عوالي حسن.
















