الديمقراطية المؤجلة في الصومال: لماذا لا بديل عن الدستور المكتمل والانتخاب المباشر؟

المزيد للقراءة

منذ أكثر من عقدين، يعيش الصومال في مرحلة انتقال سياسي ممتدة، تتداخل فيها مسارات إعادة بناء الدولة مع تحديات الأمن، وإعادة الإعمار، فيما يبقى المطلب الشعبي ثابتًا: إقامة دولة دستورية حديثة، تستند إلى الإرادة الحرة للمواطن، وتقوم على المساءلة والشفافية وتداول السلطة.

اومع تصاعد النقاش اليوم، حول شكل المرحلة السياسية المقبلة، يعود السؤال الجوهري إلى الواجهة: هل يمكن تحقيق استقرار سياسي دائم دون استكمال الدستور وإجراء انتخابات مباشرة؟ الواقع يشير إلى أن أي مسار يتجاوز هذين الاستحقاقين يظل مسارًا مؤقتًا، يعيد إنتاج الأزمة بدلًا من حلّها.
*الدستور… حجر الأساس الغائب*
حيث يشكّل الدستور المرجعية العليا لأي نظام سياسي. وفي الحالة الصومالية، ما يزال الدستور المؤقت بحاجة إلى استكمال وفق الآليات القانونية المنصوص عليها فيه. إن بقاء النص الدستوري في حالة انتقال دائم يفتح الباب أمام تفسيرات متباينة للصلاحيات، ويغذي الخلافات بين الحكومة الفيدرالية والولايات، ويضعف ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.
فالدستور المكتمل لا يقتصر دوره على تنظيم العلاقة بين السلطات، بل يؤسس لشرعية مستدامة، ويحدد بدقة شكل النظام السياسي، ويكفل الحقوق والحريات العامة. ومن دون مرجعية دستورية واضحة، تظل مؤسسات الحكم عرضة للاهتزاز مع كل أزمة سياسية أو استحقاق انتخابي.
*الانتخابات المباشرة… جوهر الشرعية*
المرتكز الثاني لأي انتقال ديمقراطي حقيقي يتمثل في تنظيم انتخابات مباشرة على أساس “شخص واحد، صوت واحد”. فالشرعية السياسية في الدول الحديثة لا تُستمد من ترتيبات غير مباشرة أو صفقات توافقية مغلقة، بل من صناديق اقتراع تعبّر بوضوح عن إرادة الناخبين.
لقد أثبتت تجربة الانتخابات غير المباشرة، التي اعتمدها الصومال خلال المراحل السابقة، محدوديتها في إنتاج تمثيل سياسي واسع، كما أسهمت في تعميق فجوة الثقة بين المواطن والنخب. ولذلك، فإن أي عودة إلى هذا النموذج ستُفسَّر على أنها تراجع عن مسار التحول الديمقراطي، وإبقاء للبلاد في حلقة انتقالية مفتوحة.
إن حق المواطن في اختيار ممثليه مباشرة ليس مطلبًا رمزيًا، بل هو أساس العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع. وأي التفاف على هذا الحق، تحت ذرائع أمنية أو سياسية، يهدد بتقويض شرعية النظام برمته.
*التعددية الحزبية… تنظيم التنافس لا إلغاؤه*
لا تكتمل الديمقراطية دون نظام حزبي تنافسي حقيقي. فالأحزاب السياسية ليست مجرد لافتات انتخابية، بل مؤسسات تنظّم العمل السياسي، وتطرح البرامج، وتؤطر المشاركة الشعبية، وتؤسس لمساءلة واضحة على أساس سياسي لا قبلي.
إن ترسيخ تعددية حزبية فعّالة يتطلب بيئة قانونية وتنظيمية تتيح للأحزاب العمل بحرية، والمنافسة في جميع الاستحقاقات، من الانتخابات المحلية في العاصمة والولايات إلى انتخابات مجلسي البرلمان. وبدون هذا الإطار، يبقى التنافس السياسي هشًا وموسميًا، مرتبطًا بالتحالفات الظرفية أكثر من ارتباطه ببرامج وطنية واضحة.

*الالتزامات السياسية ومسؤولية الوفاء*
اللافت بأن المطالب المتعلقة باستكمال الدستور، وتنظيم انتخابات مباشرة ليست جديدة في الخطاب السياسي الصومالي. فقد تعهدت القوى السياسية المختلفة، خلال انتخابات عام 2022، بالعمل على إنجاز هذه الاستحقاقات، إلى جانب مواصلة الحرب ضد الإرهاب وتعزيز مؤسسات الدولة.
ومن هذا المنطلق، فإن التراجع عن تلك الالتزامات لا يُعد مجرد اختلاف في الرؤى، بل مسألة تمس مصداقية العملية السياسية ذاتها. فالشرعية التي تستند إلى وعود إصلاحية لا يمكن أن تستمر إذا لم تُترجم تلك الوعود إلى خطوات عملية واضحة.
*من إدارة الأزمة إلى بناء الدولة*
وفي المحصلة، لا يطالب الصوماليون بشيء خارج إطار الممكن، بل يطالبون بتطبيق ما تم التعهد به: دستور مكتمل، انتخابات مباشرة، ونظام حزبي حقيقي. هذه العناصر الثلاثة ليست شعارات سياسية، بل شروط أساسية للانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى منطق بناء الدولة.
إن مستقبل الصومال السياسي مرهون بقدرته على إغلاق صفحة المرحلة الانتقالية، والانتقال إلى نظام دستوري مستقر يعكس الإرادة الشعبية ويؤسس لشرعية دائمة. فلا دولة دون دستور مكتمل، ولا شرعية دون انتخابات مباشرة، ولا ديمقراطية دون تعددية حزبية حقيقية.

Share

اقرأ هذا أيضًا