في سياق سياسي اتسم تاريخياً بتغليب الانتماءات العشائرية على منطق الدولة، يبرز خطاب رئيس الوزراء الصومالي، السيد حمزة عبدي بري، بوصفه محاولة واعية لإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والهوية، وبين الحكم والمصلحة الوطنية. فتصريحه الصريح بأنه لا يعمل لمنطق قبلي، بل لمنطق الدولة، لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات البنيوية التي تسعى الحكومة إلى ترسيخها في بنية النظام السياسي الصومالي.
لقد عانت التجربة السياسية في الصومال، على مدى عقود، من اختلالات ناجمة عن تداخل الولاءات القبلية مع مؤسسات الحكم، الأمر الذي أضعف فاعلية الدولة وأدخلها في دوامات متكررة من الصراع داخل هرم السلطة. ومن هذا المنظور، فإن مقاربة حمزة عبدي بري تمثل انتقالاً من إدارة التوازنات الضيقة إلى بناء معادلة مؤسسية قوامها الاستقرار، والانسجام بين مؤسسات الرئاسة والحكومة، والعمل وفق برنامج وطني جامع.
ويُحسب لرئيس الوزراء الصومالي بأنه استطاع، خلال فترة توليه المنصب وهي الأطول منذ استقلال البلاد عام 1960 أن يحافظ على استقرار العلاقة التنفيذية العليا، متجاوزاً نمط الصدامات المتكررة بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، والتي كانت في مراحل سابقة سبباً مباشراً في إرباك المشهد السياسي،وتعطيل مسارات الإصلاح.
إن هذا الاستقرار لا يمثل مكسباً شخصياً، بل يُعد مؤشراً على نضج سياسي وإدراك عميق لضرورات المرحلة.
كما أن استكمال مسار إعفاء الديون الخارجية عن الصومال شكّل محطة مفصلية في استعادة الثقة الدولية بالاقتصاد الوطني، وفتح آفاق أوسع أمام الاستثمار وإعادة الإعمار في البلاد.
ولم يكن رفع حظر السلاح أقل أهمية، إذ أتاح للحكومة تعزيز قدراتها الدفاعية في مواجهة التحديات الأمنية، وعلى رأسها مكافحة الإرهاب، بما يعزز من مفهوم السيادة الوطنية واحتكار الدولة لاستخدام القوة.
إن تسمية الحكومة بـ”حكومة المصلحة الوطنية” لم تكن، في هذا السياق، مجرد توصيف رمزي، بل تعبيراً عن توجه سياسي يسعى إلى تقديم المصلحة الوطنية على الاعتبارات الفئوية. فالدولة الحديثة لا تُبنى بإرضاء مكوّن على حساب آخر، بل بإرساء قواعد العدالة المؤسسية التي يشعر في ظلها جميع المواطنين بأنهم شركاء في المشروع الوطني.
صحيح أن البيئة السياسية الصومالية ما تزال محكومة بتوازنات اجتماعية معقدة، غير أن تجاوز هذا الواقع لا يتحقق بتكريسه، بل بالشروع في تفكيكه تدريجياً عبر تعزيز ثقافة المواطنة وترسيخ حكم القانون.
ومن هنا، فإن موقف رئيس الوزراء الصومالي الرافض للانخراط في الحسابات القبلية الضيقة يُعد خطوة شجاعة نحو إعادة الاعتبار لفكرة الدولة الجامعة.
إن التجارب السياسية تُقاس بقدرتها على إحداث تحول في البنية، لا بإدارة الأزمات اليومية فحسب. وفي هذا الإطار، تبدو تجربة السيد/ حمزة عبدي بري أقرب إلى مشروع إصلاحي يسعى إلى إعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم، وإلى تثبيت دعائم الاستقرار السياسي كشرط لازم للتنمية المستدامة.
وعليه، فإن الدفاع عن هذا النهج ليس انحيازاً لشخص، بقدر ما هو انحياز لفكرة الدولة ذاتها؛ الدولة التي تتجاوز الانتماءات الضيقة، وتنهض على قاعدة المصلحة العامة، وتؤسس لمستقبل يتقدم فيه منطق الوطن على منطق القبيلة.

