لم يعد من المبالغة القول إن جمهورية الصومال الفيدرالية تقف اليوم أمام واحدة من أكثر مراحلها السياسية حساسية منذ انهيار الدولة قبل أكثر من ربع قرن. فالمشهد العام يوحي بحراك سياسي وأمني ودستوري غير مسبوق، يبعث على قدر من التفاؤل الحذر، لكنه في الوقت ذاته يضع الدولة أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على تحويل المؤشرات الإيجابية إلى واقع مؤسسي مستدام.
أحد أبرز مظاهر هذه المرحلة يتمثل في درجة الانسجام النسبي داخل السلطة التنفيذية، لا سيما بين رئاسة الجمهورية ومكتب رئيس الوزراء. هذا التناغم، وإن كان مرحبًا به بعد سنوات من التنازع العلني، يظل عاملًا هشًا ما لم يُدعّم بقواعد واضحة لتنظيم العلاقة بين المؤسسات، بعيدًا عن الحسابات السياسية الضيقة. فالتجارب السابقة تؤكد أن الخلافات المؤجلة غالبًا ما تعود بشكل أكثر حدّة إن لم تُدار ضمن أطر مؤسسية مستقرة.
أمنيًا، لا يمكن تجاهل ما تحقق من تقدم في العمليات العسكرية ضد الجماعات المسلحة، خصوصًا في وسط البلاد. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تحقيق الانتصارات الميدانية فحسب، بل في القدرة على تثبيتها عبر إدارة محلية فاعلة، وخدمات أساسية، وحضور دائم لمؤسسات الدولة. فغياب هذه العناصر كان في السابق بوابة لعودة الجماعات المسلحة إلى مناطق أُعلن “تحريرها” أكثر من مرة.
في السياسة الخارجية، تبدو الصومال أكثر وضوحًا في خطابها الدبلوماسي، وأشد حرصًا على إعادة تعريف علاقاتها الإقليمية والدولية من منظور المصالح والسيادة. ورغم أن هذا التوجه عزز حضور البلاد في المحافل الدولية، إلا أنه يفرض في المقابل تحديًا يتمثل في الحفاظ على توازن دقيق داخل إقليم تتشابك فيه الصراعات والتحالفات، وتُختبر فيه قدرة الدول الهشة على حماية قرارها الوطني.
أما داخليًا، فإن التقارب النسبي بين الحكومة وبعض أطراف المعارضة حول قضايا مثل وحدة البلاد والحفاظ على مؤسسات الدولة يمثل تطورًا إيجابيًا في حد ذاته. غير أن هذا التقارب سيبقى محدود الأثر ما لم يُترجم إلى توافقات حقيقية حول الملفات الأكثر حساسية، وعلى رأسها شكل النظام الانتخابي، وتقاسم السلطة، والعلاقة بين المركز والولايات، وهي قضايا طالما كانت وقودًا للأزمات السياسية.
اقتصاديًا، يفتح ملف النفط والغاز نافذة أمل واسعة أمام بلد يعاني من ضعف الموارد وارتفاع معدلات الفقر. غير أن هذه الفرصة قد تتحول إلى عبء ثقيل إذا لم تُدار وفق معايير صارمة للشفافية والحوكمة وتقاسم العائدات. وتجارب دول عديدة في المنطقة تبرهن أن الموارد الطبيعية، في غياب مؤسسات قوية، قد تكون مدخلًا للصراع بدلًا من التنمية.
ويُلاحظ كذلك تحول تدريجي في طبيعة المعارضة، مع بروز قوى تسعى للعمل ضمن الإطار الدستوري، مقابل تراجع نفوذ أطراف ارتبط اسمها بأجندات خارجية. هذا التحول، وإن كان مؤشرًا على نضج سياسي نسبي، إلا أنه يحتاج إلى بيئة سياسية عادلة تضمن التنافس السلمي وتكافؤ الفرص.
في السياق الدستوري، يظل استكمال مراجعة الدستور حجر الزاوية في أي مسار جاد لبناء الدولة. فغياب نص دستوري مكتمل وواضح الصلاحيات لا يزال يُربك العلاقة بين مؤسسات الحكم، ويترك الباب مفتوحًا لتفسيرات متضاربة تعيق الاستقرار السياسي.
أما إجراء انتخابات في العاصمة مقديشو للمرة الأولى منذ عقود، فهو حدث رمزي بامتياز، يعكس تحسنًا أمنيًا نسبيًا، ويعيد الأمل بإمكانية استعادة الحياة السياسية في المدينة التي كانت عنوانًا للفوضى لسنوات طويلة. غير أن الرمزية وحدها لا تكفي ما لم تتبعها خطوات عملية توسع المشاركة السياسية وتكرّس مبدأ التداول السلمي للسلطة.
خلاصة القول إن الصومال يقف اليوم عند مفترق طرق: إما أن تنجح نخبه السياسية في تحويل اللحظة الراهنة إلى نقطة انطلاق نحو دولة مؤسسات تحكمها القواعد لا الأشخاص، أو أن تضيع الفرصة مرة أخرى تحت وطأة الخلافات السياسية وسوء الإدارة. وبين هذين الخيارين، يبقى الرهان الأكبر على الإرادة السياسية، وعلى وعي المجتمع بضرورة حماية ما تحقق من مكاسب، مهما كانت محدودة، من الانزلاق مجددًا إلى دوامة عدم الاستقرار.

