الصومال في لحظة تحوّل: استقرار داخلي يعيد رسم موقعه الجيوسياسي في القرن الإفريقي.
===
يشهد الصومال خلال السنوات القليلة الماضية تحولات لافتة على مستوى السياسة الداخلية والأمن، في وقت تتسارع فيه التغيرات الجيوسياسية في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر. ويبدو أن حالة الهدوء النسبي والاستقرار السياسي التي تعيشها البلاد اليوم لا تقتصر على بعدها الداخلي، بل تحمل دلالات استراتيجية تتجاوز الحدود الوطنية، وتعيد تموضع الصومال في معادلات الإقليم.
على الصعيد الداخلي، برزت مؤشرات واضحة على تحسن المناخ السياسي، من بينها اتساع هامش الحريات، وحرية تنقل قيادات المعارضة داخل البلاد، وعقد مؤتمرات سياسية متباينة التوجهات دون اللجوء إلى العنف أو الإقصاء. كما شكّل تنظيم أول انتخابات بنظام “شخص واحد، صوت واحد” في العاصمة مقديشو بعد أكثر من خمسة عقود محطة تاريخية تعكس تطورًا في مسار الشرعية السياسية، وانتقالًا تدريجيًا نحو نموذج ديمقراطي أكثر شمولًا.
ويُضاف إلى ذلك انسجام غير مسبوق بين مؤسسات الحكم العليا، لا سيما بين رئاسة الجمهورية ومكتب رئيس الوزراء، وهو عامل طالما كان غيابه سببًا رئيسيًا في إضعاف الدولة الصومالية منذ استقلالها عام 1960. هذا التماسك المؤسسي أسهم في تعزيز القدرة على اتخاذ القرار، وتحسين الأداء الحكومي، وخلق صورة أكثر استقرارًا للدولة في نظر الشركاء الإقليميين والدوليين.
أمنيًا، شهدت العاصمة مقديشو تحسنًا ملحوظًا خلال الفترة 2022–2026، حيث وصلت مستويات الأمن إلى أعلى معدلاتها منذ سنوات، ما انعكس على النشاط الاقتصادي، وحركة الاستثمار، وعودة الثقة التدريجية بين المواطن والدولة. ويأتي هذا التحسن في توقيت حساس، تتزايد فيه أهمية الصومال كدولة مطلة على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
في البعد الجيوسياسي، تكتسب هذه التطورات أهمية مضاعفة في ظل التنافس الإقليمي والدولي في القرن الإفريقي، حيث تتقاطع مصالح قوى كبرى وإقليمية حول الموانئ، وخطوط التجارة، وأمن البحر الأحمر وخليج عدن. وفي هذا السياق، يعزز الاستقرار الداخلي قدرة الصومال على حماية سيادته، والتفاوض من موقع أقوى مع الشركاء، بدل أن يكون ساحة مفتوحة للتجاذبات الخارجية.
ويُعد إعلان الرئيس الصومالي، الدكتور حسن شيخ محمود، قرب بدء استخراج النفط مؤشرًا إضافيًا على دخول البلاد مرحلة جديدة من الحسابات الاستراتيجية. فالموارد الطبيعية، إذا ما أُديرت بشفافية وحوكمة رشيدة، يمكن أن تتحول إلى عنصر قوة جيوسياسية، لا إلى عامل صراع كما حدث في تجارب دول أخرى.
ويجمع مراقبون على أن الصومال يقف اليوم أمام فرصة تاريخية نادرة لإعادة بناء دولته وتعزيز موقعه الإقليمي. غير أن نجاح هذا المسار يظل مرهونًا بالحفاظ على الاستقرار السياسي، وتعميق ثقافة الدولة، وتحييد الخلافات الداخلية عن صراعات النفوذ الإقليمية.
في المحصلة، لم يعد الصومال مجرد ملف أمني أو إنساني في أجندة الإقليم، بل بات لاعبًا صاعدًا يسعى، لأول مرة منذ عقود، إلى صياغة دوره الجيوسياسي من موقع الدولة، لا من موقع الأزمة.



















