الصومال والإمارات: السيادة على المحك في لحظة إقليمية فاصلة
لم تعد العلاقة بين الصومال ودولة الإمارات العربية المتحدة مجرّد تباين دبلوماسي عابر، بل دخلت مرحلة دقيقة تلامس جوهر السيادة الوطنية، في ظل تراكم ممارسات ووقائع وُصفت داخل الأوساط الصومالية بأنها تجاوزت حدود الأعراف السياسية، واتكأت على اتفاقيات ملتبسة الصياغة، أُفرغت من مقاصدها القانونية، لتتحول إلى أدوات نفوذ مفتوحة.
فخلال السنوات الماضية، أتاح هذا الغموض التعاقدي للإمارات هامش حركة واسع داخل الجغرافيا الصومالية، لم يقتصر أثره على الجانب الاقتصادي أو الأمني، بل تمدد – وفق معطيات متداولة – ليشمل اختراقات سياسية وأمنية شملت الشمال والشرق والجنوب، وأسهمت في إرباك المشهد الداخلي، وتعميق الهشاشة المؤسسية، وفتح المجال أمام تدخلات خارجية متعددة العناوين.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متهمةً أبوظبي بتوفير مظلة غير مباشرة لنشاطات استخباراتية أجنبية، من بينها وجود إسرائيلي عبر قنوات أمنية وعسكرية، تجسّد – بحسب هذه الروايات – في إنشاء وتجهيز قواعد عسكرية في بربرة وبوصاصو ومناطق من جنوب الصومال. ويكتسب هذا البعد خطورته من كونه تزامن مع خطوات أحادية الجانب أقدم عليها الكيان الصهيوني، تمثلت في إعلان اعترافه بما يُسمّى إقليم الشمال الغربي الانفصالي، في سابقة تمس وحدة الدولة الصومالية وتفتح الباب أمام إعادة رسم خرائط النفوذ في القرن الإفريقي.
وفي سياق إقليمي متشابك، استُخدمت – وفق المصادر ذاتها – بعض هذه القواعد كنقاط انطلاق ضمن صراعات إقليمية أوسع، من بينها تطورات الملف السوداني، ما وضع الصومال، عمليًا، في قلب نزاعات لم يكن طرفًا معلنًا فيها، ولا صاحب قرار بشأنها.
ورغم حساسية هذه المعطيات، ظل الموقف الرسمي الصومالي يتسم بالحذر، إن لم يكن بالصمت، إلى أن فرضت تطورات الساحة اليمنية نفسها على المشهد. فقد أدى التحرك السعودي ضد الوجود الإماراتي في اليمن إلى تقليص هامش الحركة أمام عيدروس الزُبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد أبرز أذرع أبوظبي في ذلك البلد، الأمر الذي دفعه إلى اللجوء مؤقتًا إلى إقليم الشمال الغربي الصومالي الانفصالي، قبل أن يتم تمريره لاحقًا عبر الأراضي الصومالية دون علم أو موافقة الحكومة الفيدرالية.
هذه الواقعة شكّلت نقطة تحوّل، إذ أعلنت وكالة الهجرة والجنسية في جمهورية الصومال الفيدرالية فتح تحقيق فوري، بالتنسيق مع الجهات المختصة، للتحقق من مدى قانونية مرور الزُبيدي، وما إذا كان قد جرى أي خرق للقوانين الوطنية أو للبروتوكولات المعمول بها. وكشفت مصادر رسمية أن الزُبيدي تواجد في مطار آدم عدي الدولي بمقديشو لأكثر من ساعة، بالتزامن مع وجود طائرة عسكرية إماراتية داخل المطار، قبل أن تغادر الأجواء الصومالية لاحقًا.
ولم تمضِ أيام حتى برز تطور أكثر دلالة، تمثّل في قرار – غير معلن رسميًا – بتقييد دخول طائرات الشحن والطائرات العسكرية الإماراتية إلى الأجواء والمطارات الصومالية، وهو إجراء أكده مسؤولون حكوميون رفيعو المستوى، مشيرين إلى أنه دخل حيّز التنفيذ فعليًا، رغم غياب بيان رسمي يوضّح أبعاده وتداعياته.
وقد قوبلت هذه الخطوة بترحيب شعبي واسع، عكست مزاجًا عامًا يدعو إلى إعادة ضبط العلاقات الخارجية على أساس الندية واحترام السيادة الوطنية، دون أن تبلغ – حتى الآن – حدّ القطيعة الدبلوماسية الكاملة مع أبوظبي، وهو خيار لا يزال محل نقاش داخل الأوساط السياسية والرسمية، حول ما إذا كانت الحكومة الصومالية تتجه فعلًا نحو مقاطعة دبلوماسية شاملة مع دولة الإمارات، كما تقتضي حماية سيادة الوطن ومصالحه العليا.
في المحصلة، تأتي هذه التطورات في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها حسابات الأمن والنفوذ في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، ما يجعل العلاقة الصومالية–الإماراتية أمام اختبار حقيقي: إما إعادة تعريفها ضمن أطر قانونية شفافة تحترم سيادة الدولة، أو الانزلاق نحو مزيد من التوتر في منطقة لم تعد تحتمل صراعات بالوكالة ولا ترتيبات خلف الكواليس.
بقلم: علي أحمد محمد المقدشي


















