الدبلوماسي والمثقف الصومالي طاهر جيلي يتحدث العربية بطلاقة، وهو قارئ نهم كما يبدو من طرحه وأسلوبه، ولكنه، كعادة كثير من عشاق العربية في الصومال، أهمل دراسة الأدب الصومالي، وفهم الإنسان الصومالي، والتأمل في تفكيره، وفهم التركيبات الاجتماعية بدقة، وأراد أن يطبق ما قرأه عن الوطن العربي، وما يقال في مجالس الشاي في الصومال، على الواقع الصومالي.
لقد كان تناوله للموضوع سطحيًا، ولم يكن طرحه قويًا، على عكس لغته القوية والرائعة. كانت كلماته جميلة، لكن محتواه كان ضعيفًا ودون توقعات الجميع.
هناك فجوة بين النخبة الصومالية وبين عامة الناس ثقافيًا واهتمامًا وترتيبًا للأولويات.
وهناك نظرة استخفاف من المثقف الصومالي المتقن للعربية لتراث شعبه الغني والحافل بالكنوز المعرفية، والحِكم الرائعة، والتجارب الإنسانية، والفلسفة الاجتماعية الدقيقة.
لم يتعمق الأستاذ في دراسة الأدب الشفهي، ولا في سيكولوجية الإنسان الصومالي، وأهمل سردًا تاريخيًا يقوم به تعريف القومية الصومالية وتاريخها لقرون، وممالكها وإمبراطورياتها ومدنها، وتأثيرها في العالم قديمًا وحديثًا.
وهذا يعني أنه لم يقدم محتوى عميقًا من حيث الفكر، مليئًا بالأفكار والملاحظات والتأملات والظرائف. وأهم شيء يتوقعه المشاهد المتابع لـ بودكاست أثير أن يكون الضيف على مستوى متقدم للغاية من حيث الرؤية الفكرية، وعمق الطرح، وسلاسة الشرح.
وهذا لا يكون إلا لشخص ألّف كتبًا عن بلده وشعبه بالعربية، وقرأ لأمته ولغتها، وقرأ ما كُتب عنها، وتفاعل مع نخبتها، واختلط بها. ولا يأتي هذا أيضًا إلا من شخص خالط الناس، ورأى معاناتهم ونجاحهم، وعاصرهم بروحه قبل جسده، ودرس تاريخ المنطقة لعقود، وقرأ عشرات المخطوطات عن أمته، وتابع أعمال المستشرقين.
ولم يكتفِ بقراءة كتب شعوب أخرى حتى يُسقط تجاربهم على شعبه، أو أن يكتفي بنقل معلومات يعرفها كل صومالي للمواطن العربي، بل يجب أن يتناول في البودكاست أفكارًا، ومواقف، وتأملات لا يعلمها حتى الصومالي نفسه، ويكون الصومالي قد فهم نفسه وبلده أكثر عبر حديث الضيف.
إننا يجب أن نعطي الأولوية، ونخصص كثيرًا من وقتنا، لدراسة الأمة الصومالية وأدبها وتراثها، وأن نتعمق في
ذلك، ونتعاون حتى نفهم واقعنا أكثر، ونتصالح مع ذواتنا، ويكون محتوانا متجذرًا في ثقافتنا وهويتنا.
اتمنى أن يراجع الأستاذ طاهر طرحه وأسلوبه، ويقوم بتدوين ملاحظاته عن الأدب الصومالي وما استخلصه من دروس وعبر وقصص ملهمة عن تراثنا، حتى يكون كلامه مادة دسمة ويكون لحضوره كاريزما، وعمق المحتوى يجعل اللقاء صالحا للترجمة للغات عالمية.
لا بأس أن يبدع الإنسان الصومالي بلغات أخرى، ولكن يجب أن يكون انقانه لتلك اللغات بمثابة خدمة لنقل أدبنا وتراثنا نحو آفاق واسعة في عالمنا المعاصر.
الكاتب عبدالرحمن راغي علي

















