المظلومية الجماعية وأزمة بناء الدولة.

المزيد للقراءة

تنمو لدى المجتمعات التي عاشت طويلا تحت حكم الاستبداد والقهر والبطش نزعة حادّة نحو الشعور بالمظلومية. فكلّ مجموعة قبلية أو عرقية تعتقد أنها وحدها الضحية لسياسات النظام القمعية، مع أنّ الظلم  عمّ جميع مكونات المجتمع، وإنْ بدرجات متفاوتة قوة وضعفا، ولم يكن هذا التفاوت ناتجا عن الانتماءات العشائرية أو العرقية، بقدر ما كان مرتبطا بدرجة المشاركة في رفض سياسات القمع أو الخضوع له.

ومع مرور الزمن، يتحول هذا الشعور بالمظلومية إلى عنصر مركزي في هوية الجماعة، فتغدو هي المظلومة دائما، ويُصوَّر الآخر على أنه الظالم أبدا. غير أن شواهد التاريخ تؤكد أن المستضعف إذا امتلك القوة وحصل على التمكين، قد يتحول بدوره إلى ظالم شديد البطش، يسقي غيره من الكأس التي شرب منها من قبل في عهود التهميش والاستضعاف.
وهنا يفقد الظلم معناه الأخلاقي ومسؤوليته الفردية، ويتحوّل إلى سردية جماعية تُرسّخ ثقافة الضحية داخل الجماعة، وتبني صورة نمطية متسلطة عن الآخر، تجعله كيانا عدائيا، وظيفته إلحاق الأذى والتفنن في القهر والإقصاء. ومع الزمن، تتحول هذه السردية إلى ما يشبه الذاكرة الجمعية، تتناقلها الأجيال، فينشأ حتى أولئك الذين لم يعاصروا أحداث الاضطهاد على أحقاد تاريخية، تروي في أحاديث الأجداد وحكايات الجدّات.
وقد تتطور هذه المظلومية إلى حالة شبيهة بتجربة الهولوكوست في الوعي اليهودي، حيث تستثمر الذاكرة الجمعية للاضطهاد في البحث عن كيان سياسي خاص، يفترض أنه يحمي الجماعة من الظلم التاريخي. وقد انتشرت ثقافة المظلومية في معظم الدول التي عانت من الاستبداد وحكم العسكر، مثل العراق وسوريا وليبيا والسودان والصومال، حيث تمزق الانتماء الوطني الجامع إلى شظايا متناثرة على جسد الدولة المنهارة، وبرزت سرديات مظلومية تدعو إلى الانفصال أو إلى إقامة نظم فيدرالية قائمة على المحاصصة القبلية أو الطائفية.
وفي الحالة الصومالية، تتجلى هاتان النزعتان بوضوح؛ إذ ترفع صومالاند شعار الانفصال، بينما تكتفي جماعات أخرى بالدعوة إلى الفدرالية القبلية وقبْلنة الدولة. غير أن السؤال الجوهري يظل قائما: هل يشكّل الانفصال أو الفدرالية حلّا حقيقيا لمشكلة المظلومية؟
إن فهم جذور الأزمة يكشف أن المعضلة الأساسية ليست في شكل الدولة، بل في فشل مشروع بنائها. فالأزمة الحقيقية تكمن في عجز النخب السياسية عن تحويل الدولة إلى مظلة وطنية جامعة، تحمي حقوق المواطنين وحرياتهم وكرامتهم الإنسانية على اختلاف انتماءاتهم. وعليه، فالمظلومية لا يمكن أن تكون مشروعاً سياسيا يُبنى عليه كيان سياسي جامع، إذ لا تتجاوز كونها سردية اجتماعية تهدف إلى إنتاج هوية جمعية تقوم على تخليد الشعور بالظلم في الذاكرة العامة.
ويؤكد التاريخ هذه الفرضية؛ فالدول التي نجحت في تحقيق انفصالها استنادا إلى خطاب المظلومية لم تنجح بعد الاستقلال في إنهاء الظلم داخل كياناتها الجديدة، بل أفرزت مظلوميات فرعية داخل المظلومية الكبرى، وانقسامات وصراعات قادت في كثير من الأحيان إلى نتائج كارثية تشبه أو تفوق معاناة ما قبل الانفصال.
وفي تجربة صوماليلاند، على سبيل المثال، ظهرت مظلوميات جديدة تشكو من التهميش والإقصاء والانفراد بالسلطة والثروة، حتى قبل اكتمال مشروعها الانفصالي. وقد نشبت صراعات قبلية في جوهرها صراع على النفوذ والموارد، تغذّيها المخاوف من استئثار قبيلة بعينها بالسلطة، وما قد يترتب على ذلك من قهر وبطش. ويصدق هذا الحكم أيضا على جميع الولايات الفيدرالية في الصومال التي تنفر من المركزية وتدعو إلى تقاسم السلطة بين المركز والولايات، فكلّها تنتهي في النهاية إلى ما كانت تشكوه في النظام المركزي من تهميش الأقليات في ولاياتها وربما قمعها واضطهادها.
وعليه، فإن المظلومية ليست مرتبطة بجماعة دون أخرى، ولا بجهة في الشمال أو في الجنوب، ولا يحلّها الانفصال أو الاتصال، ولا المركزية ولا الفدرالية. إنها في جوهرها، مرض بنيوي في فهم الدولة وبنائها؛ حيث تختزل الدولة في كونها غنيمة يتقاسمها الأقوياء، على غرار من قويت شوكته وحبت طاعته، لا عقداً سياسيا يقوم على تحقيق المصلحة العامة، وضمان الحقوق المتساوية للجميع.

Share

اقرأ هذا أيضًا