المقامة الغرويّة.
شخصت إلى بلاد البونت، في سيارة تنهب الارض نهبا، وتطوي المراحل طيّا، وكنّا بين إدلاج وتأويب، وقيلولة وتعريس نقطع البسابس، ونخترق السباسب، حتى دخلنا (غروى) في يوم قائظ، كأنّ الشمس تلفح الرؤوس، والزحام يخنق النفوس، فنزلت في فندق على ربوة، أتنسم نسيم الصبا، وأستنشق عبير الهواء، فنمت ليلتي نومة أصحاب الكهف اِذْ آووا إلى الكهف. فلما تنفس الصبح، وتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود، تقت إلى القهوة، فقصدت مقهى الخان، فلقيت عندها عصبة، يحتسون أكواب القهوة، ويتجاذبون أطراف النكتة، فجلست قريبا منهم، وناديت النادل: وقلت له: حيّهل بقهوة، تعلوها رغوة، تسرّ الطرف، وتنشّي الأنف، وتنعّش النفس، وتنشّف الأذن، فما كان إلا كلمح البصر أو لمعان البرق، حتى غمرني رياها الفواح، وسكرني شذاها الأخاذ، فانتشت المناخر قبل المشافر، فيا عجبا من مشعشعة !
كأن حبابها المنظوم عقد … من الياقوت يجلى فوق نحر
وبينا أنا موزّع النفس بين ثغر ممدود لارتشاف ابنة البن، وأذن منصوبة لالتقاط حديث العصبة، فإذا أحدهم يخبر أصحابه أن والي المدينة قد أولم، ودعا الجفلى لا النقرى، فولجت غابة الجمع، لأسبر كنه المأدبة، وأعجم سرّ الفيدرالية. فلما امتلأت البطون، ورفعت الصحون، قام الوالي، فقال: يا قوم، الناس معادن، خيارهم في البادية، خيارهم في الحاضرة، وإذا أرد الله أمرا خبّأ له رجالا، فأنتم خبيئة الله في أرضه، اختاركم لمهمة عظيمة، وأعدكم لملمّة جسيمة، فأنتم شعب الله المختار، وحرّاس عهده المسطور، في الرقّ المنشور. كنّتم السباقون إلى دحر الاحتلال، والى تدشين دولة الاستقلال، ولولا جهادنا وجهودنا وتضحياتنا لما تأسست في هذه المنطقة دولة، ولا ظهر في هذه البقعة وطن، فلمّا سقطت الدولة وتهاوت الوحدة، كان لكم دور مشهود في ترميم البناء المنهار، وانتشال الوحدة من شفا جرف هار، ولكن الناس جازونا جزاء السنمار، فإن وفيتم الله عهده وفى لكم وعده، وإن نقضتم ميثاقه نقض ميعاده، فلئن شكرتم ليزيدنكم، ولئن كفرتم يستبدل قوما غيركم، ثم لا يكونوا أمثالكم.
قال ذهب بن فضة: لما فرغ الوالي من مقاله، علا هتاف التكبير ، وارتفعت صيحات الترحيب، وبينا القاعة في مرح وصخب، والناس يهنئون الوالي بحسن ولايته، ويثنون عليه بحسن كلمته، إذ وقف شيخ حسن الطلعة، ذو لحية بيضاء كثة، في قميص أبيض، وقد كوّر عمامة بيضاء على رأسه، فقال: اسمعوا حرسكم الله، فحملق الجمع إزاءه، واشرأبت الجماعة تلقاءه، وأتلعت الأعناق تجاهه، قال ذهب بن فضة: فعرفت حين وقف الشيخ بسماته الواضحة وصوته الجهوري أنه شيخنا أبو الفضل الهيراني، فقال: الحمد لله الذي بثّ نعمه على خلقه، ولم يخصّ فضله على قوم دون قوم، وعلى أمة دون أمة، بل عمّ فضله، وأفاض وبله، فسالت أودية بقدرها. اما بعد، أيها الناس، لقد استسمنتم ذا ورم، ونفختم في غير ضرم، وادّعيتم لأنفسكم فيما ليس لكم فيه مدح، ولا لكم فيه عير ولا نفير، لا ينكر دوركم في بعث الدولة من مرقدها، ولكنه كان بعث الرمم والعظام، لا بعث الروح والحياة، بعثتم أشلاء ممزقة ولم تبعثوا أجزاء منسّقة، فرفعتم الفيدرالية المشؤوم، وهي كالسوس الذي ينخر جسد الأمة، والقشة التي قصمت ظهر الوحدة، حتى صار لكل قبيلة راية مرفوعة، ودولة معلومة، وحدود مرسومة، وعصبية مذمومة.
فقال الوالي: ويحك يا رجل، لولا الفيدرالية لانقرضت الأمة واستمرّت الغمة، ولكانت الحرب قائمة على قدم وساق إلى يوم يكشف عن ساق. جرّبنا المركزية ولم ندق منها إلا الصاب والعلقم، وأخذنا السلطوية فلم نجن منها إلا الشوك والحصرم، فما العيب في اختبار حظنا في الفيدرالية بعد خيبتنا في المركزية؟ فقال أبو الفضل: أيّد الله الوالي، وأقرّ به عين المُوالي، وسعتنا المركزية دهرا، وما ضاقت علينا، ولكن الصدور ضاقت، والعيب في الرجال لا في النظام .
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها … ولكن أخلاق الرجال تضيق
أما الفيدرالية فقد ولدت ميتة، وجمعت مساوئ المركزية والفيدرالية، فما كل شحمة بيضاء، ولا كل تمرة سوداء. يا أهل بونت لاند، قد جعلتكم الفيدرالية مثل أصحاب الأعراف، لا أنتم مع الوحدة فتبسطوا حبل الوصل، ولا مع الفرقة فتبتّوا حبال الودّ، كالمعلّقة لا معاشرة بمعروف، ولا مفارقة بإحسان، ومن سنّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم الدّين.
قال الراوي: علا في القاعة الضجيج وارتفع العجيج، فقال بعض من حضر السجن السجن لمن تطاول على الوالى، ونقد نظام الولاية، فقال أبو الفضل: ما أكثر الضجيج وأقل الحجيج، فمثلي يا قوم لا يقرع له العصا، ولا يقلقل له الحصى، فقال الوالي: خذوه إلى السجن المركزيّ حتى يكفر بالمركزية ويؤمن بالفيدرالية، فقال أبو الفضل: إن الليوث في عرينها تهاب، والكلاب في الدار تهان، والسجن مأوى الفضلاء في دول العملاء. قال ذهب بن فضة: فلما رأيت الشرطة قد حضرت، وأيدي أبي الفصل قد صفدت، غلبني الجزع، وانتابني الفزع، ففكرت في التعريف بعلمه، والتنويه بفضله، فغمز لي بعينه أن لا أجرّد العضب من غمده، ثم سيق إلى الحبس بوجه متلألئ وجبين مشرق، كأنه يساق إلى منزل صدق لا إلى منزل قفر، فاستاق معه القلوب حتى تمنيت لو كنت معه هناك لدى الجنة الخضراء أو في جهنم الجرداء، فسمعته وهو يمرّ بجانبي يتمتم : “نجا من آفات الدنيا من كان من العارفين، ووصل إلى خيرات الآخرة من كان من الزاهدين، وظفر بالفوز والنعيم من قطع طمعه من الخلق أجمعين” فعلمت أنه صفا من الكدر، واستوى عنده القصر والمدر، فزهد في دنيا الملوك وانقطع لدار المليك.
قال الراوي: في السجن صام أبو الفضل عن الطّعام، احتجاجا على ظلم الطغام، فخارت قوته، وخبت مُنّته، حتى خيف عليه الهلاك، فانعقدت محكمة عاجلة للنظر في القضية العاجلة، فجاء اليوم الموعود، وكنت ممن اغتدى والطيور في وكناتها، فجاء القاضي ومعه حاشيته، فجلس بهدوء على منصته، ثم دخل أبو الفضل وجلس في القفص، بوجه شاحب، وعين ناضب، وبطن ساغب، فحزنت لرقة حاله، ورثيت لرثاثة نفسه، فسأله القاضي: يا أبا الفصل، فأنت متهم بتفضيل المركزية على الفيدرالية؟ فأجاب أبو الفضل بصوت أجهده الجهد: أعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومن الشكّ بعد اليقين، ومن الضلال بعد الهدي، بل أفضّل التمسك بحبل الأمة على التشبث برياح العصبية. أيها القاضي، إنّ العودة إلى نظام القبيلة بعد نظام الدولة كالتعرّب بعد الهجرة من الكباير المنهيّة عنه في الشرع. فقال القاضي:لم صمت عن الغذاء وعرضت نفسك للفناء؟ فقال أبو الفضل: الحبس مأوى المصلحين في زمن المفسدين، ويبتلى المرء على قدر دينه، فوالله، إنّا لفي زمن نشك في دين من لم يزر السجن. أما الصوم ففيه معنى اللجوء إلى الخالق من ظلم المخلوق، فقال القاضي: ألا تعلم يا هذا، أن نقض نظام الولاية نفض لأركان الدولة، وأن التحريض على التمرّد يفضي إلى مدّ الأعناق وبسط الأنطاع.
قال ذهب بن فضة: فلمّا رأيت الشرر يتطاير من عيني القاضي، وسمعت بسط النطاع وضرب الأعناق، أيقنت أن ابا الفضل صار قاب قوسين أو ادنى من الحين المحتوم، فلم أتمالك نفسي، ووقفت في وسط الجمع، فقلت: أيد الله القاضي وادام به التراضي: إن أبا الفضل رجل فاضل، وكان يتمنى مذ مدّة الشهادة في سجون الفدامة، فلا تنيلوه بغيته، ولا تظفروه بأمنيته، فقال القاضي: إن هذا يوم عصيب، فإن سجنّاه صام فهلك ونال أمنيته، وإن قتلناه حاز شهادته فحققنا له شهامته، وإن خلّينا سبيله أطلق علينا عنان لسانه، ولسعنا بوخز سنانه، ثمّ أقبل القاضي على ابي الفضل وسأله بوجه عابس وجبين قاطب: من أين مطلع شمسك ومدبّ صباك، فقد أعيانا امرك وأتعبنا حكمك، فقال ابو الفضل: هيران مطلع شمسي ومرتع أنسي، ولي فيها أيام لا تنسى وذكريات لا تمحى، فاطرق، حتى ظننا أنه غلبته غشية، او علته غفوة، ثم رفع رأسه، وعيناه مغرورقتان بالدموع، فأنشد:
هيران داري والهوى …. بين الضلوعِ يلتهب
هي الملجأ إذا الد …. هر جار أو انقلبْ
وهي الأنس كلّما …. ضاقَ المدى واضطرب
إن نأتْ عنّي فقلبي … نحوَ رباها ينجذب
قال الراوي: فلمّا سمع القاضي إنشاده وفهم مراده، عرف فضل ابي الفضل، وكبر في عينه، وعظم في نفسه فقال: والله، لا يتحدّث الناس أنّ هذه الولاية تسجن الأدباء وتقتل الغرباء ثم أصدر القاضي حكما بنفي أبى الفضل إلى بلاد هيران، وأمر بتوزيع اسمه على المعابر؛ حتى لا يعيد الكرة، ويغرى بالغرّة. قال ذهب بن فضة: وما إن نطق القاضي بحكمه، حتى أقبلت على أبي الفضل، وقبّلت بين عينيه، وهنأته بانفراج الكربة وانزياح الغمة فقال:
ودهر ناسه ناس صغار … وإن كانت لهم جثث ضخام
وما أنا منهم بالعيش فيهم … ولكن معدن الذهب الرغام
أرانب غير أنهم ملوك … مفتّحة عيونهم نيام
فقلت له: هل اتبعك على أن اقتبس من نار جذوتك، واغترف من فيض ديمتك، فقال أبو الفضل الهيراني: ومن ذا الذي يأبي الأنيس في الوحشة، والرفيق في الرحلة، والسمير في السفر، قال ذهب بن فضة: فصحبته اتبع له من ظلّه، وأطوع له من نعله، ينثر الغرر، وينظم الدرر، وأقتطف من ذا وذاك ما ينقع الغليل ويشفي العليل.
: عبدالواحد عبدالله شافعي.
















