المقامة الهرغيسيّة.
حكى ذهب بن فضة قال: شتوت بلندن في شهر نوفمبر، فأخذتني رعدة، وهزّتني صقعة. فلما لسعني بردها القارس، ولفحني صردها القارع، خفت أن يقضي عليّ زمهريرها، أو تنزلق رجلي على ثلوجها؛ فأقع لليدين وللفم، فأبقى موسمي كله طريح الفراش، مرضوض المشاش، مفضوض الذراع، يغطّ غطيط البكر شدّ خناقه، أو يئن أنين الهرم سدّت مضايقه، فعقدت العزم على الرحيل، والفرار من الصقيع، فأخذت أهبتي، وأعددت عدّتي، ميمّما وجهي شطر هرجيسا، مدينة الفن والثقافة، وموطن الفصاحة والملاحة. فلما امتطيت متن الرحلة، وطارت بنا الطائرة، واخترقت السحاب، وشقّت العباب، وسبحت في جوّ السماء ما يمسكها إلا الرحمن، رفعت عقيرتي، ملحفا بالدعاء، ملحّا في السؤال، وقلت: يا من خلق السماء بلا عمد، وزيّن فيها النجوم بلا وتد، احرس مهجتي الطائرة مع الطائرة.
فلمّا أناخت المطية، وألقت جرانها على مطار عغال، انتظمت في صف طويل؛ ليؤذن لي بالدخول، فقال لي موظّف الجوازات: من أين أقبلت؟ ولم قدمت؟ فقلت له: أما المقدم فمن مدينة الضباب، وأما سبب القدوم فشيخ ناج بعظامه من قرّ لندن إلى حرّ حرم الحرية، ومن استنشاق دخان المصانع إلى استرواح نسيم الينابع، فسرَ الموظف بجوابي، وكأنه رقّ لحالي، فختم جوازي على الفور، من دون تفتيش أو نقاش، ومن نوقش عذّب، فهشّ لي وبشّ وقال: ليهنك القدوم، فقد حللت أهلا، ونزلت سهلا، وأمنت ضرّ البرد، ووقيت شرّ الثلج. ثمّ قدمت المدينة وأنا يومئذ في ذيل الكهولة وبادئة الشيخوخة، أسحب ذيل الثراء، واختال في برد الغنى، لا أبالي من مدح أو قدح، ولا من عذل أو جامل.
فلما حططت الرّحال، وألقيت عصا الترحال، طفقت في تخيّر المسكن والمقام، فقادني حظي السعيد إلى نزل فسيح أرجاؤه، واسع أركانه، نظيف غرفه، انيق أثاثه. فما إن أزلت عني وعثاء السفر، وأمطت عني كآبة المنظر، حتى استفزتني حمة القرم، وهاج لي شوق إلى الحنيذ المشهور عند أهل هذا البلد، وجعلت أنفي زمامي؛ ليلتقط رائحة الشواء، فساقني الى مطعم مكتظ بالناس، وكل مكبّ على فريسته، منقضّ على التقام لقمته، وكأنني داخل عرين الأسود لا مطعم الوفود، فانتبذت ركنا قصيّا؛ لكي يخفى على القوم نهمي، ولا يطّلعوا على التهامي، ثم دعوت الخادم، وقلت له: عجّل بجدي حنيذ، مطهو بالتوابل الهندية، ومقلّب على نار هادئة، حتى يكون غضّا طريّا، سائغا في الحلقوم، ليّنا على الأسنان، آمنا في المعدة، ثم اعطفه بمرق شهي، أعدّ على نار متوسطة، ولا تنس الفلفل الحار، والتوابل الحارقة؛ فإنها أنقى للبلغم، وأمنع للانتفاخ، وأذهب للكظة، وأحسن للتخمة. فما لبث الخادم أن أحضر ما طلبت، فكشفت عن ساعد عركته الايام، وحنكته السنون، فالتهمت اللحم، وثنيته بالمرق، وتركتهما أثرا بعد عين، وكأنما نشطتُ من عقال، فذاب الثلج في عروقي، وذهب البرد من عظامي، فقلت: الحمد لله الذي أذهب عنا البرد، وله الشكر على ما ساقنا اليه من سابغ نعمائه، ورزقنا به من كريم آلائه. ثم خرجت إلى بعض المقاهي القريبة، وثلّثت بكوب من الشاي، يزيل الهمّ، ويذهب الغمّ.
فبينا أحتسي الشاي، وأسرّح نظري في حركة السيارات والناس من حولي، فإذا أنا بجمع من الناس، ينثالون سراعا، كأنهم إلى نصب يوفضون، فاستخبرت أحدهم خبر القوم، فقال: إنهم يهرعون إلى موعد مع أمير البلد، فناجتني نفسي: هذه فرصة لاستكناه كنه ما اضطرّ القوم إلى نبذ الوحدة والتشبث بالانفصال، فقفوت أثرهم، حتى انتهيت إلى قاعة ممتلئة بالناس، وجلست في أخريات القوم، فدخل الأمير ومعه حاشيته، فقال: اسمعوا يا قومي، إن لكل قضية رجالا، ولكل مقام مقالا، وإن أهل هذه المحلة قد أجمعوا على الانفصال لما لاقوا من أذى الاتصال، واتفقوا على الفرقة بعد إخفاق الوحدة، وقد انتخبتموني لأحقق لكم هذا الحلم، وأشكر لكم على هذه الثقة، فوالله، إنني لجذيلها المحكّك وعذيقها المرجّب، ولقد استطلتم الصبر، واستبطأتم النصر، واستبطنتم اليأس، حتى قال قائلكم: متى الاعتراف؟! ألا إنما النصر صبر ساعة، ألا إن من خطب الحسناء لم يغلها المهر، فصفّقت الجماعة له، وكبّرت، وهتفت باسم الأمير، وانتشت، فوقف من وسط القوم شيخ، كثّ اللحية، مكوّر العمامة، مقعنسس الظهر، عليه سمة العلماء وسيما العظماء، فقال: الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي أمر الأمة بالتوحّد، ونهاها عن التفرق، والصلاة والسلام على رسول الله، الذي تركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، وحذرنا من السبل المتفرقة المظلمة، ليلها ممتد، وظلامها سرمد، أيها الناس، فوالله لن تجدوا في الفصل ما أعوزكم في الوصل، ولن تبلغوا في التفرق ما عجزتم عن بلوغه في التوحّد، أقول قولي هذا وأستغفروا الله لي ولكم، إنه هو الغفور الرحيم.
قال الراوي: فلما سمعت الجماعة خطبته، وفهمت فحوى كلامه، ومرامي حديثه، ضجّت القاعة، وعلاها صراخ وصفير، فقال من بعض من حضر: من أذن لِلْوَنْلَوَيْنْ بسخف القول؟ وما جزاء من يفوه بهذا الهراء إلا أن يسجن أو عذاب أليم !فقال الشيخ: تبّا لكم يا قَيْلَوَيْنْ أتسجنون رجلا أن يقول رأيه، أو تعذّبونه أن محّض لكم النصح. فحينئذ هدّأ الأمير اللغط، وأومأ إلى الجمع بالجلوس، والكف عمّا يؤذي الضيف، ثم أقبل على الشيخ، فقال له: يا هذا، إنّا في مجلس سياسة وإمارة، ولسنا في مسجد وعظ وخطبة جمعة، دعك عن الترغيب والترهيب، وتعال إلى النقاش المتعقّل والحوار الهادئ. ألم نكن أهل الشمال من بادر إلى التوحيد يوم الاستقلال وهم قادرون على الاستقلال؟ ألم يكن جزاؤنا من الجنوب التقتيل والتنكيل؟ ومن المسؤول عن انهيار الوحدة، ألمظلوم المضطهد المشرّد أم الظالم المستبد الطاغي؟ فوالله لا يخدع المؤمن من جحر مرتين، فقد خدعتمونا مرة يا أهل الجنوب، فلا تحدثوا أنفسكم بخداعنا مرة أخرى، فإنا إن فعلنا ذلك وانخدعنا لكم بعد الّتي واللّتيا كنّا أحمق من هبنّقة، وأضيع من لحم على وضم، وأضلّ من ضبّ، وأضيق من سم الخياط، وأضعف من بقّة. قام الشيخ فتنحنح ونظر يمنة ويسرة، فقال: أيها الأمير: مقدمة كلامك سليمة، ولكنك بنيتها على نتيجة فاسدة، فإننا متفقون على وقوع الظلم والقتل والاضطهاد من حكم الطغيان، ولكننا مختلفون في تخصيص هذا الظلم على جهة بعينها دون سائر الجهات، واعلم -رحمك الله- أن الطاغي لا يميز في طغيانه بين الجهات ولا بين الطوايف والقبائل، وحبثما مصلحته فثمّ قبيله، وقد يتفاوت قدر الظلم ولكن مرجع هذا التفاوت ليس في الجهة أو في القبيلة، وإنّما على قدر مجابهة الطغيان، وما نصيب كل قبيلة من القتل والسجن والعذاب الا على قدر رفضها التجبّر والاستكبار، وأنتم يا أهل الشمال كنتم من السبّاقين الى رفض الاستبداد، فنالكم منه النصيب الأوفر، ولكنكم أبعدتم النجعة، حين أصررتم على الانفصال، وقطع الأوصال، وكان يكفيكم أن تطلبوا الحقوق من دون رسم الحدود.
أمسك الأمير سبلته بيده، فقال: لا تتعب نفسك يا رجل فيما رفعت فيه الأقلام وجفّت الصّحف، ولقد جرّبنا الوحدة مع الجنوب فلم نجن إلا شقاء وعلقما، فاتركونا نجرّب حظ الشمال في تدبير أمره. فقال الشيخ: حرس الله الأمير، وحفظ أهل الشمال، ولعلّ لكم في البقاء مع الجنوب مصلحة أخرى خفية لم تقدّروا قدرها، فقد كان الجنوب عامل وحدة للشمال، فكنتم تقولون نحن والجنوب، فاذا تمّ الأمر لكم، وانفردتم بتدبير شؤونكم، شبّت العداوة بينكم، وصار بأسكم بينكم شديدا، فحلّت عداوة القريب من الشمال محل عداوة البعيد من الجنوب، وهذا- لعمري- دلالة على أن أزمتنا ليست أزمة بين قبائل وطوائف، ولا بين جنوب وشمال، وإنما هي في جوهرها أزمة حضارية في بناء الدولة الحديثة، والفشل في تدبير الشأن العام، وما صاحب ذلك من غياب العدل، وشيوع الاستبداد والاستئثار بالسلطة والثروة، وإذا لم نجد حلّا في أصل دائنا، فإنّ معاناتنا تستمرّ، وشقاءنا يتصل، سواء اتحدنا أم افترقنا.
قال ذهب بن فضة: فلما انتهى الشيخ إلى هذا المنتهى، تداعى بعض من حضر إلى إسكاته وإخراجه من القاعة، فما ارتفعت على وجهه يد إلا وهبطت عليه أخرى، وأسلمه كل صف إلى الصف الذي يليه، فتناوبته الأكف بين الصفوف ضربا وركلا، حتى رمته خاتمة المطاف إلى الصف الأخير الذي كنت فيه، فوجدته ملقى أمامي وهو مغشي عليه، فتفرست في وجهه، وتوسّمت بميسمه، فاذا هو شيخنا أبو لؤلؤة الهيراني بفصاحته وبلاغته وجرأته، فألقيت نفسي عليه، وقلت: أتدرون من جنيتم عليه وتكأكأتم على ضربه ؟! إنّه أبو لؤلؤة الهيراني، ليس له نسب إلا نسب الإسلام، ولا رحم الا رحم العلم، ولا عصبية سوى عصبية هذا الدين، ولا يهمّه جنوب ولا شمال، وإنما أرضه حيث يعلو الأذان ويسمع التكبير. قال الراوي: فلما علم القوم جلية أمره، ووقفوا على حقيقة كنهه انفضّوا عنه، فأخذته إلى المشفى، ولما وضع على السرير تمدّد وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم اجبر كسري، واشدد أزري، ثم قال: يا ذهب هل معنا من أحد؟ فقلت: لا، والذي خلق الحياة والموت، ثم فتح عينيه، فقام منتصبا لا يشكو من علة، ولا انتابته إغماءة، فعلمت أنه كان يتظاهر بالإغماء ليفلت من بطش القوم، فقال: الحمد لله الذي نجانا من هلاك محقق، فوالله إن عادوا عدنا، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها فقلت: إلام هذا التمادي يا شيخنا أبا لؤلؤة وتعريض نفسك للتفاني؟ فقال:
أحيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا … والبين جار على ضعفي وما عدلا
وبينا أنا أواسيه، وأسلّيه، وأهوّن عليه خطب ما لاقاه، اِذْ دخل علينا رجل يسعى، فقال: الشرطة تبحث عن الشيخ المشاغب، فخرجنا مسرعين، واستأجرنا سيارة تطوي الارض كطي السجل للكتب، فهمنا على وجهنا، لا نلوي على شيء، فسمعت شيخنا أبو لؤلؤة الهيراني ينشد متمثلا:
ألا كل ماشية الخيزلى … فدا كل ماشية الهيذبا
وكل نجاة بجاوية … خنوف وما بي حسن المشى
ولكنهن حبال الحياة … وكيد العداة وميط الأذى
ضربت بها التيه ضرب القمار … إما لهذا وإما لذا
قال ذهب بن فضة: فلما أمنّا الملاحقة، ونجونا من المطاردة، قلت: إيه يا شيخنا أبا لؤلؤة، سلمنا من الحين المحتوم، فانثر علينا من دررك، وأفض علينا من فضلك، فإن نفسي توّاقة إلى جني ثمار حديثك، فنشر لنا من أفانين حديثه ما أنسانا تعب الطريق، وبثّ لنا من سحر بيانه ما أزرى سحر هاروت وماروت.
كتبه: عبدالواحد عبدالله شافعي.

















