المهاجرون روح كراتشي

المزيد للقراءة

المهاجرون روح كراتشي.. أثناء تواجدي في كراچي كثيرا ما كان السائقون يرفضون مني أخذ أجرة السيارة بحجة أنني مسلم مهمان (ضيف) على بلدهم. كان كرما لم أكن أتوقعه ولم أره في أي بلد آخر. ومن المواقف المحفورة في ذاكرتي أن الممرض في مستشفى اشفاق الذي وصلته بحثا عمن يثبت الكانولا في يد سارة قبل أن نذهب إلى الرنين المغناطيسي في مستشفى جامعة داو للعلوم الصحية طلب مني أن نرافقه إلى بيته وأن نكون ضيفا عنده.

السائق الذي قادني إلى متحف محمد علي جناح القائد الأعظم، رغم أنه كان ينزع الحياة من منقار الكدّ والتعب وغلاء المعيشة، إلا أنه كان يتمتع بروح مليئة بالفرح. وعندما أعطيته مبلغا لم يكن يتوقعه، بدا عليه خيلاءُ من يملك كنزا نادرا في وسط معوزين حقيقيين، فبدأ يتعمق في شرح تفاصيل المدينة وحكايات الأحياء السكنية، والكارديلات المسلحة التي كانت موجودة قبل أن تعيد الهيئات الأمنية للمدينة أيامها الزاهية.

وعلى ذكر الانفلات الأمني، شهدت المدينة في الماضي اضطرابات أمنية وإضرابات سياسية عنيفة، أثّرت في التعايش السلمي، وأحدثت شرخا حادّا في نسيجها الاجتماعي. أمّا في العقد الأخير، فقد كان محمّلا بتحوّل أمنيّ حقيقي؛ إذ أطلقت الدولة عملية كراچي (Karachi Operation)، وحاربت بجدّية الجريمة المنظّمة، والعصابات المسلّحة. وشعر السكان بالارتياح بعد تراجع العنف، واختفاء حوادث الاختطاف مقابل الفدية، وتفكيك الميليشيات الحزبية من أحيائهم.

ومن خلال حديثه تبيّنت أن المدينة، حتى قبل أن تصبح عاصمة لباكستان بعد التقسيم، ساهمت في تحرير وعي المسلمين وتوسيع أفقهم السياسي، وأصبحت لاحقا ملاذا آمنا لملايين المهاجرين، وهو ما أثّر في تركيبتها السكانية. وفي منطقة انهكتها الصراعات الدينية والسياسية، وشهدت حروبا ومآسي متعلقة بأسئلة الهوية، برزت كراچي كواحة آمنة يعيش على تربتها المسلمون والهندوس والمسيحيين والأقليات الدينية بوئام. هذا التنوع، إلى جانب ما وفرته من صناعات وفرص، اجتذبت الكثير منذ بدايات القرن العشرين وحتى اليوم.
لم تحتمل كراچي ضغط استيعاب هجرات المسلمين الهنود الذين تدفّقوا إليها بعد التقسيم، بل تحوّلت تلك الهجرات من عبء محتمل إلى عامل أسهم في توسّع دورها ونموّها، حتى أصبحت عاصمة الدولة الوليدة، بعد أن كانت مدينة بعيدة عن دلهي، مقرّ حكم التاج.

كان السائق نفسه مهاجرا، ترجع أصوله إلى مدينة ناجبور في ولاية ماهاراشترا الهندية. وتجربة المهاجرين الهنود الذين تركوا ديارهم، ومعظمهم من أوتّر براديش، بيهار، دلهي، مدراس، وغيرها من المدن الهندية الناطقة بالأردو، تستحق الكتابة. ولأنهم كانوا متعلمين مقارنة بالآخرين، تغلغلوا في كل الأماكن؛ الوزارات، المؤسسات التعليمية، التجارة والصحافة والإعلام، وحتى الجيش، حتى أصبحوا القاعدة الأساسية للبيروقراطية والاقتصاد في کراچی.

ومن الممكن القول إنهم روح المدينة وحملة هويتها الثقافية والتجارية، ولم يأت من فراغ تسميتهم بـ “حملة القلم”، بل استحقوا بدورهم الريادي في إدارة الدولة الوليدة، وما زالوا على صدارة المشهد، وإن لم تكن سطوتهم كما في الماضي بسبب انتشار التعليم وصعود القوميات التي باتت تنافسهم مثل السند والبشتون.
سيد جاويد علي، المتخرج من كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية في معهد إدارة الأعمال، سرعان ما أصبح لي مرشدا سياحيا ووجها مألوفا، فذهبت معه إلى حي كليفتون، حيث أرباب المال وربات الجمال، وناطحات السحاب، ومشاهد تنسي فوضى الأسواق الشعبية وغبار الحواري الضيقة في الجزء الشعبي من المدينة. وقبل أن نفترق، رشح لي الذهاب إلى قصر أصبح مركزا ثقافيا ومقرا أرشيفيا، حفظ تاريخ الدولة والمدينة، وهو ما فعلته في اليوم التالي مع المهندس محمد أسد، الذي ظلت المأساة الصومالية ترافقه في المهجر البعيد.

جاويد وملايين غيره، ذاكرتهم محفورة في مدنهم وقراهم في الهند حيث الأصل والانتماء، وما زال الجيل الثالث يعاني من الحنين والشوق للعودة إلى الجذور، ليس للعيش -وهي غير ممكنة بطبيعة الحال- بل لمعرفة التاريخ وتتبع آثار الأجداد. ومما زاد المرارة أنهم لا يملكون مقاطعة إدارية خاصة لهم في باكستان، وأنهم، وإن نجو بدينهم وأرواحهم، فإنهم خسروا أرضا وأصلا. ومن الغريب أن ينظر إليهم على أنهم عبء على السكان الأصليين وغيروا الديمغرافية والخريطة السكانية للمنطقة.

Share

اقرأ هذا أيضًا