بين حرمة الأمانة وقداسة القرآن.
تثير الأخبار المتكررة عن معلمين في خلوات القرآن متهمين بالاعتداء على أطفال صغار صدمة عميقة في النفوس, ليس لأن هذه الظاهرة واسعة، فهي في الواقع نادرة مقارنة بعدد الخلوات والمعلمين، بل لأن مجرد وقوعها يصدم الإنسان من الداخل، وكأنه يسمع حدثًا مستحيلًا لا يتوافق مع منطق الدين، ولا مع طبيعة أهل القرآن المعروفين بالورع والأمانة.
تتكرر الأسئلة في الذهن: كيف يمكن لمعلم قرآن، قلبه معلق بكتاب الله، أن يرتكب مثل هذا الانحراف المريع؟ كيف يخون الأمانة التي حمّله الله إياها؟ وكيف تمتد يدُه إلى طفلة لم تعرف من الدنيا إلا براءتها؟
الأمر المؤسف أن نعيش في زمن انفتحت فيه أبواب الفاحشة بلا قيود، وأصبح من أراد الحرام يجده بسهولة، ومن دون عقاب. لذلك تجزم ان من يرتكب مثل هذه الجرائم ليس مجرد خاطئ، بل شخص مريض ومنحرف، لا يردعه دين ولا عقل، ولا يرغب بالخير لمؤمنة أو لمجتمع.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن هناك من يسعى لاستغلال هذه الأخبار لتشويه صورة التعليم الشرعي في الصومال أو للنيل من سمعة الخلوات. فآلاف المعلمين يخدمون القرآن بإخلاص، وملايين الصوماليين تربوا في هذه المدارس دون أن يمسهم سوء. لكن هذا لا يعني التهاون مع من يثبت تورطه في الانتهاك! فبعض القضايا واقعية وتستوجب أقصى درجات العقاب، لأن جريمتهم مزدوجة؛ اعتداء على طفلة بريئة وإساءة للدين وأهله. والعدل هنا لا يعرف المجاملات، والظلم لا يُغتفر.
السؤال الأهم: ما الحل؟ هل نغلق الخلوات؟ هل نشك في كل معلم قرآن؟ الحل الحقيقي يكمن في الإصلاح، لا الهدم. ولحماية البنات وصون سمعة الخلوات، يمكن اعتماد عدة ضوابط عملية:
• أن تكون أعمار الطالبات اللواتي يحضرن حلقات الرجال فوق العشرين لضمان الأمان وقدرتهن على الدفاع عن أنفسهن.
• إعداد نظام رقابة واضح، وإذا أمكن، تركيب كاميرات مراقبة.
• اعتماد معلمات لتدريس البنات بدلًا من المعلمين.
• متابعة الأسر لأطفالهن وسؤالهم الدائم عن ما يجري في الخلوة.
بهذه الخطوات، يمكن حماية البنات، وصون التعليم الشرعي، والحفاظ على قداسة القرآن. الإصلاح والرقابة هما السبيل لضمان أن تظل الخلوات مدارس نور وهداية، بعيدًا عن أي ظل مظلم، والله المستعان.
الدكتور عبدالنور بشاش رشيد

















