تركيا تبدأ أول عملية حفر نفطي خارج حدودها في المياه الصومالية: رهانات اقتصادية واستراتيجية

المزيد للقراءة

دخل التعاون التركي الصومالي في قطاع الطاقة مرحلة تنفيذية جديدة، مع إعلان أنقرة إرسال سفينة الحفر المتطورة Çağrı Bey إلى السواحل الصومالية، في أول عملية تنقيب تنفذها تركيا خارج مياهها الإقليمية، ضمن خطة توسع طاقوي تقول الحكومة التركية إن عام 2026 سيكون محوريًا فيها.
وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي Alparslan Bayraktar وصف الخطوة بأنها “تقدم تاريخي”، مشيرًا إلى أنها تأتي بتوجيه من الرئيس رجب طيب أردوغان وبالتنسيق مع الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، في إطار شراكة استراتيجية آخذة في التوسع.
من المسح الزلزالي إلى الحفر العميق
التحرك التركي لم يبدأ بالحفر مباشرة، إذ سبقه عمل استكشافي نفذته سفينة الأبحاث الزلزالية Oruç Reis، التي أجرت مسوحات في ثلاثة قطاعات بحرية قبالة السواحل الصومالية. هذه المسوحات وفّرت بيانات جيولوجية أساسية مهدت للانتقال إلى مرحلة الحفر الاستكشافي.
ووفق التصريحات الرسمية، تستهدف عملية الحفر بلوغ عمق يقارب 7,500 متر، ما يضع المشروع ضمن نطاق عمليات المياه العميقة عالية التكلفة والتقنية. وأطلقت أنقرة على أول بئر اسم “Curad-1” (الابن البكر)، في إشارة رمزية إلى كونها أول تجربة تنقيب خارجية لتركيا.
حسابات اقتصادية: فرص ومخاطر
اقتصاديًا، تمثل الخطوة محاولة تركية لتوسيع نطاق أنشطتها في الاستكشاف والإنتاج، وتقليل الاعتماد على واردات الطاقة التي تشكل عبئًا مزمنًا على ميزان المدفوعات التركي. ففي حال تحقيق اكتشافات تجارية، قد تفتح العملية الباب أمام استثمارات طويلة الأمد في تطوير الحقول البحرية، وبناء بنية تحتية للإنتاج والنقل.
غير أن عمليات الحفر في المياه العميقة تتسم بارتفاع تكلفتها ومخاطرها الفنية، كما أن الجدوى الاقتصادية ستظل مرهونة بحجم الاحتياطات القابلة للاستخراج، وتكاليف التطوير، وأسعار الطاقة العالمية. وحتى الآن، لم تُعلن تقديرات رسمية لحجم الموارد المحتملة، كما لم يُكشف عن تفاصيل تقاسم العائدات بين الجانبين.
ماذا يعني ذلك للصومال؟
بالنسبة للصومال، قد يمثل المشروع فرصة لإطلاق قطاع طاقة بحري طال انتظاره، في حال أسفرت عمليات الاستكشاف عن نتائج إيجابية. فاقتصاد البلاد يعتمد بدرجة كبيرة على التحويلات الخارجية والأنشطة الخدمية، بينما يظل قطاع الموارد الطبيعية غير مستغل على نطاق واسع.
نجاح المشروع قد يعزز إيرادات الدولة، ويدعم الاستقرار المالي على المدى المتوسط، إضافة إلى جذب استثمارات أجنبية موازية في مجالات الخدمات النفطية والبنية التحتية. لكن ذلك يتطلب أطرًا تنظيمية واضحة، وشفافية في إدارة العوائد، وضمانات بيئية وفنية في عمليات الحفر والإنتاج.
أبعاد جيو-اقتصادية
يتجاوز المشروع الإطار الثنائي، إذ يندرج ضمن سباق إقليمي متزايد على موارد شرق أفريقيا والبحر الأحمر. الوجود التركي في المياه الصومالية يعزز موقع أنقرة في معادلات الطاقة البحرية، ويضيف بعدًا اقتصاديًا إلى حضورها السياسي والعسكري في القرن الأفريقي.
كما يعكس توجهًا تركيًا لتحويل شركاتها الوطنية إلى لاعبين عابرين للحدود، في وقت تتزايد فيه أهمية تنويع مصادر الإمدادات وتوسيع خارطة الاستكشاف عالميًا.
مرحلة اختبار
حتى الآن، لم يُعلن عن الموقع الدقيق للبئر، ولا عن الجدول الزمني الكامل للنتائج الأولية، لكن بدء الحفر المرتقب خلال فبراير/شباط الجاري سيشكل اختبارًا عمليًا لرهانات الطرفين.
وفي حال أثبتت النتائج وجود احتياطات تجارية، فقد يشهد العام الجاري تحولات مهمة في خريطة الاستثمار الطاقوي في المنطقة. أما إذا جاءت النتائج دون التوقعات، فستظل الخطوة مؤشرًا على طموح تركي متصاعد لتوسيع حضورها في أسواق الطاقة العالمية، ولو بكلفة محسوبة.
في الحالتين، تبدو عملية “Curad-1” أكثر من مجرد بئر استكشافية؛ إنها اختبار اقتصادي واستراتيجي لشراكة تتطلع إلى ما هو أبعد من المياه الإقليمية

Share

اقرأ هذا أيضًا