جيل الستينيات… أبناء الطبيعة والتاريخ الذين صنعوا نهضة العلم

المزيد للقراءة

جيل الستينيات… حين التقت الفطرة بالمنهج
اليوم خطرت ببالي خاطرة…
أن الذين التحقوا بالمدارس في ستينيات القرن الماضي لم يأتوا من بيئة فيها تخلف حضاري أو ثقافي، ولم يولدوا في أرضٍ مقطوعة الجذور كما قد يظن بعضنا اليوم؛ بل خرجوا من مدنٍ قديمة عامرة لقرون، ومن بيئاتٍ مشبعة بالتاريخ، ومن طبيعةٍ لم تكن قد أُنهكت بعد.
لقد عاش هؤلاء – قبل أن يلتحقوا بالمدارس، وقبل أن تلتقطهم المدن الحديثة بأبراجها الإسمنتية وإيقاعها المتسارع – في حضن طبيعةٍ غنية بالكائنات الحية، وعبق التاريخ، وذاكرة الأدب، وحكايات الجدات، وأناشيد الرعاة، وأصوات البحارة عند الفجر.
عاشوا بين أشجارٍ يعرفون أسماءها، ونجومٍ يهتدون بها، ووديانٍ يحفظون منعطفاتها، وعيون ماءٍ يشربون منها بلا وسيط ولا أنبوب.
كانوا يعرفون مواسم المطر، ويقرؤون الريح، ويفهمون لون التربة، ويقدّرون قيمة الظل في قيظ الظهيرة.
بعضهم قدم من مدنٍ ساحلية عريقة، ربما كانت أسماؤها ترد في كتب هيرودوت؛ مدنٍ عبرتها القوافل والسفن، وتجاورت فيها اللغات، وارتفعت فيها المآذن إلى جانب الأسواق، وتجاور الفقه مع الحكمة، واللغة مع الفلك.
وبعضهم خرج من مدنٍ علمية؛ فيها حلقات ذكر، وجماعات صوفية، وكتاتيب تحفظ القرآن. لم يكونوا مجرد طلابٍ جدد؛ بل كانوا امتدادًا لسلسلة طويلة من السند المعرفي، يحملون في ذاكرتهم قصائد وأمثالًا وحِكمًا وسير علماء.
وبعضهم أتى من مناطق زراعية خصبة؛ تربةٌ غنية بمواد طبيعية، وماءٌ عذب، ومعرفةٌ دقيقة بمواسم البذر والحصاد. كانوا يرون دورة الحياة كاملة أمام أعينهم، ويتعلمون من الأرض معنى الصبر والانتظار.
وأما الذين أتوا من البادية، فلم يأتوا من صحراء قاحلة كما نراها اليوم؛ بل من باديةٍ مليئة بالأشجار والنباتات البرية، وبغاباتٍ متناثرة، وآبارٍ عميقة، وحيواناتٍ تجوب السهول. كانت السماء صافية، والنجوم دليلًا، والشعر يُرتجل في المجالس، واللغة تُصان في الصدور.
وبعضهم أتى من جبالٍ شاهقة خضراء مثل علمسكاد وعلمذو وجبال جولس، تُستخرج منها المعادن، وتتدفق منها الينابيع، وتغطي سطحها الأشجار الدائمة الخضرة. هناك يتعلم الإنسان أن العطاء لا يأتي إلا بصعود، وأن الصبر طريق القوة.
ثم تبدلت الأحوال… مدن أصبحت قرىً خاوية على عروشها، ومناطق نائية ومهجورة، وأراضٍ زراعية دُمِّرت، والبادية لم تعد كما كانت؛ قُطعت الأشجار، وأُنهكت البيئة، وهجرت الحيوانات موطنها، وعبثت جماعات الإرهاب بالجغرافيا والديموغرافيا.
وهنا يكمن السر: أن أولئك الذين التحقوا بالمدارس في الستينيات لم يكونوا أبناء بيئة فقيرة، بل أبناء طبيعة ثرية، وتاريخ ممتد، ومجتمع حي، وذاكرة جماعية عميقة.
جاؤوا إلى المدرسة وهم يحملون معهم رصيد الطبيعة، وقوة المكان، ومهابة التاريخ، وسلام النفس الذي تمنحه الأرض حين تكون خضراء.
لم يكونوا صفحة بيضاء؛ بل كانوا دفاتر مكتوبة بخط المطر، محفوظة في ذاكرة الجبال، مختومة برائحة البحر.
لقد كان خيالهم خصبًا، وذاكرتهم عامرة بالتفاصيل؛ تحفظ الحكايات والأشعار والطرقات والنجوم.
كانوا أناسًا تربّوا على الصبر، وعلى الاستيقاظ باكرًا، وعلى التأقلم مع قسوة المواسم وتقلب الظروف.
لم يكونوا جيلًا هشًّا نفسيًا؛ بل جيلًا صلبًا يعرف معنى الانتظار، ومعنى الشدة، ومعنى الاعتماد على النفس.
لم تكن دراسة الأحياء صعبة عليهم؛ فقد خبروا الطبيعة قبل أن يدرسوها، وعرفوا الحيوانات قبل أن تُرسم في الكتب، وتأملوا الإنسان في بيئته قبل أن يقرؤوا عنه في الفصول.
كان كل واحدٍ منهم قاموسًا حيًا يزخر بالمفردات والمعاني؛ يحفظ أسماء الأشجار، وأنواع الرياح، وأصوات الطيور، وطبائع الناس.
لم تكن عقولهم مغلقة على التخصص الضيق، بل كانت منفتحة على الحياة بكل اتساعها، وعلى التعلم المستمر بلا خوف ولا تردد.
لم يطلبوا العلم ليصبحوا موظفين فحسب، ولم يكن همّهم كرسيًا أو راتبًا؛ بل كانوا يريدون أن يجدوا أجوبة علمية لأسئلة كثيرة كانت تتردد في عقولهم وهم في مسقط رؤوسهم: لماذا تتغير الفصول؟ كيف تتكاثر الكائنات؟ لماذا يختلف طبع الإنسان من بيئة إلى أخرى؟ ما سرّ الماء حين يحيي الأرض بعد موتها؟
كان العلم عندهم امتدادًا طبيعيًا لحياتهم.
لقد كان العلم ذا صلة مباشرة بتجاربهم اليومية: بمشيهم في الحقول، وبرعيهم في السهول، وبتأملهم النجوم، وبإنصاتهم للشعر، وباحتكاكهم بطبائع البشر.
وإذا رأوا شيئًا جديدًا، لم يندهشوا كما يندهش الغريب؛ بل كانوا يفهمون مباشرة أنه امتداد عصري لأمرٍ ما من تراثهم.
فكان يسهل عليهم أن يمنحوا الأشياء أسماء، وأن يصوغوا لها مفاهيم، وأن يربطوا الجديد بالقديم في انسجام هادئ.
ومن عجائب ذلك الجيل أن الواحد منهم كان موسوعيًا في اهتمامه، علامة في الحفظ، وآية في المثابرة والصبر.
كان يتعلم بعمق، ويدرس علومًا متعددة، وكان مثقفًا بحق؛ لا يحب الجلوس في المقاهي، ولا التباهي بالكتب ذات الأغلفة الجميلة، ولا الاكتفاء باقتباسات الفلاسفة، بل يطلب العلم من بطون الكتب، ويُبتعث إلى جامعات جادة للتعليم والتحصيل، ويغيب بعضهم عن الديار عقدًا كاملًا.
لقد عاشوا بين المكتبات في الخارج، ومنحهم ذلك ثقافة علمية واسعة، وكانوا دائمًا يواكبون الحاجة الوطنية؛ غالبًا ما تختار لهم الحكومة تخصصاتهم وفق متطلبات الدولة، ولم يشكُ أحدهم من صعوبة التخصص أو من كونه لا يناسبه، بل كانوا يقبلون التحدي بإصرار وعزم.
لقد كان في عقولهم ما يشبه خرائط حيّة؛ كأن في أذهانهم “خريطة فطرية” لا تحتاج إلى شاشة ولا إشارة. فقد اجتازوا في طفولتهم مساحات شاسعة، وتنقلوا بين أقاليم ممتدة، وحفظوا تضاريسها، ومسارات أوديتها، ومناطق المياه فيها، ومواضع المراعي، وحدود القبائل، ومسالك القوافل.
كانوا يعرفون الطريق بانحناءة جبل، أو شجرة منفردة، أو تغيّر لون التربة. يحفظون الأرض كما يُحفظ الشعر.
وكانوا يعرفون الوقت دون حاجة إلى ساعة يد أو ساعة حائط؛ يقرؤونه من ظل الشمس، ومن برودة النسيم عند الفجر، ومن ميلان الضوء في آخر النهار.
يقرؤون الغيوم، ويستدلون بالنجوم دون أن يستخدموا جهازًا أو بوصلة. كانت السماء كتابهم المفتوح، وكانت الطبيعة ساعتهم الدقيقة.
وكانوا يعرفون العلاج الطبيعي لأمراض كانت شائعة في ذلك الزمان؛ يعرفون نباتًا يخفف الصداع، وآخر يوقف نزيف الدم، وعشبًا يُسكّن ألم الأسنان، وأوراقًا تُغلى لخفض الحمى.
كانت المعرفة الطبية متداولة شفهيًا، تُنقل من كبير إلى صغير، ومن راعٍ إلى مزارع، ومن أم إلى ابنتها.
لقد ذبحوا كثيرًا من المواشي، وسلخوا جلودها، وعرفوا تشريح أجسادها وأعضاءها، ورأوا بأعينهم القلب والكبد والرئتين، وفهموا الفروق بين الحيوان السليم والمريض، بل عرفوا مبكرًا ما يهتم به علم الحيوان والطب البيطري.
لم تكن دروس الأحياء جديدة عليهم؛ كانت إعادة تنظيم علمي لما عرفوه بالخبرة والممارسة.
أما النباتات، فكانوا يعرفون أنواعها وأسماءها وطبائعها ومواسم نموها، والظروف التي تتعايش معها، وأسماء أجزائها، والمناطق التي تنبت فيها.
كانوا يميزون الروائح، ويعرفون عطور الأزهار، ويفرقون بين نبات نافع وآخر سام، وبين شجرة تُثمر وأخرى تُظلّل.
لقد توارث الصوماليون علمًا شفهيًا عميقًا؛ علمًا لا يوجد كله في الكتب، بل في الصدور، وفي التجربة، وفي الذاكرة الجماعية.
ولهذا، حين دخل ذلك الجيل إلى قاعات الدرس، لم يكن يتعامل مع المعرفة بوصفها غريبة عنه؛ بل كان يلتقي بما يعرفه، ولكن بلغة جديدة، وأدوات حديثة، ومصطلحات شرقية وغربية.
كان التعليم بالنسبة إليهم انتقالًا من الفطرة إلى المنهج، ومن التجربة إلى النظرية، ومن الذاكرة إلى التدوين.
وهنا تكمن قوة ذلك الجيل.

الاستاذ عبدالرحمن راغي علي

Share

اقرأ هذا أيضًا