دجّال الوقت»… الفتنة الصامتة في شعبان وكيف تواجهها سورة الكهف

المزيد للقراءة

«دجّال الوقت»… الفتنة الصامتة في شعبان وكيف تواجهها سورة الكهف
====
مع إطلالة شهر شعبان، يقف المؤمن على أعتاب موسم عظيم، هو شهر رمضان المبارك. غير أنّ أخطر ما يواجه الإنسان في هذه المرحلة ليس فتنةً صاخبة ولا عدواً ظاهراً، بل فتنة صامتة متخفية، أطلق عليها بعض العلماء المعاصرين – ومنهم الدكتور محمد راتب النابلسي – وصف «دجّال الوقت».
دجّال لا يُرى… لكنه يسرق الأعمار
«دجّال الوقت» ليس شخصاً، بل هو كل ما يصرف الإنسان عن وعيه بالزمن، ويغريه بالتسويف، ويمنّيه بأن الوقت ما زال طويلاً، حتى يفاجئه رمضان وهو في غفلة.
هو الانشغال المفرط، واللهو المستمر، وتأجيل التوبة، وتأخير الاستعداد، حتى تصبح الأيام – كما يقول النابلسي – رأس مال يُهدر دون شعور: «أنت بضعة أيام، كلما انقضى يوم انقضى بعضك».
سورة الكهف… درع الوعي أمام فتنة الزمن
يرشدنا النبي ﷺ إلى أن قراءة سورة الكهف يوم الجمعة عصمة من فتنة الدجال. وهذا التوجيه لا يقتصر على دجال آخر الزمان فحسب، بل يمتد – في معناه – إلى كل فتنة تُضلّ الإنسان عن الحق، وتخدعه بزخرف الدنيا، ومن أخطرها فتنة الوقت.
فسورة الكهف ليست مجرد تلاوة، بل منهج وعي، تعيد ترتيب الأولويات، وتكشف زيف الملهيات، وتضع الإنسان أمام حقيقة الفناء والمآل.
الغفلة وسلطان الدنيا: درس صاحب الجنتين
تعرض السورة نموذج الإنسان المفتون بزينة الحياة الدنيا في قصة صاحب الجنتين؛ حيث يظن أن ما بين يديه دائم، فيغفل عن الآخرة.
وهنا يتجلى دور سورة الكهف في كسر وهم «دجّال الوقت»، الذي يدفع الإنسان إلى الغرق في التفاصيل اليومية، وينسيه أن كل دقيقة في شعبان هي فرصة إيمانية ثمينة للاستعداد لرمضان.
الكهف… ملاذ الطاعة في زمن الضجيج
كما آوى الفتية إلى الكهف حفاظاً على دينهم، فإن المؤمن اليوم مدعو إلى أن يأوي إلى كهف الطاعة:
كهف القرآن، وذكر الله، ومحاسبة النفس، في مواجهة ضجيج الشاشات، والأسواق، وكثرة الكلام.
فالآية الكريمة:
{فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ}
تحمل رسالة متجددة لكل من يبحث عن السكينة والثبات في زمن التشتت.
«فأتبع سبباً»… مواجهة التسويف بالفعل
ومن أعظم دروس السورة قصة ذي القرنين، التي تؤسس لمنهج عملي في مواجهة الفتن: الأخذ بالأسباب.
أكبر أكاذيب «دجّال الوقت» هي التسويف: سأبدأ غداً، سأستعد لاحقاً.
بينما يعلّمنا القرآن أن الاستعداد الحقيقي يبدأ بالحزم، والتنظيم، والعمل المبكر، لا بانتظار لحظة مثالية لن تأتي.
خلاصة إيمانية
إن سورة الكهف في شعبان ليست قراءة اعتيادية، بل بوصلة روحية تعيد الإنسان إلى وعيه، وتحصّنه من أخطر أعدائه: إضاعة الوقت.
فمن غلبه «دجّال الوقت» في شعبان، دخل رمضان بجسدٍ صائم وقلبٍ غافل، أما من وعى الدرس، فقد دخل الشهر وهو مستعد بروحه قبل جسده.
وفي الجمعة الأولى من شعبان، يبقى السؤال مفتوحاً:
هل نسمح للوقت أن يُسرق منا، أم نعتصم بالكهف قبل أن يدركنا رمضان؟

Share

اقرأ هذا أيضًا