رحلة العلم والتزكية: صفحات من حياة الشيخ محمد الهادي القاضي الحاتمي

المزيد للقراءة

رحلة العلم والتزكية: صفحات من حياة الشيخ محمد الهادي القاضي الحاتمي
في دروب النفس، وحين تمتزج المعرفة بالروحانية، تبرز منارات تهتدي بها القلوب؛ ومن سراج هذه المنارات في القرنين الرابع عشر والخامس عشر الهجريين، يسطع ذكر الشيخ محمد الهادي قاضي الحاتمي (رحمه الله).
وكما جاء في الترجمة المختصرة التي خطّها ابنه محمد الأمين، فإن الشيخ كان عالماً جمع بين ظاهر الفقه وباطن السلوك، وبين الدعوة والتربية، والبيان والروحانية؛ فكان مدرسة قائمة بذاتها تركت أثرها في أجيال من العلماء وطلبة العلم داخل الصومال وخارجه.
أولًا: النشأة والبيئة العلمية
وُلد الشيخ في مدينة “براوة” الساحلية عام 1934م (1353هـ)، ونشأ في بيتٍ يتنفس العلم والصدق والأمانة. كانت جدته لأبيه حافظةً للقرآن ومُحفِّظةً له، بينما كانت جدته لأمه من أشهر معلمات القرآن في المدينة. هذا الجوّ الأسرِي العميق، المفعم بالقرآن ومكارم الأخلاق وقيم التجارة الأمينة، شَكَّلَ لديه وعيًا مبكرًا بضرورة الجمع بين العلم والسلوك، وبين العبادة والأمانة.
ثانيًا: طلب العلم والتكوين الروحي
بدأ الشيخ رحلته العلمية مبكراً، حيث تلقى مبادئ العلوم الشرعية في “براوة”، ثم انتقل إلى “بارطيرا” وهو يناهز الرابعة عشرة، مواصلاً تحصيله العلمي بالتوازي مع مشاركته والده في التجارة. وقد كانت وصية والده له: “اطلب العلم وأنا أكفيك المعيشة”، شعلةً أضاءت طريقه نحو التفاني في طلب المعرفة.
تَعمَّق الشيخ في الفقه الشافعي، ودرس متون النحو والصرف والتفسير، ثم توسّع في “مقديشو” بدراسة الحديث وكتب السلوك، مع اطلاعه على أمهات كتب التصوف مثل “الحِكم العطائية”. كما حصل على إجازات في الطريقة النقشبندية، ليجمع بذلك بين الفقه الظاهر والسلوك الباطن، مجسداً التوازن الذي عُرف به علماء الصومال المتأثرون بالمدرسة الشافعية الصوفية.
ثالثًا: شخصية الشيخ العلمية والدعوية
كان الشيخ مرجعًا في الفقه الشافعي، متمكنًا من العربية، وشاعرًا بارعًا في المدائح النبوية باللسانين العربي والبراوي. تميز أسلوبه بالجمع بين الوضوح والعمق الروحي، وربط النصوص الشرعية بالواقع، مع التركيز على التربية قبل التلقين.
في عام 1975م، عُيّن خطيبًا لمسجد “مرواس” بمقديشو، حيث أظهر ثباتًا واستقلالية في الكلمة، ونأى بنفسه عن أن يكون بوقًا رسميًا حين حاولت السلطة فرض خطب موحّدة، ثم عاد للمنبر بعد رفع تلك الإجراءات.
رابعًا: جهوده في رابطة العالم الإسلامي
في مطلع الثمانينيات، التحق الشيخ بالرابطة بعد اجتيازه الاختبارات العلمية بتفوق، واختير داعية في مخيمات اللاجئين بـ “قريولي”. وشملت جهوده هناك:
• تدريس العلوم الشرعية واللغة العربية.
• عقد حلقات علمية للعلماء المتواجدين بين اللاجئين.
• الإشراف العام على الدعاة.
• وقد أثمرت دعوته عن اعتناق ما يقارب 300 شخص للإسلام.
كان يرى الدعوة مسؤولية تربوية ممتدة، لا مجرد خطب عابرة، مُركزاً على إصلاح القلوب قبل تقويم العادات.
خامسًا: الهجرة إلى ممباسا وأثره فيها
عقب الحرب الأهلية عام 1990م، هاجر الشيخ إلى “ممباسا”، حيث قضى نحو 27 عامًا إمامًا وخطيبًا ومفتيًا للجالية الصومالية والبراوية. وهناك:
• تولى الإمامة في مسجد “باشيخ”.
• تصدى للفتوى في النوازل والأنكحة.
• خرّج جيلاً من الدعاة والعلماء.
• أصبح مرجعًا اجتماعيًا للإصلاح بين الناس.
كان مجلسه واحةً تجمع بين العلم والأُنس، وبين الوقار والبِشر، مُظهِراً التناغم بين الفقه والتصوف، والعمل والدعوة.
سادسًا: آثاره العلمية والأدبية
كان الشيخ شاعرًا مُجيدًا، وله ديوان في المدائح النبوية والرقائق. ومن نتاجه العلمي:
• كتاب في النحو بعنوان: “الإرشاد لمن يريد النطق بالضاد” (وهو مخطوط فُقِد للأسف).
• أمالي وشروحات على “لامية الأفعال”.
• مجموعة خطب تربوية وروحية، تهدف لربط اللغة بالدعوة والفكر الإيماني.
كما تميز بجهوده في تيسير العلم للنساء عبر اللغة البراوية، مؤمنًا بأن اللغة جسرٌ بين النص والروح.
سابعًا: شمائله وسلوكه
عُرف الشيخ بتواضعه الجم؛ فكان يحضر مجالس من هم أصغر منه سنًا، ويقبل النقاش والمراجعة. ومن أبرز سماته:
• المواظبة على قيام الليل.
• كثرة الصلاة على النبي ﷺ.
• تقديم العبادة على راحة الجسد، حتى أنه رفض إجراء عملية جراحية خشية أن تعطله عن السجود.
ثامنًا: الوفاة
بعد وفاة والدته، تحققت أمنيته بالانتقال إلى المدينة المنورة ليُجاور النبي ﷺ. وتوفي عام 2018م إثر جلطة دماغية بعد مرض قصير، ودُفن في البقيع بعد صلاة الجمعة، ليسدل الستار بذلك على حياة حافلة بالتفاني في العلم والتزكية.

Share

اقرأ هذا أيضًا