يعتبر عدم الاستقرار السياسي في الصومال عائقا مهما في مجالات عدة من بينها الأمن والاستقرار، والازدهار الاقتصادي، والاستثمار الخارجي، وتنمية الدخل القومي، والاستفادة من الخيرات الوطنية، ومنذ تشكيل الحكومات الانتقالية في الصومال مطلع الألفية الثالثة الميلادي عانت البلاد من عدم الاستقرار السياسي بين المؤسسات الحكومية وبين مكونات المجتمع الصومالي.
ويتفق من إستطلعت – قراءات صومالية – آرائهم حول الخلافات السياسية على أن التجاذبات السياسية بين المسؤولين الصوماليين حول المناصب والنفوذ وصلت إلى سقف لا يطاق، وهو ما يؤدي إلى إطالة أمد النزاع السياسي في الوطن، ويعرقل الجهود الصومالية الجادة لتجاوز مرحلة الإنقسام السياسي.
وفي حال لم يحتو الفرقاء الصوماليون حالة الإحتقان السياسي فإن فرصة تحقيق مصالحة سياسية حقيقة بين اللاعبين السياسيين الكبار ستكون شبه معدومة وهو ما يشكل تهديدا وجوديا لمستقبل الدولة الصومالية، كما أن إستمرار الفوضى السياسية إلى أجل غير معلوم ستدمر سمعة الصوماليين، وقلة حيلتهم إدارة شؤون حياتهم برغم أنهم يشتركون كل عوامل الاستقرار.
مفهوم عدم الاستقرار السياسي:
ويعرّف الدكتور حمدي عبدالرحمن حسن أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة مفهوم عدم الاستقرار السياسي بقوله ” عدم مقدرة النظام على تعبئة الموارد الكافية لاستيعاب الصراعات في داخل المجتمع ، بدرجة تحول دون وقوع العنف فيه “، كما أورد تعريفا آخر وهو “عدم قدرة النظام على التعامل مع الأزمات التي تواجهه بنجاح، وعدم قدرته على إدارة الصراعات القائمة داخل المجتمع بشكل يستطيع من خلاله أن يحافظ عليها في دائرة تمكنه من السيطرة والتحكم فيها ، ويصاحبه استخدام العنف السياسي من جهة ،وتناقص شرعيته، وكفاءته من جهة أخرى ”
الاستقرار السياسي الذي نتحدث عنه هو عدم تغيير الحكومة الصومالية الفدرالية المناصب الوزارية لفترة مناسبة، ولكن تغيير الوزير دون أن يكمل عاما واحدا، وتغيير الحكومات ثلاثة مرات خلال كل أربع سنوات تعطي مؤشرا قويا بوجود خلل في النظام السياسي، أو في القيادة العليا للوطن.
ومن الأهمية بمكان الإستفادة من تجارب السنوات الماضية لتفادي وقوع الخنادق السياسية المكهربة والتي لا تزال مفتوحة ولكنها تتنظر من يغلقها ويفتح أفاقا جديدة للسياسة الصومالية.
الأسباب:
ويرجع الأستاذ عبدالعزيز عرتن الباحث في الشؤون الصومالية ظاهرة الخلافات المزمنة في الصومال إلى إنهيار الدولة 1991م وسيادة الفوضى، وانتشار ثقافة الأنانية الجامحة للسيطرة الفردية أو الأقاليمية أو العشائرية؛ بدلاً من ثقافة الحوار الهادف المبنية على التنازل لصالح العام، إلى جانب غياب السلطة الفاعلة والمؤسسات القوية ذات المصداقية.
ومن الطبيعي أن يسود الخلاف والاختلاف في كل صغيرة وكبيرة من شؤون البلاد، مما يؤدي إلى عدم الاستقرار السياسي أولا، ثم الجوانب الأخرى كالإقتصاد والأمن، وهذا هو وضع الصومال منذ أمد ليس بالقصير مع إقرارنا بتفاوت هذا الأمر وتحسّنه تدريجياً.
الخلاف المتكرر بين أقطاب الحكم كالرئيس ورئيس الوزراء، وبين رئيس الحكومة وبين وزرائه، وبين البرلمان والرئاسة، وبين الحكومة والمعارضة، وبين الحكومة الفدرالية وحكومات الأقاليم، كل هذا أصبح معتاداً ولأتفه الأسباب أحيانا، أو حتى في أسباب مصطنعة ومفتعلة، مما جعل بعض السياسيين مسخرة الجميع، وجعل الشعب في أحيان كثيرة يسأم من السياسة ويفقد الأمل في عودة بلاده إلى الإستقرار والحياة الطبيعية.
أما الأستاذ أحمد غيسود أستاذ الإعلام فيري أن الأزمة تكمن في تداخل السلطات والصلاحيات بين رئاسة الجمهورية وبين رئيس الوزراء وذلك بسبب تناقض وتضارب بعض مواد الدستور، كما أن شح الموارد المالية في البلد يغذي النراع السياسي حيث أن أغلب من ينخرط في السياسة يبحث عن تحقيق الثراء السريع لتأمين معيشته، ما يعني أن السياسة أصبحت مهنة من لا مهنة له.
ويضيف غيسود سببا آخر وهو خصخصة النظام السياسي وذلك بالإعتماد على نظام المحاصصة القبلية التي عمقت الخلافات السياسية بين الكيانات الصومالية السياسية.
تغيير الحكومات الصومالية في كل عام أو عامين تقريبا يكرس ثقافة الإنقسام السياسي وعدم الاستقرار في الوطن، فمثلا فمنذ ميلاد الحكومات الإنتقالية الصومالية عام 2000م فقد تعاقب على منصب رئيس الوزراء 12 سياسيا تقريبا.
وبالتالي فإن عدم الاستقرار الوظيفي في الدولة الصومالية سواء أكان رئيس الوزراء، أو الوزير، أو المناصب السيادية الأخرى تعد سمة من سمات عرقلة التنمية الحكومية.
وقال مبعوث الأمم المتحدة الخاص السابق نيك كاي في تصريحات أدلى بها إلى وكالة رويترز 2016م إن الصومال لن يصل إلى تحقيق سلام دائم دون بناء دولة، وأن التأخير الناجم عن التناحر السياسي سيؤثر على العملة.
كما أن إعداد دستور دائم وطرحه للإستفتاء يتطلب تحقيق توافق سياسي، وإنهاء حالة الإنقسام بين السياسيين الصوماليين.
وقد حث المانحون الدوليون والإقليميون السياسيين الصوماليين على تنحية خلافاتهم خشية أن تستغل حركة الشباب المتطرفة حالة عدم الاستقرار والفراغ السياسي.
ويري الأستاذ عبد النور يوسف أحمد أن التدخل الخارجي السلبي في الأزمة السياسية الصومالية، وضخ الأموال إلى طرف دون آخر، ومحاولات فرض مشروع سياسي على فريق سياسي دون آخر يعد من أبرز الأسباب التي تغذي النزاع السياسي.
الحلول
ويطرح الأستاذ عبدالعزيز عرتن حزمة من المقترحات لإحتواء الخلافات السياسية وهي:
1. إجراء حوار مجتمعي لتحقيق المصالحة، إلى جانب برامج توعية سياسية وتثقيف عام، لوضع الجميع أمام مسؤولياتهم الوطنية كل في دوره ومكانه، للخروج من الأنوية السائدة في البلاد.
2. تصحيح وتقوية مفهوم الفدرالية في البلاد كى لا تكون الفدرالية منبع مشاكل جديدة نحن في غنى عنها.
3. بناء وتقوية السلطات القضائية في البلاد لكى تكون باستطاعتها فصل النزاعات السياسية بعدالة ودون انحياز لطرف دون آخز.
أما الأستاذ أحمد غيسو فيري أن الإستفادة من التجارب السابقة، والأناة السياسية، وسياسة الأبواب المفتوحة هي كفيلة بتحقيق إستقرار سياسي في البلد.
ويضيف الأستاذ عبدالنور مقترحات أخري وهي: ضرورة الاستقرار الوظيفي، وإنشاء المحكمة الدستورية، وعقد مؤتمرات مصالحة في جميع المدن الصومالية الرئيسية لتحقيق مصالحة شاملة، وتحرير القرار الوطني من الإملاءات والتدخلات الخارجية.


















