على أعتاب الأربعين.
وصلني قبل أيام كتاب (على أعتاب الأربعين: لمحات ورحلات) للشيخ المهندس منير الشيخ عبد الله بن الحاج عبد السلطان، هدية كريمة منه، فله مني جزيل الشكر على هذا الإهداء الكريم. ينتمي هذا الكتاب إلى جنس أدبي مركّب، تتداخل فيه السيرة الذاتية مع أدب الرحلة، وتتشابك فيه الشهادة على العصر مع الوقائع التاريخية، واليوميات الشخصية، في نسيج واحد صاغه الكاتب بأسلوب أدبي رشيق، وروح فنية واضحة، وقلم سيّال، يدل على ثقافة واسعة، وتكوين معرفي متين. وهو في ذلك لا يقدّم مجرد سرد لحياته، بل يعرض تجربة إنسانية تتقاطع فيها الذاتي بالعام، والفردي بالجماعي.
ويثير عنوان الكتاب (على أعتاب الأربعين) سؤالا مشروعا: ما سر اختيار سن الأربعين تحديدًا؟ وقد أفاض الكاتب في الإجابة عن هذا السؤال في الصفحات (232–234)، رابطا هذه المرحلة العمرية بدلالاتها الدينية والرمزية في الثقافة الإسلامية، من حديث خلق الإنسان في بطن أمه، إلى رمزية الأربعين في مسار النبوة، ونزول الوحي، ومواعدة موسى عليه السلام. ويخلص الكاتب إلى أن الأربعين تمثل مرحلة فاصلة في حياة الإنسان، وسطا بين اندفاع الشباب وبدايات الفتور، وهي لحظة تأمل ومراجعة، أكثر منها لحظة حصاد نهائي.
وقد يتساءل بعض القرّاء: أليس من المبكر كتابة السيرة الذاتية في هذا العمر؟ غير أن هذا الاعتراض يتلاشى لمن يعرف تكوين الكاتب ونشأته. وقد استحضرت وأنا أقرأ هذا الكتاب قول محمود عباس العقاد في كتابه (أنا) “لقد كنت شيخًا في الشباب، بل كنت شيخًا في الطفولة الأولى قبل أن أجاوز سبع سنوات”. فكاتبنا مثل أستاذنا العقاد كان شيخا في طفولته؛ نشأ في بيت علم وفضل، وتلقّى علوم اللغة والشريعة منذ نعومة أظفاره على يد والده، إلى جانب من هم أكبر منه سنًا، فكان نضجه المعرفي سابقا لعمره الزمني. ومن كان هذا شأنه لا يُستكثر عليه أن يدوّن سيرته وهو على أعتاب الأربعين، إذ العبرة ليست بعدد السنين، بل بثراء التجربة وعمق الوعي.
ومن أجمل فصول الكتاب حديث الكاتب عن مدينة بورعكر، مسقط رأسه؛ إذ يكتب عنها لا بوصفها مكانًا جامدًا، بل ككائن حيّ مشبع بالذكريات والعلاقات الإنسانية. ويتحوّل السرد هنا إلى استعادة حميمة للأشخاص والأمكنة،ك في لغة تُشعِر القارئ بمتانة الروابط التي نسجها الكاتب مع محيطه، روابط سداها الحب، ولحمته الرحمة. أما حديثه عن والدته، فيشكّل الذروة الوجدانية للكتاب. إنه نص نابض بالحب والوفاء، بالغ الصدق والتجرد. ولا أذكر أنني بكيت متأثرًا في قراءاتي إلا ثلاث مرات: الأولى: مع كتاب (الأيام) لطه حسين، عند حديثه عن وفاة أخيه الأكبر بسبب وباء الكوليرا سنة 1903؛ في تصوير بالغ الحزن، فاضت له الدموع حتى بلّت الكتاب. والثانية فاجعة الأديب الكبير أحمد حسن الزيات بوفاة ابنه رجاء، فكتب فيما كتب:”يا قارئي، أنت صديقي، فدعني أُرقْ على يديك هذه العبرات الباقية” لكنه لم يرق عبرات، بل أراق سيولا من التفجّع ينفطر له القلب. أما الثالثة فكانت عند قراءتي مشهد وفاة الوالدة تمام في (على أعتاب الأربعين)؛ وما بلغت مشهد اللحد، حتى اغرورقت عيناي بالدموع، وأطبقت الكتاب، ولم أعد إليه إلا بعد ساعات، حين سكنت النفس وخفّ البثّ.
ويقدّم الكتاب كذلك صورة دالّة عن مسار الكاتب العلمي، حين جمع بين دراسة الشريعة وهندسة الحاسوب، في مفارقة ظاهرة، لكنها في العمق تعبير عن توازن بين الأصالة والمعاصرة. فهو بعلمه الشرعي متصل بجذوره، وبعلمه التقني منفتح على عصره. ويعرض الكتاب إلى التصادم الذي يقع أحيانا بين رغبة الوالد وطموح الولد، إذْ كان الشيخ عبدالله والد الكاتب أعدّ ولده للتخصص في الشريعة الإسلامية، ولكن الكاتب لما ذهب إلى السودان لمواصلة الدراسات العليا سجل في هندسة الحاسوب، فلمّا علم الفتى سخط والده، وعدم رضاه عن تفضيله التخصص في هندسة الحاسوب على التخصص في هندسة الشريعة، سجّل في كلية أصول الدين؛ فأرضى بذلك طموحه، كما أرضى رغبة والده، فتخرّج شيخا في الشريعة، مهندسا في الحاسوب، فهو منذ ذلك الوقت أخذ لقبه الشيخ المهندس، فعلمه بالشريعة يربطه بتراثه، ويدلّ على الأصالة، وعلمه بالحاسوب يشير إلى علاقته بالحداثة، ويدل على المعاصرة. ذكرتني هذه القصة بقصة شبيهة حدثت لأديبنا الكبير توفيق الحكيم، لما أرسله أبوه لدراسة القانون في فرنسا، فعدل عن دراسة القضاء إلى دراسة الأدب المسرحي والفنون.
وخلاصة القول: (على أعتاب الأربعين) كتاب ممتع، يروي سيرة عصاميّ، ولد في بيئة مضطربة، ونشأ في بلد أنهكته الصراعات، وانهارت فيه الدولة، وكانت كل الظروف مثبّطة عن الطموح إلى حياة إنسانية راقية، غير حياة الحروب والقتل والدم، ولكن الفتى الشيخ المهندس شقّ لنفسه طريقه الخاص في خضم هذه الموجات المتلاطمة والعواصف العاتية، فلم يستسلم للواقع، وإنما دفع الواقع بالواقع، ولم يخضع للقدر، وإنما واجه القدر بالقدر، فجدّ واجتهد، وطمح إلى حياة أرقى ومستقبل افضل، فحقّق الكثير من طموحاته، وظفر بأمنيته، بعون الله اولاً، وبجهاده واجتهاده ثانيا. وفي ذلك قدوة للشاب الطامح، ودرس لمن يقصّر في بلوغ آماله، ثم يلوم الظروف، ويشكو الزمان، ويلعن الدّهر، وفي كتاب (على اعتاب الأربعين) شاهد على أن العيب فينا، وليس في الزمان ولا في الظروف، وأن الإنسان متى تسلح بالصبر، وقوة الإرادة، ووضوح الهدف، وصلب العزيمة، يمكنه أن يكسر القيود، ويعبر السدود، فلا يعيقه عائق عن بلوغ الهدف، وتحقيق الأمل.
الأستاذ/عبدالواحد الشافعي

















