فكرة بناء مستشفى إقليمي كبير في الصومال

المزيد للقراءة

فكرة بناء مستشفى إقليمي كبير في الصومال

إنّ الصومال، إلى جانب بلدان الجوار مثل إثيوبيا وكينيا واليمن وعُمان، بحاجةٍ ماسّة إلى مستشفى إقليمي كبير ومتخصص؛ مستشفى قادر على إجراء الجراحات الكبرى، وعلاج الأمراض الخطيرة مثل السرطان والأمراض النادرة، واستقبال حالات الطوارئ على مدار الساعة.

إنّ بناء مستشفى بهذا الحجم ليس مجرد مشروع صحي، بل مشروع إنساني واقتصادي وحضاري في آنٍ واحد. فمن يُنشئ مثل هذا الصرح سيجني مالًا حلالًا من خدمة الناس، وسيحظى – بإذن الله – بثواب عظيم ودعاء صادق يخرج من قلوب المرضى وذويهم. وقد يحقق هذا المشروع من العائدات ما يفوق ما تحققه الحكومة الصومالية من ميناء مقديشو، ومع ذلك سيبقى صاحبه محل دعاء الناس وامتنانهم؛ لأنهم تعبوا طويلًا من السفر إلى تركيا والهند وماليزيا بحثًا عن العلاج. وكثيرًا ما تتدهور حالة المريض وهو ينتظر ترتيبات السفر أو الحصول على موعد للعلاج في الخارج.

هذا المستشفى لن يكون للصومال وحده، بل سيكون مستشفى إقليميًا يستقبل المرضى من عدة دول. والمدينة التي يُبنى فيها هذا المشروع ستتغير ملامحها سريعًا؛ إذ ستنمو وتتوسع، وتزدهر فنادقها ومساكنها، وتمتلئ شوارعها بالناس. وستتحول إلى قبلة للمرضى والمصابين والجرحى، ولن يبقى فيها سائق أجرة بلا عمل، ولا مطعم يشكو قلة الزبائن.

ومع تزايد حركة الناس، ستنمو المدينة عمرانيًا واقتصاديًا؛ فتُشيَّد المباني الحديثة، وتُقام الفنادق بمختلف مستوياتها، وتُبنى العقارات متعددة الطوابق للإيجار، وتنشأ أحياء جديدة تضم مساكن وحدائق ومساجد ومحلات تجارية تمتلكها شركات محلية. كما ستنشط مشاريع خدمية أخرى مثل الصالات الرياضية، وقاعات المؤتمرات، ومراكز الخدمات المختلفة.

وسوف تحتاج هذه المدينة المتنامية إلى خضروات طازجة تُجلب من حدائق وبساتين قريبة نسبيًا، كما ستنشط حركة النقل وسيارات الأجرة، وتزدهر المقاهي الشعبية ومقاهي الشاي التقليدية التي تشكل جزءًا من الحياة الاجتماعية في المدن الصومالية.

ومع توسع فرص العمل وازدهار السوق، سيقلّ نزوح الشباب من تلك المنطقة؛ لأنهم سيجدون فرصًا كافية للعمل والعيش الكريم داخل مدينتهم. كما سيزداد استقرار العائدين من المهجر في أوروبا وأمريكا والخليج وأفريقيا وبعض بلدان آسيا، فتتحول المدينة إلى ملتقى للثقافات واللغات واللهجات، ويصبح المجتمع أكثر تنوعًا وانفتاحًا. وحتى الزواج سيصبح أسهل، مع اتساع المجتمع وتعدد البيئات والثقافات.

ولأن هذا المستشفى سيكون مركزًا صحيًا متقدمًا، فإن كبار المسؤولين  بل وحتى الشخصيات السياسية ، سيضطرون إلى نقل مرضاهم إليه عند الحاجة. وبذلك ستكتسب المدينة احترام الجميع؛ لأنها ستصبح، عمليًا، عاصمة الصحة في الصومال، ومدينة لا غنى عنها لأحد، سواء كان مسؤولًا أو مواطنًا عاديًا.

ومع ازدهارها واستقرارها، سيقبل عليها العلماء وطلبة العلم، لكونها مدينة صاعدة وواعدة، تتوفر فيها فرص العمل والحياة الكريمة، وتتنوع فيها البيئات الإنسانية.

ومن الجميل أن يقترن هذا المشروع بمبادرات خيرية دائمة؛ كإنشاء وقف إسلامي يضم مدارس ومزارع وعقارات مخصصة لدعم الأسر المحتاجة التي يعاني أحد أبنائها من مرض مزمن. كما يمكن إنشاء صندوق تبرعات للمرضى، يساهم فيه القادرون من المرضى وذويهم، فيتحول مع الوقت إلى نواة لوقف خيري كبير يخدم المحتاجين.

ويمكن كذلك إنشاء صندوق خاص لمساعدة المرضى الفقراء على الوصول إلى المستشفى وتلقي العلاج، حتى لا يضطر أحد للبقاء في قريته وهو بحاجة إلى مستشفى كبير وحديث.

إن إنفاق المال في مشروع حلال نافع كهذا، يرثه الأبناء والأحفاد، خير وأبقى من إنفاقه في رشوة محرمة شرعًا وعقلًا من أجل منصب زائل لا يلبث أن يضيع. فالمشروع الذي يجمع بين خدمة الناس، وتنمية البلاد، وكسب الرزق الحلال، والتقرب إلى الله، هو – بلا شك – تجارة رابحة في الدنيا والآخرة.

إنه مشروع يحقق الخير للبلاد والعباد، ويوفر على المرضى عناء السفر والانتظار، ويخلصهم من مشقة البحث عن مترجم أو طبيب في بلاد بعيدة، ومن استغلال السماسرة والوكلاء. وهو، في الوقت نفسه، عمل كريم يترك أثرًا دائمًا في حياة الناس، ويكتب لصاحبه ذكرًا حسنًا لا ينقطع.

ومن المدن المناسبة لاحتضان هذا المشروع مدينة قرضو؛ فهي مدينة تمتاز بأجوائها اللطيفة، وطيبة أهلها، ومراعيها الخصبة، وجودة ألبان مواشيها ، ووفرة اللحوم فيها، وكونها في إقليم الشرق وبه خيرات الأرض وبركات كثيرة.  وهي كذلك مدينة تقع في قلب أربعة ضواحي من أجمل ما تراه العين ، وقد وصفها محمد عبد الله حسن ضمن أجمل مناطق الأمة الصومالية.

ويمتاز أهلها بالود واحترام الزائر والمقيم، وهي بيئة اجتماعية مطمئنة يشعر فيها الإنسان بالأمان والقبول. كما أن للمدينة ريفًا وبادية واسعة، بطبيعة هادئة ونقية، تصلح لأن تكون مكانًا مناسبًا للنقاهة الصحية بعد الخضوع لعمليات جراحية معقدة؛ حيث يحتاج المريض إلى الهواء النقي والسكينة والبيئة الطبيعية الهادئة ليستعيد عافيته تدريجيًا.

وتُعرف هذه المنطقة كذلك بترحيبها بالمستثمرين، أيًّا كانت خلفياتهم، بروح من الانفتاح وحسن الاستقبال. وهي بيئة تُحترم فيها الملكية الخاصة احترامًا كبيرًا، فلا يُتصوَّر فيها أن تُصادر ممتلكات إنسان ، سواء كانت سيارة أو عقارًا أو شركة – بسبب نزاع عابر أو ظرف سياسي متغير.

كما أن في هذه المدينة وأهلها إرثًا من الخبرة الاجتماعية والقيادية؛ فقد خرج منها رجال تولّوا مواقع في الملك والرئاسة والقيادة، وهم قوم يعرفون أصول الحضارة، ويقدّرون قيمة العمران والاستثمار وبناء المدن. ولهذا كله تبدو قرضو مكانًا جديرًا بالتفكير الجاد ليكون موطنًا لمثل هذا المشروع الصحي الكبير.

الكاتب عبدالرحمن راغي علي

Share

اقرأ هذا أيضًا