“كالمستجير من الرمضاء بالنار”

المزيد للقراءة

كنت قد شرعت في كتابة كتاب حول المدرسة السلفية في الصومال في وقت سابق، كنت حينها لا أزال أنظر إليها بشيء من المثالية المفرطة بحكم نشأتي على هذا الفكر، ومع انتهائي من الكتاب ومراجعتي له لم أجده يخدم الغرض الذي كتبت من أجله، لأسباب عدة أهمها أن نصف الكتاب أصف فيه ما كنت أعده إنجازا لهذه المدرسة، وبعد إمعان النظر بدا لي كلامي كأنه التعبير الشهير الذي يستخدمه اللّطفاء حين يريدون نقد شخص ما قائلين: ” مع فائق الاحترام،لكنك…” ووجدت أن جزء كبيرا من الكتاب لا يقل عن سبعين صفحة لم يخرج من هذا المعنى اللطيف، وبعدها حال بيني وبين الكتاب الموج فكان أو كنت من الهالكين، إلا أنه لا يمنع من أن أقول ما أريد قوله على شكل مقالات لا ألزم نفسي الوصول إلى الغاية القصوى، متماشيا مع الأحداث ذات العلاقة، وأود أن أقدم في هذه المناسبة احترازا واحدا بدلا من احترازاتي الكثيرة التي حدثتكم عنها آنفا وأقول بأن ما سأضمه هنا هو محاولة لنقد بناء أريد فيه وجه الله وحده ثم صلاح الأمة الصومالية المسلمة التي هي في نظري تعاني من أمور عدة من أخطرها تأثير الفكر السلفي عليه، وإن كان ثمة شيء صارخ يوضح مني هذا القصد فهو كوني كما أخبرتكم رضعت در هذه المدرسة عللا بعد نهل وسكبت على أجداث أنجمها دموعا والله ما ذرفت مثلها ولا أصدق منها، بل أن سبب انشغالي بهذا الموضوع هو هذا الحزن الذي شعرت به بعد مقتل دكتور أحمد الحاج عبد الرحمن من قبل حركة الشباب، وإن أمرا حمل على مثلي هذا النوع من النقد لمدرسته التي هي بمثابة الأم بل هي الأم حقيقة لا مجازا ليس بالأمر المنتحل والمصطنع.

مرّت نصف قرن تقريبا منذ أن ظهر الفكر السلفي في الصومال وهو وقت ليس بالقليل، ورغم ذلك أجد أن الصورة العامة لدى المجتمع الصومالي عن رواد هذا الفكر ليس واضحا إلى يومهم هذا رغم أن السلفيين في الساحة الصومالية بروزا بروزا ساطعا من نواحي كثيرة، فبعد انهيار حكومة برّي عام ١٩٩١ م أصبح لحركات هذه المدرسة محاولات سياسية جادة، إضافة إلى أن الخطاب السلفي هو الأعلى صوتا في الصومال منذ ذلك الوقت، وهذا أمر لا يحتاج إلى دراسة معمقة للوصول إلى النتيجة التي تقول بأن المدرسة السلفية هي الأكثر تأثيرا في العقدين الماضيين، وما يثير التساؤل في الحقيقة هو أن كل هذا الوقت مع كل هذا البروز ما زال إلى يومنا هذا لا يعرف المجتمع الصومالي طبيعة الفكر السلفي، وأزعم أن كثير من أتباع الفكر السلفي لا يدركون أنفسهم بطبيعة أفكارهم ومآلاتها وما يترتب عنها.

إن المدرسة السلفية في الصومال تشكلت مع مرور الأيام ليصبح لها رؤسا ثلاثة لذات الجسد، الرأس الأول متمثلا بحركة الاعتصام “الإتحاد سابقا” وهي أعرضها من حيث الأتباع، والتوجه الجامي أو ما عُرف في الأوساط الصومالية بالسلفية الجديدة، وأخيرا وليس آخرا وحين أقول ليس آخرا أعنيها بحرقة أنها الطامة حركة الشباب المجاهدين وهي أكثرها تأثيرا على المجتمع الصومالي اليوم، فبسببها اليوم لا ينعم الصومال بالأمن الذي كان يستحقه وهو حجر أساس أي حياة وتقدم في أي مجتمع، وما يثير استغرابي في الحقيقة هو أن الناس لا يكلّون من أن يشكوا إلى روّاد حركة الإتحاد على سبيل المثال أو ما كان على مزاجهم ما يعانون من حركة الشباب المجاهدين، ويعوّلون على خطابهم بأن يزيح خطاب حركة الشباب، وينصبون لهذا الخطاب المنابر الإعلامية لمحاربة فكر حركة الشباب، وهو أمر يثير الدهشة والغرابة لمن يعرف التوجه السلفي حق المعرفة، ولذلك أعتقد أنه من المهم أن يتم الجواب على الأسئلة الجوهرية لتعريف هذا التوجه تعريفا دقيقا ولمعرفة الفروقات الأصلية والفرعية للأمزجة الثلاثة لهذا الرؤوس السلفية في الصومال.

ما الفرق بين هذه التوجهات السلفية الثلاثة؟!

بالطبع هناك فروق أهمها الأسماء، وأعني بذلك بتعبير آخر أنه لا فرق جوهري بينهم كما أنه لا فرق جوهري بين سيارات مصنوعة من شركات مختلفة، فجميعها سيارات وجميعها يعملون على ذات الآلية، ربما تهتم شركة بالسرعة وتولي ذلك اهتمامها، وأخرى مهتمة بالراحة وتصب جهودها في سبيل خدمة هذا الغرض، وغيرها من التوجهات التي لا يمكن أن يخل بمضمون ما يعرّف اليوم بالسيارة لدى الناس، وأعتقد أن هذا هو الواقع بين التيارات السلفية التي لدينا اليوم، بدليل أننا لو أتينا بشيخ من كل مدرسة وطرحنا عليهم سؤالا واحدا وهو ما حكم الدساتير أو بالأحرى الدستور الصومالي اليوم لا أشك أنهم سيعارضون جميعهم وبشكل صارخ مع فروق في اللهجة، فمنهم من يقول الدستور جيد لكنه يتضمن كفرا وسيحاول بشتى الطرق أن يغير ولو بالقوة شريطة أن تكون الفرصة سانحة، ومنهم من يقول: من يعمل على أي دستور فهو كافر مرتد وسنحاربه ونقتله أو نموت فنعذرا، والأخير بين هذا وذاك قائلا: إنه كفر لكننا لا يسعنا إلا أن نتبعه، وأعتقد أن الجميع أدرك من يقول بماذا بين تلك الإجابات الثلاثة التي تبدوا مختلفة ظاهريا، إلا أنها واحدة في المضمون وهو أن التوجه السلفي ينفي نفيا قاطعا الدساتير والقوانين الوضعية، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يوافقوا على قوانين وضعية، وإن كان هناك تنازلا ما فسيأتي من قبل حركة الاعتصام التي في الحقيقة تبذل جهدا كبيرا في مجاراة المجتمع الصومالي بحكم شريحتها العريضة التي تمتد بين الداخل والخارج، وهو تنازل لا أظنه مبنيا على معالجة فكرية أكثر من كونه تأثير الناس والرأي الجمعي مثل كثير من المسائل التي تنازلت عنه هذه المدرسة، فآخر ما كنا نسمع منها أن التصوير الفوتوغرافي حرام، وبعد ما حصل الذي تعلمونه وبدون أي مراجعة فكرية معلنة أصبح التصوير حلالا، وربما محببا لدى كثير منهم، ومع هذا فأقصى ما يمكن أن تصل إليه الفكر السلفي “الاعتصام” خاصة هو أن يكون هو من يضع هذا الدستور، وهو وحده دون أن يكون للبرلمان رأيا فيه، وفي تلك الحالة فستجدون أنفسكم أمام دستور لا يصلح بأن يسوس قطيع من الأسود البرية المتوحشة، – كنت سأقول قطيع من الخرفان وهذا أنسب إلى السخرية الحجاجية والتي أجدها مهمة في النقاش الفكري، إلا أنني اليوم في حضرة أستاذي الذي أعرف طبيعته الصارمة- وفي تلك الحالة أعني عندما يفصل ثوبه هذا بنفسه بالشكل الذي يراه صوابا وبدون أن يغتر أعضاء البرلمان ظانين أنهم سيصدقون على هذا الدستور الذي هو من وجهة نظر واضعه أنه الاحتمال الوحيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لما يمكن أن يكون تفسيرا للقرآن الكريم والسنة الشريفة “في تلك الحالة وأعني تلك الحالة فقط يمكن أن يَرد احتمال بأن يكون هذا الدستور دستورا إسلاميا لا يشوبه الكفر والشرك صالحا لإدارة البلاد.

إن مشكلة سلفية الصومال مع مفهوم الدولة التي يحاول المجتمع الصومالي ترسيخه اليوم هي مشكلة جوهرية لا يمكن لها أن تتصالح معه بأي شكل من الأشكال، فليست مشكلتهم في أنهم يشعرون بأن على المجتمع الصومالي منح السلفيين مقاعدا في البرلمان مثلا، أو أن يشكّلوا الأغلبية فيه، بل مشكلتهم مع وجود برلمان ودستور وكل ما يمكن أن يكّون الدولة التي على أذهان الصوماليين، ولو قلنا أن البرلمان وهذه الآليات هي مقاربات بشرية ليست بالضرورة أن تكون الخيار المثالي المتكامل، أو الخيار المناسب للمجتمع الصومالي، وطلبنا منهم طرح رؤية سياسية يمكن أن يقرب بين أطياف المجتمع الصومالي دون الإقصاء الفج، لا يمكنهم أن يزيدوا على مبدأ “لا أريكم إلا ما أرى، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد” إنها مدرسة تجد صعوبة بالغة في فهم الآخر، ولو قلت أنهم لا يحسنون التعامل مع من يخالفهم الرأي من التوجهات الإسلامية الأخرى فسأكون قد نمقت وصفي هذا أكثر ما يمكنه شخص أن ينمق، إننا في هذه الأيام لا تزال الصوفية تحتفل بالمولد النبوي وهاهو الخطاب السلفي يعيد الشريط الذي كان يشغله العقود الأخيرة بأن هذا شرك،وأريدكم أن تتخيلوا حال الصوفي في دولة يكون الآمر الناهي فيه الفكر السلفي؟!

بإمكاني أن أقول واثقا بأن حركة الشباب اليوم تعمل على فتاوي شيوخ حركة الاعتصام التي هي أمها التي ولدتها في سياقها التاريخي، إن الحقيقة التي لا مراء فيها هي أن حركة الشباب اليوم على العهد الذي ضيعته حركة الاتحاد وحملها شباب سبّاقون للخير من وجهة نظر حركة الاتحاد نفسها، وحتى إذا أهملنا الجانب التاريخي المتعلق بعلاقة الحركتين ببعضها فأنا أجادل اليوم بأن فكر حركة الاعتصام “الاتحاد سابقا” حاليا لا يختلف نظريا عن المسائل الجوهرية كتصورهم للجهاد وتكفير كثير من مظاهر وآليات الدولة من الناحية الفقهية النظرية، الفرق الوحيد هو أن الفكر الشبابي طائش كاسمه لتنفيذ ما تراه حركة الاعتصام ضروريا، غير أنهم يختلفون في التوقيت، من كان يعتقد بأن القوانين الوضعية وآليات الدولة ردة، ويعتقد بأن جزاء المرتد قتله فعلام يلوم من يقتل المرتد؟!!!.

حسنا ما الحاصل؟!

الواقع المرّ هو أن مشكلتنا اليوم ليس مشكلة حركة الشباب وحدها، وحتى إذا نجحت الحملة الشرسة التي شنها بعض القبائل الصومالية اليوم على هذه الحركة، فإنه لا يمكن أن تنتهي مشكلتنا على التغلب العسكري من حركة الشباب، في حين أن الفكر السائد كله يقدم خطابا يعضد التوجه المتطرف، وبصراحة تامة لا مراء فيه ولا تملق أعتقد شخصيا أن روّاد الحركات السلفية يحملون هما كبيرا في إصلاح الأمة وتوجيهها إلى ما هو صالح لها، مشكلتنا ليست في أن هذا الفكر لا يريد أن يضع حلا للأزمة التي نحن فيها اليوم، بل إنه لا يستطيع أن يستوعب الأسئلة الضرورية التي يجب أن يطرح في سبيل الوصول إلى حل يبقى أثره.

وأضرب مثالا أختم به هذا المقال الذي لم أكتب فيه كل ما كنت أشعر به لحظة الشروع في كتابته، لكن حسبي من القلادة ما أحاط بالعنق، إنه يحدث كثيرا أن شيخا من شيوخ هذه المدرسة يجد نفسه أهلا لأن يحكم على شخص ما حسب رأيه بالردة، ومع تسليم حكم الردة “جدلا” فإنه يحرض الناس على قتله، بل يرى أن هذه مسئولية ملقاة على عاتقه شخصيا إلا أن يده القاصرة ألجمته، ثم يُقتل المرء “وهذا واقع بالفعل” ثم يريد أن يُنكر على حركة الشباب ما تفعله اليوم من قتل للناس تحت ذريعة الردة، أو ربما يستهجن أن تقوم الحركة بقتل زملاء حركته”وهذا بالفعل حاصل” .

إن آخر تصور أريد أن أخذ من هذا الفكر هو أنه فكر يُبيِّت النية للإفساد،إنه ببساطة لا يستطيع أن يفهم أنه وبمجرد أن نصب نفسه بنفسه وبحسب ما يراه من حب أتباعه أن يكون المسؤول الأول على أن يتخذ حكما قضائيا على شخص بعينه لأمر حصل في مكان ما ويترتب من ذلك القتل وبطريقة عشوائية، لا يفهم هذا الفكر ببساطة أنه بمجرد أن سلك هذا الطريق أعطى غيره الحق الأخلاقي والمنطقي بأن يفعل نفس ما فعله هو، وقد يترتب من ذلك موته هو.

ختاما أسأل الله أن لا يجعلني أندم من نشر هذا المقال، والله المستعان وعليه التكلان.

Share

اقرأ هذا أيضًا