مؤتمر عرته
(1)
“العتاب الساخن”
لم يكن منظِّمو احتفالية مرور خمسةٍ وعشرين عاماً على اتفاق عرته في جيبوتي يتوقعون أن تتحوّل منصة الاحتفال إلى ساحة مساءلة للعلماء. فهؤلاء العلماء كانوا أوّل من دعا إلى الحوار، وسعى بمختلف الوسائل إلى تحقيق السلام بين حملة السلاح، أملاً في وقف النزاع الأهلي بأقرب وقت وبأيسر الصيغ الممكنة.
إلا أن مبادرتهم لم تُعفِهم من عتابٍ قاسٍ. فبعد سلسلة من الأسئلة التي طرحها محاور الجلسة الشيخ بشير عدو، انهالت التعليقات التي تمحورت جميعها حول سؤالٍ واحد:
كيف وافق العلماء على صيغة حكمٍ تتعارض جذورها الفكرية مع المرجعية القيمية للشريعة الإسلامية؟ وكيف قبلوا باستمرارها طيلة هذه السنوات؟
فإذا كان الاقتتال الأهلي قد أزهق آلاف الأرواح، فإن اتفاقية “4.5” القائمة على المحاصصة القبلية — كما يرى المنتقدون — قد أزهقت بدورها العدالة والنزاهة، وأضعفت روح الانتماء للوطن في نفوس المواطنين.
الإجابات التي قدّمها العلماء لم ترقَ إلى حساسية السؤال، إذ اكتفى بعضهم بالتبرير بأن صيغة (4.5) كانت “أفضل الممكن” في تلك المرحلة، القادرة على لَمّ الشمل ووقف النزاع. غير أن هذا المنطق لم يُقنع الحضور، الذين رأوا فيه قبولاً بنظامٍ اجتماعيٍّ يقوم على أسسٍ عنصرية، على حساب مرجعية العلم والدين ومنطق العدالة.
وهنا تبرز إشكاليةٌ لم تحظَ بالاهتمام الكافي، تتمثّل في أن العلماء الصوماليين — في الغالب — يتعاملون مع الواقع السياسي من منظورٍ فقهيٍّ جزئيٍّ أكثر منه منظورًا فكريًّا أو فلسفيًّا إسلاميًّا شاملًا. وقد اتّضح هذا الاتجاه بجلاء عندما طُرحت عليهم خلال الجلسة تساؤلاتٌ حول رؤيتهم لمستقبل النظام السياسي في البلاد، إذ لم يُقدّموا تصوّراتٍ واضحة أو حلولًا عملية ملموسة.
في المقابل، يُلاحظ وضوحٌ كبير في مواقفهم من مفاهيم الدولة الحديثة ذات المنطلقات الغربية، ومن القضايا المتصلة بوحدة الأمة الإسلامية وسياستها، أو حتى في رؤيتهم لصفات السياسي الصومالي المسلم، وهو وضوحٌ يعكس رسوخ التصوّر الفقهي لديهم.
وتقبلهم الخافت لصيغة (4.5) انطلق من مبدأ أخفّ الضررين — وهي قاعدة فقهية — في حين كان الأجدر أن يقوم الموقف الشرعي من الواقع السياسي الصومالي على رؤيةٍ فكريةٍ أعمق من مجرد إصدار حكمٍ فقهي، رؤيةٍ تُؤسَّس على تصوّرٍ شاملٍ لمفهوم الدولة القُطرية، وتستند إلى جهدٍ عقليٍّ مقاصديٍّ يعبّر عن روح الإسلام ومبادئه الكلية.
وكان من الممكن أن نرى ذلك الموقف الشرعي العميق لأن الفرقاء في تلك الحقبة، وفي ذروة احتدام الصراع بينهم، كانوا جميعًا يتطلّعون إلى العدالة وفق منطقهم الخاص، والعلماء كان يومئذٍ موضع إجماع وتقدير بين الخصوم، فكان لصوتهم وزن لا يُضاهى، وللفتوى التي تصدر عنهم سلطانٌ يضبط الإيقاع السياسي، ولكن بسبب التصور الجزئي نُرهَق لسنوات بالصيغة (4.5) التي كبّلت الإرادة وعدلت عن منطق العدل والمساواة.
د. فاطمة حوش
1/11/2025

