هل يمكن حسم الحروب بالضربات الجوية والصواريخ؟

المزيد للقراءة

تثير الحروب الحديثة، خصوصًا في الشرق الأوسط، تساؤلات متجددة حول قدرة الضربات الجوية والصواريخ بعيدة المدى على تحقيق نصر عسكري حاسم. فبينما تطورت التكنولوجيا العسكرية بشكل غير مسبوق، تشير تجارب العقود الأخيرة إلى أن القوة الجوية وحدها نادرًا ما تكون كافية لإنهاء الحروب أو فرض نتائج نهائية على الأرض.

ويرى محللون عسكريون أن الضربات الجوية، رغم قدرتها على إضعاف البنية العسكرية للخصم وإرباك منظوماته الدفاعية، تبقى في كثير من الأحيان أداة ضغط عسكري وليست وسيلة حسم نهائي للصراعات.

فالحسم الحقيقي غالبًا ما يتحقق عندما تتكامل العمليات الجوية مع العمليات البرية، حيث تُفرض الوقائع العسكرية والسياسية بشكل مباشر على الأرض.
الحرب الجارية في الشرق الأوسط تقدم نموذجًا واضحًا لهذا الجدل العسكري. فالتصعيد المتبادل بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى يكشف حدود القوة الجوية في تحقيق نتائج حاسمة.

ورغم الضغوط العسكرية والسياسية التي تواجهها طهران، فإنها تمكنت حتى الآن من الصمود نسبيًا والحفاظ على قدر من التوازن في المواجهة.
وتشير تجارب سابقة إلى محدودية تأثير الضربات الجوية عندما تُستخدم بشكل منفرد. فقد شنت الولايات المتحدة منذ عام 2007 سلسلة من العمليات الجوية المكثفة ضد تنظيم القاعدة في مناطق مختلفة من العالم، ما أدى إلى مقتل عدد كبير من قادة التنظيم. غير أن هذه العمليات لم تنهِ وجود التنظيم بشكل كامل، بل أدت في بعض الحالات إلى ظهور تشكيلات أكثر تشددًا، من بينها تنظيم داعش الذي برز في مناطق مختلفة من العالم ويُنظر إلى هذه التجربة باعتبارها دليلاً على أن الضربات الجوية قد تُضعف التنظيمات المسلحة لكنها لا تقضي عليها بالكامل.
وينطبق الأمر ذاته على اليمن، حيث نفذت الولايات المتحدة عام 2025 ضربات جوية ضد جماعة الحوثيين. ورغم الخسائر التي تكبدتها الجماعة نتيجة تلك العمليات، فإنها لا تزال تحتفظ بسيطرتها على العاصمة صنعاء، ما يعكس مرة أخرى حدود فاعلية القوة الجوية عندما لا تقترن بعمليات ميدانية على الأرض.
وفي المقابل، تُظهر تجارب أخرى أن الجمع بين العمليات الجوية والبرية يمكن أن يغير موازين القوى بشكل جذري. ففي العراق عام 2003 أدى القصف الجوي المكثف إلى تمهيد الطريق أمام القوات البرية التي تمكنت لاحقًا من إسقاط النظام الحاكم. كما لعب الدعم الجوي دورًا حاسمًا في ليبيا عام 2011 عندما ساهم في تمكين القوى المحلية على الأرض من تغيير موازين الصراع.
أما في المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، فإن المشهد يبدو أكثر تعقيدًا نتيجة تداخل مجموعة واسعة من العوامل العسكرية والسياسية والاقتصادية. ومن أبرز هذه العوامل:
1- مقتل علي خامنئي الذي كان يمثل القيادة العليا في إيران،وهذا يشعل القتال في المنطقة
2- الكثافة السكانية الكبيرة في إيران التي تتجاوز 92 مليون نسمة.
3- امتلاك إيران قدرات متقدمة في الصواريخ والطائرات المسيّرة.
4′ استهداف بعض القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط.
تأثر دول الخليج العربي بالحرب وسعيها إلى احتواء التصعيد.
5- صعوبة استمرار الحرب لفترة طويلة نتيجة الضغوط السياسية, والاقتصادية,والاجتماعية,والاستراتيجية في العالم.
6- احتمال تقديم روسيا والصين دعمًا استراتيجيًا لإيران، سواء عبر المعلومات أو السلاح.
7- في حال اندلاع حرب برية واسعة قد تضطر الولايات المتحدة إلى إشراك دول الخليج، وهو خيار معقد سياسيًا وعسكريًا,واقتصاديا.                                                 8- تنامي المعارضة الشعبية داخل الولايات المتحدة ضد الانخراط في حرب جديدة.
9- الارتفاع الكبير في أسعار النفط وتأثر التجارة العالمية.
10- الخسائر الاقتصادية المحتملة للولايات المتحدة، إضافة إلى الأضرار المختلفة التي لحقت بالفعل بإسرائيل.
11- ظهور قيادة جديدة داخل إيران، من بينها مجتبى علي خامنئي، ما قد يمنح النظام في طهران زخماً سياسياً إضافياً.
وفي ضوء هذه المعطيات، يرى خبراء أن الصراع الحالي يتجاوز كونه مواجهة عسكرية تقليدية، إذ يتداخل فيه البعد العسكري مع الحسابات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية على المستوى الدولي.
ورغم أن الصواريخ والطائرات المسيرة أصبحت من أبرز أدوات الحروب الحديثة، فإن التجارب تشير إلى أن المعارك البرية تبقى العامل الأكثر حسماً في تحديد نتائج الحروب. فالقوة الجوية قد تُمهّد الطريق، لكنها لا تستطيع بمفردها فرض السيطرة الكاملة أو إعادة تشكيل الواقع السياسي على الأرض.
وفي نهاية المطاف، تعكس المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران صراعًا استراتيجيًا أعمق يتعلق بمستقبل التوازنات في الشرق الأوسط. فواشنطن وتل أبيب تسعيان إلى تقليص القدرات العسكرية الإيرانية ومنعها من تطوير أسلحة الدمار الشامل، غير أن المؤشرات الحالية لا تظهر حتى الآن دلائل واضحة على تحقيق هذا الهدف بشكل كامل.
وبينما تتواصل الضربات المتبادلة والضغوط السياسية، والاقتصادية يبقى السؤال المطروح في الأوساط الإقليمية،والدولية: هل ستبقى المواجهة محصورة في إطار الضربات الجوية، أم أنها قد تتطور إلى صراع أوسع قد يغيّر ملامح المنطقة؟

السيناريو الأول هو الأكثر ترجيحا بناءا على المعطيات،والوقائع على الأرض.

Share

اقرأ هذا أيضًا