أزمة الأولويات في إدارة ولاية هيرشبيلي 

المزيد للقراءة

أزمة الأولويات في إدارة ولاية هيرشبيلي

لقد انشغلت وسائل الإعلام خلال اليومين الماضيين بالترويج والاحتفاء بافتتاح مقرات حكومية جديدة في مدينة جوهر، عاصمة ولاية هيرشبيلي منذ ما يقارب عشر سنوات، مع التركيز على إبراز جمال الطبيعة التي تتميز بها المدينة، وهي ميزة ربانية لا تُحسب ضمن إنجازات الإدارة أو مؤشرات أدائها.

ورغم أن هيرشبيلي تُعد إحدى الولايات الفيدرالية في الصومال، فقد أُتيحت لها فترة زمنية كافية كان من المفترض أن تمكّنها من منافسة بقية الولايات في مجالات التنمية، وتقديم الخدمات، وتعزيز الأمن والاستقرار في المحافظتين اللتين تتكون منهما الولاية، إلا أن النتائج المحققة ظلت دون مستوى التطلعات، سواء لدى الحكومة الفيدرالية أو لدى الشركاء الدوليين الداعمين لمسار بناء الدولة، ولم تنعكس سنوات التأسيس والإدارة على نحو ملموس في أداء المؤسسات أو في تحسين واقع المواطنين بالشكل المأمول.

وكان الأولى أن تُمنح الأولوية للضروريات التي تقوم عليها الدولة وتستقيم بها شؤون المجتمع، من ترسيخ الإدارة الفاعلة، وبناء المؤسسات الأمنية والقضائية، وتعزيز الأمن والاستقرار، وحماية الحقوق، وتوفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية للمواطنين. وبعد تحقيق هذه الأسس كان من الممكن الانتقال إلى استكمال المقرات الحكومية والمشروعات ذات الطابع التحسيني والتكميلي.

غير أن الواقع يوحي بعكس ذلك، إذ يبدو أن سلم الأولويات قد اختل، فأصبحت المظاهر المؤسسية تتقدم على متطلبات الحكم الأساسية بحيث ما زالت أجزاء واسعة من الولاية تعاني من ضعف الإدارة، وهشاشة الوضع الأمني، وغياب الاستقرار، في وقت تشهد فيه بعض المناطق جرائم قتل واعتداءات وانتهاكات متكررة، وسط ضعف المؤسسات القضائية القادرة على إنصاف المظلومين وحسم النزاعات وفق القانون.

فكيف يمكن الاحتفاء بإنشاء مقرات حكومية جديدة في ظل استمرار النقص في أهم مقومات الدولة، ومنها:
– وجود سلطة حاكمة فاعلة تدير شؤون الولاية بكفاءة.
– حفظ الأمن والاستقرار في مختلف المناطق.
– تحقيق العدالة وحماية الحقوق والحريات.
– تعزيز وحدة الولاية وترسيخ سيادة القانون.
– وجود مؤسسات قضائية قادرة على الفصل في النزاعات.
– حماية الأموال العامة والخاصة.
– توفير الخدمات الأساسية التي تمس حياة المواطنين اليومية.

ولم يقتصر القصور على الضروريات فحسب، بل امتد كذلك إلى كثير من الحاجيات السياسية التي ترفع المشقة عن المواطنين وتحسن أداء الدولة وتزيد من كفاءتها، ومن ذلك:
– تطوير الإدارة الحكومية ورفع كفاءتها.
– تحسين الأنظمة والإجراءات الانتخابية.
– توسيع المشاركة السياسية وتمكين مختلف فئات المجتمع.
– تحديث القوانين والإجراءات المنظمة للعمل الحكومي.
– تحسين الخدمات العامة وتسهيل وصول المواطنين إليها.

إن بناء المقرات الحكومية أمر مطلوب ومهم، لكنه يندرج ضمن التحسينات والمؤسسات المكملة، بينما تبقى الأولوية للضروريات التي تحفظ الأمن والعدل والاستقرار، وللحاجيات التي لا غنى للمجتمع عنها في تحسين أداء الدولة وتيسير حياة المواطنين.

فنجاح الإدارة لا يُقاس بجمال المباني وكثرة المقرات، وإنما بقدرتها على بسط الأمن، وإقامة العدل، وحماية الحقوق، وتطوير المؤسسات، وتقديم الخدمات، وخدمة المواطنين على الوجه الذي يحقق مصالحهم ويصون كرامتهم.

وعندما تُقدَّم التحسينات والكماليات على الضروريات والحاجيات، فإن الخلل لا يكون في بناء المقرات نفسها، بل في ترتيب الأولويات، وإدارة الموارد، وتحديد ما يستحق أن يتصدر أجندة العمل العام.

ويزيد من علامات الاستفهام حول هذه الفعاليات أن بعض المقرات التي جرى افتتاحها خلال الزيارة الحالية كانت جاهزة منذ فترات متفاوتة، وكان بالإمكان افتتاحها في أوقات سابقة، إلا أن افتتاحها أُجِّل ليتم جمعها في مناسبة واحدة وإخراجها في صورة حملة دعائية ذات طابع سياسي وانتخابي، يُراد منها تعزيز فرص الرئيس الحالي للولاية في الحصول على ولاية جديدة.

وقد تزامن ذلك مع ترتيبات بدت وكأنها تهدف إلى التأثير في الانطباع العام لدى رئيس الجمهورية، الذي حضر مراسم الافتتاح، من خلال عرض مشاهد ورسائل أُعدّت مسبقًا لإبراز صورة إيجابية عن أداء الإدارة الحالية.

وفي هذا السياق، نُظِّمت لقاءات لرئيس الجمهورية مع مجموعات قُدِّمت على أنها تمثل مختلف فئات المجتمع، ضمّت عددًا من زعماء العشائر وبعض رجال الأعمال المرتبطين بمصالح مع الإدارة الحالية المنتهية ولايتها، في حين غابت عن تلك اللقاءات شخصيات أكاديمية وثقافية مؤثرة، إلى جانب ممثلين عن عدد من العشائر الرئيسية في الإقليمين.

وقد حملت هذه اللقاءات، في مجملها، رسالة موحدة مفادها أن “لا حاجة إلى تغيير القيادة في هيرشبيلي”، رغم الإخفاقات الواضحة التي شهدتها الولاية على المستويات الإدارية والأمنية والقضائية. وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول مدى تعبير هذه المواقف عن المصلحة العامة للولاية وسكانها، أو عن مصالح فئات محددة ارتبطت مصالحها باستمرار الوضع القائم أكثر من ارتباطها بمتطلبات الإصلاح وتحسين أداء مؤسسات الحكم.

وبدا أن الغاية من تنظيم هذه اللقاءات والرسائل هي التأثير في موقف رئيس الجمهورية وتوجيه قراره بشأن مستقبل الإدارة الحالية، ولا سيما في ظل ما يتردد عن وجود قناعة لديه بضرورة إحداث تغيير في قيادة الولاية، بما يسهم في بناء إدارة أكثر فاعلية وكفاءة، وقادرة على معالجة الانقسامات والتحديات المتراكمة التي أخفقت الإدارة الحالية في تجاوزها، وتحقيق قدر أكبر من الانسجام بين الإقليمين، وصولًا إلى إدارة موحدة ومتماسكة تضطلع بمسؤولياتها السياسية والأمنية والتنموية على نحو أكثر فعالية.

غير أن هذه الرسائل، مهما بلغ حجم الترويج لها، لا تكفي لإقناع رئيس الجمهورية والوفد المرافق له أو صناع القرار في الحزب الحاكم، ما دامت تفتقر إلى ما يسندها من إنجازات حقيقية وملموسة على أرض الواقع. فاستمرار التحديات الأمنية والإدارية والقضائية والخدمية التي تعاني منها الولاية، إلى جانب حالة الانقسام والتباعد القائمة بين إقليميها بعد سنوات طويلة من تأسيسها، يظل المعيار الأهم في تقييم أداء الإدارة الحالية والحكم على مدى نجاحها في تحقيق الأهداف التي أُنشئت من أجلها، بعيدًا عن الحملات الدعائية والمظاهر الاحتفالية والرسائل المعدة لتجميل الواقع أو التغطية على إخفاقاته.

فالمعيار الحقيقي للحكم على نجاح أي إدارة لا يتمثل في كثرة الفعاليات الاحتفالية، أو الحملات الدعائية، أو الأغاني والشعارات التي تفتقر إلى المضمون العملي، وإنما في مستوى الأمن والاستقرار، وكفاءة المؤسسات، وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين، ومدى قدرة الإدارة على تحقيق التنمية وتحسين حياة السكان.

ولذلك فإن تقييم أداء أي ولاية ينبغي أن يستند إلى مؤشرات الإنجاز والنتائج العملية الملموسة، لا إلى المشاهد الاحتفالية أو الرسائل السياسية المصاحبة لها، مهما بلغ حجم الترويج الإعلامي الذي يحيط بها. ومع التنبيه إلى أن القضية لا تتعلق بما تحقق أو لم يتحقق داخل ولاية هيرشبيلي فحسب، بل تمتد إلى طبيعة المواقف السياسية لهذه الإدارة وتوازناتها بين الحكومة والمعارضة، وما يترتب على ذلك من انعكاسات على المشهد في مقديشو، وهو ما يستدعي من الحكومة المركزية مراجعة جادة واتخاذ ما يلزم من إجراءات تصحيحية تجاه الإدارة الحالية، في ظل ما يُلاحظ من تذبذب في مواقفها بين الحكومة والمعارضة، وذلك في الوقت المناسب قبل تفاقم الأوضاع.

وكما قال الشاعر: ولا تغترر بلين المسِّ من حيَّةٍ فإن السمَّ يكمن في ثناياها.

بقلم: علي أحمد محمد المقدشي

Share

اقرأ هذا أيضًا