إذ أصبح المنكر معروفا في حفلات الأعراس

المزيد للقراءة

الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على المبعوث رحمة للعالمين ، وعلى آله وصحبه أجمعين .

لقد جاشت بي العاطفة ، وازددت هماً وغماً وحزناً وأنا أرى وأسمع غربة عن الدين والأخلاق والقيم ، فأحببت أن أكتب للأحبة عن بعض ما في قلبي من لواعج الأسى والحزن وقد أصبح المنكر معروفاً ، والمعروف منكراً متجسداً بأوضح تجلياته في حفلات الأعراس هذه الأيام .

نعم إن حفلة العرس من المناسبات التي تختلف الشعوب والأمم في مراسمها وتفاصيلها ، انطلاقا من العادات والتقاليد الموروثة ، وبناءً على تعاليم الأديان المتبعة ، وبعيداً عن الخوض في تكاليف الزواج وكيفية إعداد وليمة العرس التي تقدر بقدرها ، حيث للميسور قدره وللمعسر قدره ، والتي قد تصل في بعض الأحيان إلى الاستدانة من أجل الإسراف والتبذير المنهي عنه شرعاً ، ويبتعد الغالبية عن الالتزام بالمطلوب عرفاً وشرعاً كل بحسب قدرته وإمكانياته ، إلا أن الذي بات ملاحظاً وظاهراً جلياً أن المنكرات في حفلات الأعراس قد انتشرت في الآونة الأخيرة في فنادق مقديشو وعموم المدن الصومالية ، حتى أصبحت ظاهرة عمت وطمت وتفشت ، ومما زاد الطين بلة أن هذه المجاهرة والجرأة قد تجاوزت الواقع المحلي على مستوى العائلة أو الحي أو المدينة ، بل انتقلت إلى ما هو أشمل وأوسع ، فالمواقع الاجتماعية أصبحت مليئة بالصور الخليعة الخادشة للحياء والذوق العام ، ناهيك عن جرأتها وتجاوزها للخطوط الحمراء من ضوابط الخلق والشرع والدين ، ومما يثير الاستغراب والعجب أن بعضاً من أبناء الدعاة رجالاً ونساءً قد غرقوا في أوحال هذه المنكرات والمحرمات.

ومما يؤسف له أن هؤلاء الأبناء يمارسون ذلك المنكر على مرأى ومسمع من الوالدين متذرعين بحجج واهية لا أصل لها ، حيث يقول البعض بأن الفتنة عمت وطمت وتوسعت وانتشرت وليس باستطاعة أحد أن يسبح عكس التيار ، بينما يتذرع البعض الآخر بأنها ليلة واحدة من العمر فلنمررها كما هي دون تكلف أو تشدد ، بينما يرى فريق ثالث أن الطلب بهذه الكيفية والتفاصيل قد جاء من قبل الفتى وأهله ، أو بطلب من قبل الفتاة وزميلاتها ، وكلّها أعذار واهية أقبح من الذنوب المرتكبة نفسها ، ومما يؤسف له أنك ترى فتاة التزمت الحجاب عقدين من الزمن على أنه فرض وحياء وخلق وفضيلة ، ثم تأتي في تلك الليلة لتتعرى ، بل ولتلبس التاج المكشوف فتكون كاسية عارية أمام الجماهير بالإضافةإلى الراقصات وما يقمن به من رقصات ماجنة مختلطة ، وما يصاحبها من عناق وضم وقبلات أمام الناس والشاشات والكاميرات ، وكلها أفعال تخدش الحياء وتنحو بعيداً عن قيم الفضيلة والأخلاق ، حتى يبدو وكأن العروسين في غرفة النوم في خلوة لوحدهما .

إن هذا التغيير الواسع الكبير هو أحد نتائج ما أحدثته ثقافة المسلسلات الغربية ، حيث أصبح التأثير مطبق والتقليد أعمى مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم ( لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة ، حتى لو دخلوا جحر ضب خرب لدخلتموه ..) وهذا عام منتشر في معظم الأفراح والأتراح إلا من رحم الله وقليل ما هم .

لقد كنت مسافراً ذات يوم إلى مقديشو ، وفوجئت بوجود فرقة موسيقية في مطار مقديشو ، وهم يضربون آلات لهوهم لا يأبهون لشيء ، فقلت ما هذا ؟ ! فقالوا : استقبال لجنازة السياسي فلان بن فلان ، فازددت تعجباً واستغراباً ، وتساءلت ما العلاقة بين ميت فاضت روحه إلى بارئها لتحاسب بما كسبت ، وموسيقى تصدح بالصخب والضجيج ؟! هل يريح الميت سماع إيقاعاتهم وأغانيهم ورقصاتهم ؟! أم أنهم لا يدرون أنه في حالة أخروية تشغله عن هذه المنكرات التي ما أنزل الله بها من سلطان ؟! إنها للأسف إحدى مندرجات اتباع المغلوب للغالب حذو القذة بالقذة .

لقد يسر الله لي يوم الخميس قبل الماضي أن كنتُ عضواً في لجنة إعداد برنامج إقامة حفلة العرس لشقيقتي الصغرى آخر عنقود الأسرة ، وكان بصحبتي المهندس عبدالحليم ، وقد بدأت اللقاء بكلمات من قلبي فقلتُ : الإسلام لا يرفض إقامة الأفراح والأعراس لكن يشترط لها ضوابطها الشرعية ، وهي بتلك الضوابط تبدو أكمل وأحسن وأجمل مما تطرحه المسلسلات الهابطة المستوى والمحتوى من احتفالات منحطة ، خبيثة ، رديئة ، وبعد أن أوضحت وجهة نظري كيف يكون برنامج العرس وما سيتضمنه من فقرات مؤكداً على ضرورة الالتزام بالضوابط الشرعية ، وإقامة النظام المنضبط الذي منبته وحاضره ومستلقبله مستمد من خلق وتعاليم الإسلام الحنيف ، فكانت أول موافقة من شقيقتي مباشرة على الفور ، وكانت تلك الاستجابة من باب تربية النشأ بالتربية الحسنة كما قال الشاعر :
وينشأ ناشيء الفتيان فينا* على ما كان عوده أبوه
وما دان الفتى بِحِجيّ**
ولكن يعلمه التدين أقربوه .

نعم لقد وضعنا فقرات برنامج الحفلة واتفقنا عليها ، وتم نشره بين العامة بعد اكتمال الترتيبات ، وعلى الفور بدأت مجموعة من النسوة في المدينة يتقدمن بملاحظاتهن ومقترحاتهن وآرائهن ، وأخذن يرددن ويكررن أن هذا لا يمكن تطبيقه ، بل هو مستحيل في هذا الزمان ، وأخذن يفتين بأنه يباح في الأعراس ما لا يباح في غيرها من هذه الخزعبلات ، واضطررت للدخول حينها في نقاش موسع وعميق ، وأوضحت أن التحسين والتقبيح حكم شرعي لا عرفي ولا عقلي ، يقوم على الدليل الشرعي من الكتاب والسنة وليس بالظن واتباع الهوى ، وأن المنكر يبقى منكراً ولو فعله كل الناس ، ويبقى المعروف معروف وإن تركه كل الناس ، وقد اخبرنا المصطفى صلى الله عليه وسلم بتقلب الموازين في آخر الزمان فقد جاء في الأثر ” شر من ذلك سيكون ، كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكراً و المنكر معروفاً “

وأخيرا تمت – بحمد الله وفضله ومنه وكرمه – حفلة الزواج كما أردنا أن تكون طاعة لله سبحانه وتعالى ، وكسباً للأجر والثواب ، وإحياناً للسنن في المناسبات الإسلامية وفق المنهج الصحيح من الالتزام بالأخلاق والقيم والضوابط الشرعية ، بلا منكرات ولا تجاوزات تغضب الحق سبحانه وتعالى ، وتطبيقاً لما كان عليه الرعيل الأوّل من سلف هذه الأمة من ضرورة الالتزام بالستر والصلاح وحرمة الاختلاط بين الشبان والشابات .

وفي الختام لا ييسعنا إلا أن نتقدم بجزيل الشكر وجميل العرفان لوالدي الفاضل الشيخ عبد الله – أطال الله في عمره على طاعته – على ما تكرم به من وصايا ونصائح طيبة ، مباركة ، قيمة ، ثمينة ، والشكر موصول للاخ الشيخ الدكتور يزيد بن الشيخ مرشد بنصائحه النافعة ، الرشيدة ، السديدة ، وكامل الشكر والتقدير لكل من لبّى الدعوة وشارك في الحفلة مع عائلة آل الحاج محمود ، ونقول للعروسين : نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتمم عليكما بالهناء والبرّ والوفاء ، وندعو لكما بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم : ( بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير ) ونسأل سبحانه وتعالى أن يجعلكما من المتحابين فيه ، وأن يرزقكما الذرية الصالحة ، المباركة ، الطيبة ، اللهم آمين آمين . وصل اللهم وسلم وزد وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ، ومن تمسك بهديه ، واقتفى أثره ، وأحيا سنته إلى يوم الدين ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

منير عبد الله الحاج عبدي
منير عبد الله الحاج عبديhttp://qiraa
أستاذ جامعي ومصلح اجتماعي

Share

اقرأ هذا أيضًا