اتفاق التعهدات الأمريكية وأكبر فشل دبلوماسي أمريكي
ا.د / صالح الخثلان *
الاتفاق الذي أعلن أمس يؤكد بكل وضوح صحة وصف الدبلوماسيين الإيرانيين بأنهم مفاوضون من طراز استثنائي. فنحن أمام انتصار تفاوضي إيراني بامتياز، مقابل أكبر فشل في تاريخ الدبلوماسية الأمريكية.
وهذا غير مستغرب حين نعلم أن من قاد المفاوضات عن الجانب الإيراني هو عباس عراقجي، مؤلف كتاب “قوة التفاوض” الذي يُدرّس في الجامعات، في مواجهة فريق يقوده مطور عقاري، ستيف ويتكوف، مع غياب واضح لوزارة الخارجية الأمريكية عن إدارة هذا الملف.
ولبيان الانتصار الإيراني، يكفي التوقف عند كلمة واحدة في النص: “تتعهد”. فقد وردت ثماني مرات؛ ست مرات في سياق تعهدات أمريكية منفردة، ومرتين فقط في سياق تعهدات مشتركة. وفي المقابل، لا يتضمن الاتفاق أي تعهد إيراني منفرد في ملف جوهري.
وتتمثل التعهدات الأمريكية المنفردة فيما يلي:-
- تتعهد الولايات المتحدة بسحب قواتها من محيط إيران خلال 30 يوماً بعد الاتفاق النهائي.
- تتعهد الولايات المتحدة، بالتعاون مع الشركاء الإقليميين بتمويل إعادة إعمار وتنمية إيران ب 300 مليار دولار.
- تتعهد الولايات المتحدة بإنهاء جميع أشكال العقوبات المفروضة على إيران، بما في ذلك العقوبات الدولية والأمريكية.
- تتعهد الولايات المتحدة بإصدار إعفاءات لتصدير النفط الخام الإيراني
والمنتجات البترولية والمشتقات وجميع الخدمات المرتبطة بها، بما في ذلك الخدمات المصرفية والتأمين والنقل.
- تتعهد الولايات المتحدة بإتاحة الأموال والأصول الإيرانية المجمدة أو المقيدة للاستخدام الكامل.
- تتعهد الولايات المتحدة بإصدار جميع التراخيص والتصاريح اللازمة لتمكين إيران من استخدام تلك الأموال والأصول.
ولا تقتصر المكاسب الإيرانية على هذه التعهدات. فالنص يتضمن مكاسب إضافية مهمة، منها:
- الاعتراف بدور إيراني في إدارة مضيق هرمز. أما الإشارة إلى التشاور مع دول الخليج فهي محاولة خبيثة لإضفاء شرعية خليجية على إدارة إيران للمضيق.
- عدم فرض عقوبات أمريكية جديدة خلال مرحلة التفاوض.
- عدم نشر قوات أمريكية إضافية في المنطقة خلال مرحلة التفاوض. منح إيران ضمانات قانونية ودولية إضافية من خلال اعتماد الاتفاق النهائي بقرار ملزم من مجلس الأمن الدولي.
- بقاء المواد المخصبة داخل إيران والاكتفاء بخفض درجة التخصيب ، بدلاً من إخراجها من البلاد.
- الاكتفاء بإعادة تأكيد إيران موقفها التقليدي الذي سبق أن أعلنته مراراً ولا قيمة له بعدم سعيها لحيازة أو تطوير أسلحة نووية.
- منح إيران مكسباً سياسياً وإعلامياً من خلال إصرارها على تضمين أمن لبنان وسلامة أراضيه في الاتفاق، بما يسمح لها بتقديم نفسها بوصفها طرفاً ساهم في حماية لبنان. كما أن إدراج لبنان في الاتفاق يمثل اعترافاً عملياً بمنطق “وحدة الساحات” الذي اعتمدته طهران في إدارة الصراع.
أما أسوأ ما في الاتفاق، من منظور خليجي، فهو تحميل الشركاء الإقليميين تكلفة إعادة إعمار وتنمية الاقتصاد الإيراني. فمقابل الاعتداءات الايرانية عليها وما نتج عنها من خسائر تقدر بمئات المليارات بالنظر إلى تأثيرها في صورتها كدول مستقرة وجاذبة للاستثمار والسياحة، يُطلب منها الآن أن تكافئ المعتدي وتساهم في إعادة إعماره.
ولهذا، ينبغي على دول مجلس التعاون والأمانة العامة للمجلس الإسراع في إعداد ملف متكامل يوثق الخسائر والأضرار التي لحقت بدول الخليج نتيجة الاعتداءات الإيرانية، والمطالبة بتعويضات مقابلة. ولا أظن أن هذا الأمر يحتاج إلى مهارات دبلوماسية استثنائية.
* عضو مجلس الشورى السعودي سابقاً.
استاذ مشارك للعلوم السياسية في جامعة الملك سعود سابقاً.
ومستشار اول لمركز الخليج للدراسات حالياً.

