الأحاديث المنتظرة

المزيد للقراءة

“الأحاديث المنتظرة”

لعلّ الوجه الإيجابي الأبرز لأزمتنا الأخيرة مع الكيان الصهيوني أو مع حكومة أبوظبي يتمثّل في تنامي اهتمام المنابر الإعلامية العربية بالشأن الصومالي، وسعيها إلى إعادة تقديم الصومال للرأي العام العربي من خلال أبنائه أنفسهم. وقد ظهر هذا التحوّل في عدد من الإطلالات الإعلامية، سواء عبر المقابلات التحليلية السريعة أو الحوارات المطوّلة، كالحوار اللافت مع السفير السابق طاهر غيلي، أو اللقاء المميّز مع الصحفي المتألق شافعي ابتدون.

وهذه الحوارات مع أهميتها الإخبارية إلا أنها تُساهم في كسر نمطٍ إعلامي قديم ظلّ يعتمد على معارف جاهزة وسطحية، التي لا تضيف جديدًا إلى وعي المتلقي العربي، ولا ترقى إلى مستوى تعقيدات الواقع الصومالي. فقد اعتاد الإعلام العربي، تناول الشأن الصومالي من زاوية مسلّمات اعتباطية، وتصورات مريحة لا تخضع للمساءلة أو التحليل النقدي، الأمر الذي يجعل هذه الإطلالات الجديدة خطوة مهمّة نحو فهم أعمق وأكثر إنصافًا للصومال وقضاياه.

وتكتسب هذه الإطلالات أهميتها من كونها لا تكتفي بالتقديم الوصفي أو التحليلي السريع، بل تنطلق من تصور جذري يسبق النقد والتحليل. فعلى سبيل المثال، لم تقتصر مقابلة السفير غيلي على سرد الوقائع او صف الاحداث، بل سعت إلى فهم هذه الوقائع في سياقها التاريخي والظروف التي أفرزتها، وهو ما جعل المقابلة إيجابية ومترابطة، باستثناء ما يتعلق بملف تركة الاستعمار.

وينطبق الأمر ذاته على مقابلة شافعي ابتدون؛ إذ يصعب على أي باحث عربي، مهما بلغت معرفته بالشأن الصومالي، أن يشرح بدقة انعكاسات الحدود الاستعمارية في الصراعات الصومالية، فملكة الحس المشترك التي يمتلكها المتحدث الصومالي مع موضوع الحوار جعلت من النقاش مادة أكثر واقعية.

لذلك الاهتمام المتزايد بالشأن الصومالي لا يعيد فقط تصحيح صورة غُيّبت طويلًا في الإعلام العربي، بل يفرض أيضًا مسؤولية جديدة على المتحدث الصومالي نفسه، تدفعه إلى تجاوز الخمول والكسل الفكري، والاستعداد الجاد لتمثيل قضاياه بوعي، وعمق، ويطور قدراته على الاشتباك النقدي.

فاستعادة الصوت الصومالي في الفضاء العربي ليست مكسبًا ظرفيًا، بل فرصة تاريخية لبناء سردية أكثر عدلًا وصدقًا عن الصومال، في ماضيه وحاضره ومستقبله.
د. فاطمة حوش
17/1/2026

فاطمة محمد حوش
فاطمة محمد حوش
كاتبة ومتخصصة في التربية

Share

اقرأ هذا أيضًا