يُعدّ الأستاذ محمد طاهر أفرح من أكثر الكُتّاب تأثيرا في مسيرتي الشخصية والأدبية. كان الدكتور أفرح يكتب بالعربية في بداية مسيرته، فكتب في الأدب والمسرح والتاريخ والثقافة والنقد. ومن الجدير بالذكر أنه أصدر جريدة «صوت جوبا» من مدينة كسمايو في أوائل السبعينيات.
وعندما التقينا في كسمايو، شدّتني علاقة روحية عميقة مع الأديب الذي أعطاني نصيحة ما زلت أحفظها. قال لي ونحن في مكتبة كسمايو: “كن مخلصا للكتابة، ولا تجعلها هواية ثانوية تعيش في هامش حياتك”
وعلى خلاف الكاتب الفلسطيني إميل حبيبي، صاحب «سرايا بنت الغول» و«لكع بن لكع»، الذي كان يرى إمكان حمل بطيختين بيد واحدة، أي الجمع بين السياسة والأدب، كان محمد طاهر أفرح، الذي عاد إلى الوطن بعد ثلاثة عقود في المنفى، يرى أن السياسة تغتال الأدب وتشتت التركيز.
ولم يكن يتحدث من موقع الناصح أو المنظّر، بل من واقع تجربة شخصية؛ فقد كان عضوا في مجلس النواب الصومالي خلال المرحلة الانتقالية الأولى بعد انهيار الدولة، ووزيرا في الحكومة الوطنية الانتقالية التي تشكلت عقب مؤتمر عرتا عام 2000، كما ترأس اللجنة المستقلة لمراجعة الدستور وتطبيقه في الصومال. ولذلك كان رأيه يحمل عصارة رجل جرّب العمل السياسي وخبر أثره في مسيرته الأدبية، ولم يكن مجرد نصيحة عابرة أو تأملا نظريا.
وذات مساء، وأنا أنهل من خبرته، قال بصوته المبحوح ونظرته المتأنية: “ابتعد عن السياسة ما استطعت؛ فهي الخصم الأول للإبداع. واختر لغتك في الكتابة قبل فوات الأوان، فالتشتت يقلل الإبداع ويشتت التفكير”. فقلت له: “لا أعرف كيف يستطيع صومالي الابتعاد عن السياسة، فهي المجال الوحيد الذي يوفر حياة كريمة ومستقبلا أفضل، وهي أيضا ميدان لتطبيق الأفكار والطموحات. أما اللغة فقد اخترت منذ سنوات؛ وستكون العربية لغتي في الكتابة وسائر المعرفة”.
ورغم أن التواصل بيننا لم ينقطع حتى قبل وفاته بأسابيع، فإن ذلك اللقاء كان الأخير. فقد استقرّ الروائي الراحل في مقديشو، بينما لازمتُ عصا الترحال وابتعدتُ عن النوادي الثقافية والملتقيات الأدبية، وجرفتني السياسة بعيدا عن أنشطة الأكاديمية الإقليمية للغة الصومالية Akademiye Goboleedka Af Soomaaliga AGA التي كان يرأسها، فيما كنتُ ممثلَها ومندوبَها في ولاية جوبالاند Jubaland، حتى اضطرّ الدكتور إلى إخطاري بأن الأكاديمية لا تحتمل غيابي الطويل وقلة تفاعلي مع أنشطتها.
قبلتُ قرار الدكتور بصدر رحب، وبعد أيام أرسل إليّ بريدا إلكترونيا يخبرني فيه بتوقّف الراتب الشهري الذي كنتُ أتقاضاه. كان جدولي بين العمل والكتابة مزدحما، وكان قراره صائبا؛ فلم أكن أستحق ذلك المبلغ ما دمتُ غير قادر على منح الأكاديمية وقتي الكامل، والقيام بواجب حمل رسالتها ونشر أهدافها، حرصا على استمرار حضورها وتأثيرها في الوسط الصومالي.
وفي مساء من مساءات تشرين الأول، وأنا أكتب مقدمة هذا الكتاب في ردهة فندق مطل على شارع بني ياس في دبي Dubai، اتصل علي الأديب من مقديشو، وتحدثنا عن طموحاته ومستقبل الأكاديمية. ورغم أن الدكتور كان قليل الكلام، فإننا تحدثنا طويلا في تلك الأمسية. جسديا، كان الكاتب الذي أثر في أجيال من الكتاب مسنا أنهكه المرض، وطغت سطوة العمر على ملامحه، وفي الإرادة كان شابا قويا وصاحب همة عالية، ورجلا عمليا يحمل إصرارا عجيبا، ويعشق النجاح ومتفانيا في عمله.
في ذلك المساء أعرب عن سعادته بالمبنى الجديد للأكاديمية، وقال إنه مشروع العمر بالنسبة له، وإنه سيرحل مطمئنّ البال إن وافته المنية بعد إتمامه. وهذا ما حدث فعلا؛ إذ رحل قبل أن يرى المشروع يُفتح رسميا، وقد تولّى الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، إلى جانب نظيره الجيبوتي إسماعيل عمر غيله، تدشينه بعد عام من وفاة الروائي.
وقبل انتهاء المكالمة أرسل إلي مسودة كتابه «نافذة على الإبداع في منطقة خليج عدن.. دراسات في الثقافة والفن في الصومال وجيبوتي واليمن»، وطلب مني قراءته وتنقيحه. وكان الكتاب حصيلة عدة عقود قضاها متنقلا بين مقديشو وعدن وجيبوتي ولندن، مهتما بالثقافة والمسرح والأدب والفنون. وقد تشرفت بقراءته أكثر من خمس مرات، وأضفت إليه بعض التعليقات والتعديلات، وقمت بتصحيحه وتهذيبه، وكنت وسيطا بين المؤلف ودار النشر.
ولا أبالغ إن قلت إنني استمتعت واستفدت منه، لما يحمله من لمسة أدبية ونظرة عميقة، وتوغّل في ردهات الأدب، وتأريخ للفن في منطقة زاخرة بالتراث والثقافات الضاربة في جذور الزمان والمكان. وسيكون الكتاب إضافة للمكتبة الصومالية.
وفي صباح تأبينه في أكتوبر/تشرين الأول 2021، لم نودّع كاتبا ساحرا وأديبا فذا فحسب، بل ودّعنا مشروعا أدبيا وقامة ثقافية، ورجلا كرّس قلمه لقضايا أمته وتطوير لغتها. وقد جادت قريحته برواية شكّلت نسقا فنيا جديدا لم يكن مألوفا في بلاده، وترك خلفه حياة حافلة بالكتب و«الأدب الملتزم».
#مسامير_الذاكرة

