الانتخابات المباشرة في الصومال: مشروع إصلاح حقيقي أم غطاء لإعادة تشكيل النفوذ؟

المزيد للقراءة

الانتخابات المباشرة في الصومال: مشروع إصلاح حقيقي أم غطاء لإعادة تشكيل النفوذ؟

مقدمة

لقد شاهدتُ الليلة الماضية أحزابًا قيل إنها كانت جزءًا من القوى التي شاركت في الانتخابات التي جرت في ولاية جنوب الغرب ، وهي تعلن تشكيل تحالف سياسي يهدف إلى أن يكون الطرف الذي يحدد من سيتولى قيادة الإدارة خلال السنوات الخمس المقبلة.

ويأتي ذلك في وقت كانت فيه الشكوك والتساؤلات تحيط بشكل واسع بالانتخابات التي جرت هناك، لا سيما فيما يتعلق بمدى نزاهة وشفافية نظام الانتخابات المباشرة الذي تبنّته الحكومة الفيدرالية الصومالية.

كما أن هذا التحالف الجديد يعزز المخاوف والاتهامات التي كان يطرحها كثيرون، والتي مفادها أن جل الأحزاب التي ظهرت في المشهد الانتخابي لم تكن في حقيقتها كيانات سياسية مستقلة ومتعددة، بل واجهات مختلفة لمشروع سياسي واحد، هدفه التأثير على نتائج الانتخابات وإحكام السيطرة على إدارة معظم الولايات خلال المرحلة المقبلة لأجل تمديد ولاية الحزب الحاكم، تحت غطاء وشعار “شخص واحد، صوت واحد”.

تمهيد
أود أن أوضح هنا بشكل صريح أنني كنت ولا أزال، من حيث المبدأ والرؤية السياسية، معارضًا لنظام الانتخابات غير المباشرة، ولنظام المحاصصة القبلية 4.5، وكذلك للنظام الفيدرالي القائم حاليًا، وما نتج عن التفاهمات والترتيبات السياسية التي جرت في مدينة Garowe (غروى 1 و2) قبيل نهاية ولاية شريف شيخ أحمد، والتي يرى كثيرون أنها أسهمت في ترسيخ معادلات سياسية من شأنها تعميق الانقسام، وإضعاف مبدأ المساواة بين المواطنين والولايات، وفتح المجال أمام اختلالات سياسية وإدارية تهدد استقرار البلاد ووحدتها الوطنية على المدى البعيد.

ومع ذلك، فإنني أرى بضرورة إيجاد مسار سلمي ومتوافق عليه يمكن من خلاله تجاوز هذه الإشكالات جميعًا، بما يحفظ استقرار البلاد ووحدتها.

وفيما يتعلق بالانتقال من الانتخابات غير المباشرة إلى نظام “شخص واحد، صوت واحد”، فأنا من أوائل المؤيدين لهذا التحول، باعتباره خطوة وطنية ضرورية طال انتظارها في الصومال. لكن ذلك لا يعني أبدًا القبول بانتخابات شكلية أو صورية تُرفع فيها شعارات “الاقتراع المباشر” دون وجود مضمون حقيقي يعكس إرادة الشعب ويضمن نزاهة العملية الانتخابية وشفافيتها.

إن نظام “شخص واحد، صوت واحد” يمثل خطوة وطنية مهمة تأخر تطبيقها في الصومال لسنوات طويلة، وكان من المفترض أن يفتح الباب أمام انتخابات حرة ونزيهة تُمكّن المواطنين من اختيار قياداتهم بصورة مباشرة، وتؤسس لمرحلة جديدة تقوم على تكافؤ الفرص، والشفافية، والتداول السلمي للسلطة، إلى جانب ترسيخ مبدأي المساواة والعدالة الاجتماعية بين مختلف فئات المجتمع.

غير أن نجاح هذا المسار يتطلب قيام انتخابات حقيقية تتوافر فيها معايير النزاهة والشفافية، وتكون واضحة في آلياتها وإجراءاتها ولجانها المختلفة، بما يضمن تكافؤ الفرص وعدالة التنافس، لتتنافس من خلالها أحزاب وتنظيمات سياسية متعددة تمتلك رؤى وبرامج وطنية متباينة، يكون هدفها خدمة البلاد وتحقيق الاستقرار والإصلاح والتنمية.

أما إذا جرى تحويل هذا المبدأ إلى مجرد شعار جذّاب يُستخدم لإخفاء مصالح سياسية ضيقة، أو إلى غطاء يتم من خلاله تمرير مشروع يهدف إلى احتكار السلطة أو إعادة إنتاجها وتمديد نفوذ الحزب الحاكم، فإن ذلك يفقد الانتخابات المباشرة معناها الحقيقي، ويقوّض ثقة المواطنين بها وبالغاية الوطنية التي يفترض أن تقوم عليها.

إن ما حدث البارحة في ولاية جنوب الغرب يشبه إلى حدٍّ كبير الأساليب المستخدمة في ألعاب القمار أو طاولات “الورق”، حيث يُقنع الأشخاص غير المتمرسين بأن بإمكانهم تحقيق مكاسب سهلة وسريعة، فيندفعون للمشاركة بحماس، بينما تكون النتائج الحقيقية مُعدّة سلفًا لصالح جهة بعينها تستفيد من اللعبة بكل تفاصيلها.

وبالمثل، إذا أعلن الحزب الحاكم انتقال البلاد من نظام الانتخابات غير المباشرة إلى نظام “شخص واحد، صوت واحد”، ثم تبيّن لاحقًا أنه دفع بعشرة أحزاب أو واجهات سياسية مختلفة في الشكل، لكنها تمثل في حقيقتها حزبًا واحدًا ومشروعًا سياسيًا واحدًا، فإن ذلك يكشف عن عملية منظمة تهدف إلى الهيمنة على المشهد الانتخابي، وإيهام الآخرين بوجود تعددية سياسية وتنافس حقيقي، في حين أن موازين القوة والنتائج الفعلية جرى ترتيبها بصورة مسبقة.

وهنا تصبح الأحزاب الأخرى والمواطنون مجرد أدوات مستخدمة لإضفاء الشرعية على عملية تبدو من الخارج انتخابات مفتوحة وحرة، بينما تم ترتيب نتائجها وموازينها السياسية مسبقًا.

والمقصود من هذا الحديث هو التحالفات الحزبية التي قيل إنها تشكلت الليلة الماضية في ولاية جنوب الغربي  بين عدة أحزاب يُعتقد على نطاق واسع أنها في الأصل كيان سياسي واحد، لكنه كان يرتدي “عشرة قمصان مختلفة” ليظهر أمام الرأي العام وكأنه مجموعة من القوى السياسية المتعددة والمتباينة زورا وبهتانا.

واليوم، يبدو أن تلك الأطراف قد تخلّت عن حالة التمويه والتخفي السابقة كما تخلت عن التلوّن بأسماء وشعارات مختلفة، وأعلنت بصورة واضحة تحالفًا سياسيًا كشف — في نظر كثيرين — الوجه الحقيقي لهذه الأحزاب، باعتبارها في الأصل مشروعًا سياسيًا واحدًا يعمل بأسماء متعددة وأهداف متقاربة “كوجوه متنوعة في عملة واحدة”.

ويُنظر إلى هذا التحالف باعتباره تأكيدًا للشبهات التي كانت تُثار سابقًا حول طبيعة جل هذه الأحزاب، خاصة أن بعض القوى السياسية الأخرى دخلت العملية الانتخابية بحسن نية، وعلى أساس الاعتقاد بأن مشروع “شخص واحد، صوت واحد” يمثل بالفعل انتقالًا حقيقيًا نحو انتخابات حرة ونزيهة تقوم على التعددية والتنافس العادل.

وهذا يجعل المشهد أقرب إلى مجموعة قامت بتهيئة ساحة لعبة القمار مسبقًا، ثم دفعت الآخرين للمشاركة في منافسة تبدو مفتوحة وعادلة، بينما كانت موازين القوة والجهة المستفيدة معروفة منذ البداية.

وبناءً على ذلك، فإن أصوات المواطنين ومشاركة الأحزاب المستقلة التي خاضت تلك الانتخابات تبدو — في نظر كثيرين — وكأنها استُخدمت لإضفاء طابع انتخابي حر ونزيه على عملية يُعتقد أن هدفها النهائي هو تمكين الحزب الحاكم من توسيع نفوذه وإحكام سيطرته على معظم الولايات الفيدرالية الصومالية، مستفيدًا من اسم وشعار “الانتخابات المباشرة”.

كما أن هذا الواقع يمنح مبررات إضافية للمعارضة الرافضة للانتخابات الحالية التي يقودها JSP، ويجعل اعتراضها بواقع الحال كأنه محاولة للبحث عن صيغة سياسية توافقية وشاملة لم تتمكن البلاد من التوصل إليها حتى الآن، الأمر الذي يُبقي المشهد السياسي عالقًا في دائرة من التجاذبات والأزمات المتكررة، دون وجود مخرج واضح يفضي إلى استقرار سياسي دائم.

وفي النهاية، فإن هذه التطورات تثير مخاوف وتساؤلات متزايدة بشأن إمكانية تكرار السيناريو نفسه في الانتخابات المرتقبة في هيرشبيلى وغلمدغ، الأمر الذي قد يؤثر على ثقة المواطنين، ويقوّض الآمال المعقودة على إقامة انتخابات حقيقية حرة ونزيهة تقوم على مبدأ “شخص واحد، صوت واحد” في الصومال.

بقلم: علي أحمد محمد المقدشي

Share

اقرأ هذا أيضًا